للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

"إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" (١) .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) }

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا} الْآيَةَ قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْرِمُ أَهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْهُمْ يَوْمًا وَقَدْ سُبِقُوا إِلَى الْمَجْلِسِ فَقَامُوا حِيَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ سَلَّمُوا عَلَى الْقَوْمِ فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ، فَقَامُوا عَلَى أَرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُوَسَّعَ لَهُمْ، فَلَمْ يُفْسِحُوا لَهُمْ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: قُمْ يَا فُلَانُ وَأَنْتَ يَا فُلَانُ، فَأَقَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ بِقَدْرِ النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَهَّلِ بَدْرٍ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ وَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَرَاهِيَةَ فِي وُجُوهِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ (٢) .

وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ قِصَّتَهُ (٣) . وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا إِذَا رَأَوْا مَنْ جَاءَهُمْ مُقْبِلًا ضَنُّوا بِمَجْلِسِهِمْ فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُفْسِحَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ (٤) .

وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا} أَيْ تَوَسَّعُوا فِي الْمَجْلِسِ، قَرَأَ الْحَسَنُ وَعَاصِمٌ: "فِي الْمَجَالِسِ" لِأَنَّ الْكُلَّ جَالِسٌ مَجْلِسًا مَعْنَاهُ: لِيَتَفَسَّحْ كُلُّ رَجُلٍ فِي مَجْلِسِهِ. وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: "فِي الْمَجْلِسِ" عَلَى التَّوْحِيدِ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ مَجْلِسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {فَافْسَحُوا} أَوْسِعُوا، يُقَالُ: فَسَحَ يَفْسَحُ فَسْحًا: إِذَا وَسَّعَ فِي الْمَجْلِسِ {يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} يُوَسِّعُ اللَّهُ لَكُمُ الْجَنَّةَ وَالْمَجَالِسَ فِيهَا.


(١) أخرجه مسلم في السلام، باب تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه برقم (٢١٨٤) : ٤ / ١٧١٨، والمصنف في شرح السنة: ١٣ / ٩٠.
(٢) عزاه السيوطي في الدر المنثور: ٨ / ٨١ لابن أبي حاتم. وانظر: الواحدي في أسباب النزول، ص (٤٧٥) تفسير ابن كثير: ٤ / ٣٢٥.
(٣) وقوله عزّ وجلّ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ) الآية، قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد سبقوه بالمجلس أوسعوا له حتى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم وقد فاتته [ركعة من صلاة الفجر] .
فلما انصرف النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم، فضن كل رجل بمجلسه فلا يكاد يُوسّع أحدٌ لأحد، فكان الرجل إذا جاء فلم يجد مجلسًا يجلس فيه قام قائمًا كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتخطى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتى انتهى إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبينه وبينه رجل، فقال له: تفسح، فقال الرجل: قد أصبتَ مجلسًا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبًا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل، فقال: من هذا؟ قال: أنا فلان، فقال ثابت: ابن فلانة، وذكر أُمًّا له كان يعير بها في الجاهلية، فنكَّسَ الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
(٤) أخرجه الطبري: ٢٨ / ١٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>