للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[كتيب الفريضة الغائبة والرد عليه]

المفتي

جاد الحق على جاد الحق.

ربيع الأول ١٤٠٢ هجرية - ٣ يناير ١٩٨٢ م

المبادئ

١ - الرجوع إلى لغة العرب فى فهم معانى القرآن واجب.

٢ - الإيمان شرعا هو التصديق بما وجب الإيمان به.

والإسلام هو النطق بالشهادتين والعمل بما جاء به الإسلام والبعد عما نهى عنه.

٣ - ارتكاب المسلم ذنبا من الذنوب مخالفا بذلك نصا من القرآن أو السنة لا يخرجه عن الإسلام ما دام معتقدا صدق النص ومؤمنا بوجوب التزامه به ولكنه يكون عاصيا فقط.

أما جحوده ما وجب الإيمان به فيكون به كافرا.

٤ - من كفر مسلما أو وصفه بالفسوق ارتد عليه ذلك إن لم يكن صاحبه على ما وصف.

٥ - النزاع فى شىء من أمور الدين يرد إلى الكتاب والسنة والعالمين بهما.

٦ - الجهاد نوعان جهاد فى الحرب وهو مجاهدة المشركين بشروطه ويكون بالقتال وباليد وبالمال وباللسان وبالقلب، وجهاد فى السلم وهو جهاد النفس والشيطان والجهاد فى مواضعه ماض إلى يوم القيامة.

٧ - الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة فى حالة احتلال بلاد المسلمين ويكون بكافة الوسائل.

٨ - حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (بعثت بالسيف بين يدى الساعة) صحيح ولكنه جاء مبينا لوسيلة حماية الدعوة عند التعدى عليها أو التصدى للمسلمين.

٩ - حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (لقد جئتم بالذبح) ليس المراد به المعنى الحقيقى للذبح وإنما المقصود به معنى مجازى هو التهديد.

١٠ - تكفير الحاكم لمجرد تركه لبعض أحكام الله وحدوده دون تطبيق لا سند له من القرآن أو السنة ولكنه يكون بذلك آثما.

١١ - ما جاء فى الكتيب من أن أحكام الكفر تعلو بلادنا وإن كان أهلها مسلمين، مناقض للواقع.

١٢ - الإسلام لا يبيح الخروج على الحاكم المسلم وقتله، ما دام مقيما على الإسلام يعمل به حتى ولو بإقامة الصلاة فقط.

١٣ - إذا خالف الحاكم الإسلام، على المسلمين أن يتولوه بالنصح والدعوة السليمة، وإلا فلا طاعة له فيما أمر به من معصية أو منكر.

١٤ - دعوى أن قوله تعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} الخ الآية ناسخة لكل آية فى القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء، غير صحيحة.

١٥ - فتوى ابن تيمية الواردة فى الكتيب فى باب الجهاد.

خاصة بالتتار.

وهم عنده كفار. ١٦ - الشورى أساس الحكم فى الإسلام، والخليفة مجرد وكيل عن الآمة يمضع لسطلانها.

١٧ - تسمية الحاكم بالخليفة.

أمر تحكمه عوامل السياسة فى الأمة الإسلامية، ولا تتعطل بسببها مصالح الناس خاصة بعد تفرق المسلمين إلى دول ودويلات، وانتخاب الحاكم فى كل عصر قائم مقام البيعة بالخلافة فى صدر الإسلام.

١٨ - الخلافة والإمارة والولاية ورئاسة الجمهورية وغيرها من الأسماء مجرد اصطلاحات ليست من رسم الدين ولا من حكمه.

١٩ - العلم فى الإسلام يتناول كل ما وجد فى هذا الكون، فضلا عن العلم بالدين عقيدة وشريعة وآدابا وسلوكا.

٢٠ - العلم جهاد، وجهاد العلماء ثابت تاريخيا ولا مراء فيه.

٢١ - الأصل فى الإسلام التعامل مع الناس جميعا، المسلم وغير المسلم، فيما لا يخالف نصا صريحا من كتاب أو سنة أو إجماع

السؤال

تقرير عن كتاب الفريضة الغائبة اطلعنا على صورة ضوئية لهذا الكتاب فى أربع وخمسين صفحة وقد احتوى فى جملته على تفسيات لبعض النصوص الشرعية من القرآن والسنة وعنى بالفريضة الغائبة الجهاد داعيا إلى إقامة الدولة الإسلامية، وإلى الحكمبما أنزل الله مدعيا أن حكام المسلمين اليوم فى ردة، وأنهم أشبه بالتتار، يحرم التعامل معهم، أو معاونتهم، ويجب الفرار من الخدمة فى الجيش، لأن الدولة كافرة، ولا سبيل للخلاص منها إلا بالجهاد وبالقتال كأمر الله فى القرآن، وأن أمة الإسلام تختلف فى هذا عن غيرها فى أمر القتال وفى الخروج على الحاكم، وأن القتال، فقد كان المجاهدون فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعده وفى عصور التابعين، وحتى عصور قريبة ليسوا علماء، وفتح الله عليهم الأمصار ولم يحتجوا بطلب العلم، أو بمعرفة علم الحديث وأصول الفقه، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل على أيديهم نصرا للإسلام، لم يقم به علماء الأزهر يوم أن دخله نابليون وجنوده بالخيل والنعال فماذا فعلوا بعلمهم أمام تلك المهزلة وآية السيف نسخت من القرآن مائة آية وأربعا وعشرين آية.

وهكذا سار الكتاب فى فقراته كلها داعيا إلى القتال والقتل

الجواب

فيما يلى الحكم الصحيح مع النصوص الدالة عليه من القرآن ومن السنة فى أهم ما أثير فى هذا الكتيب تمهيد (أ) القرآن نزل بلسان عربى مبين على رسول عربى، لا يعرف غير لغة العرب.

ففى القرآن الكريم قول الله سبحانه {إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون} يوسف ٢، وقوله تعالى {وكذلك أنزلناه حكما عربيا} الرعد ٣٧، فوجب أن نرجع إلى لغة العرب وأصولها لمعرفة معانى هذا القرآن واستعمالاته فى الحقيقة والمجاز وغيرهما وفقا لأساليب العرب، لأنه جاء معجزا فى عبارته، متحديا لهم أن يأتوا بمثله أو بسورة أو بآية.

ولا شك أنه نزل على رسول عربى قال جل شأنه {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} إبراهيم ٤، (ب) الإيمان وحقيقته الإيمان فى لغة العرب، هو التصديق ملطقا، ومن هذا القيل قول الله سبحانه حكاية عن إخوة يوسف عليه السلام قال تعالى {وما أنت بمؤمن لنا} يوسف ١٧، أى ما أنت بمصدق لنا فيما حدثناك به عن يوسف والذئب.

وقول النبى صلى الله عليه وسلم فى تعريف الإيمان (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خير وشره) ومعناه التصديق القلبى بكل ذلك وبغيره مما وجب الإيمان به.

والإيمان فى الشرع هو التصديق بالله وبرسله وبكتبه وبملائكته وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر.

قال تعالى {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} البقرة ٢٨٥، وهكذا توالت آيات الله فى كتابه ببيان ما يلزم الإيمان به.

والإيمان بهذا تصديق قلبى بما وجب الإيمان به، وهو عقيدة تملأ النفس بمعرفة الله وطاعته فى دينه.

ويؤيد هذا دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (اللهم ثبت قلبى على دينك) وقوله لأسامة وقد قتل من قال لا إله إلا الله (هلا شققت قلبه) .

وإذا ثبت أن الإيمان عمل القلب، وجب أن يكون عبارة عن التصديق الذى من ضرورته المعرفة، ذلك لأن الله إنما يخاطب العرب بلغتهم ليفهموا ما هو المقصود بالخطاب، فلو كان لفظ الإيمان فى الشرع مغايرا عن وضع اللغة، لبين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما بين أن معنى الزكاة والصلاة غير ما هو معروف فى أصل اللغة، بل كان بيان معنى الإيمان إذا غاير اللغة أولى.

(ج) الإسلام وحقيقته الإسلام يقال فى اللغة أسلم دخل فى دين الإسلام، وفى الشرع كما جاء فى الحديث الشريف (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) .

وبهذا يظهر أن الإسلام هو العمل بالقيام بفرائض الله من النطق بالشهادتين وأداء الفروض والانتهاء عما حرم الله سبحانه ورسوله.

فالإيمان تصديق قلبى، فمن أنكر وجحد شيئا مما وجب الإيمان به فهو كافر، قال الله تعالى {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} النساء ١٣٦، أما الإسلام فهو العمل والقول، عمل بالجوارح ونطق باللسان، ويدل على المغايرة بينهما قول الله سبحانه {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان فى قلوبكم} الحجرات ١٤، والحديث الشريف فى حوار جبريل عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام يوضح مدلول كل منهما شرعا على ما سبق التنويه عنه فى تعريف كل منهما (حديث جبريل من الايمان والإسلام والاحسان وراه الترمذى ج - ١٠ ص ٧٧ و ٧٨ بشرح القاضى ابن العربى) وهما مع هذا متلازمان، لأن الإسلام مظهر الإيمان.

(د) متى يكون الإنسان مسلما حدد هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بى، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) رواه البخارى.

وفى قوله (يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان فى قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان فى قلبه من الخير ما يزن برة، ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان فى قلبه من الخير ما يزن ذرة) .

وراه البخارى. هذا هو المسلم، فمتى يخرج عن إسلامه، وهل ارتكاب معصية بفعل أمر محرم، أو ترك فرض من الفروض ينزع عنه وصف الإسلام وحقوقه قال الله سبحانه {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء ١١٦، وفى حديث طويل لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ذاك جبريل أتانى قال من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، قلت وإن زنى وإن سرق، قال وإن زنى وإن سرق..) رواه البخارى.

هذه النصوص من القرآن والسنة تهدينا صراحة إلى أنه وإن كانت الأعمال مصدقة للإيمان ومظهرا عمليا له، لكن المسلم إذا ارتكب ذنبا من الذنوب بأن خالف نصا فى كتاب الله، أو فى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يخرج بذلك عن الإسلام، ما دام يعتقد صدق هذا النص ويؤمن بلزوم الامتثال له، وفقط يكون عاصيا وآثما لمخالفته فى الفعل أو الترك.

بل إن الخبر الصادق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم دال على أن الإيمان بالمعنى السابق منقذ من النار فقد روى أنس رضى الله عنه.

قال (كان غلام يهودى يخدم النبى صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبى صلى الله عليه وسلم ويعوده (يعنى يزوره وهو مريض) فقعد عند رأسه، فقال له أسلم.

فنظر الغلام إلى أبيه وهو عنده. فقال له أبوه أطع أبا القاسم.

فأسم. فخرج النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقول (الحمد لله الذى أنقذه من النار) رواه البخارى وأبو داود.

(هاء) ما هو الكفر فى اللغة كفر الشىء ستره (أى غطاه) والكفر شرعا أن يجحد الإنسان شيئا مما أوجب الله الإيمان به بعد إبلاعه إليه، وقيام الحجة عليه.

وهو على أربعة أنحاء كفر إنكار، بأن لا يعرف الله أصلا ولا يعترف به، وكفر جحود وكفر معاندة، وكفر نفاق.

ومن لقى الله بأى شىء من هذا الكفر لم يغفر له، قال تعالى {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء ١١٦، وقد شاع الكفر فى مقابلة الإيمان، لأن الكفر فيه ستر الحق، بمعنى إخفائه وطمس معامله، ويأتى هذا اللفظ بمعنى كفر النعمة، وهو بهذا ضد الشكر.

وأعظم الكفر حجود وحدانية الله باتخاذ شريك له، وجحد نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته.

والكافر متعارف بوجه عام فيمن يجحد كل ذلك.

وإذا كان ذلك هو معنى الإيمان والإسلام والكفر مستفادا من نصوص القرآن والسنة، كان المسلم الذى ارتكب ذنبا وهو يعلم أنه مذنب عاصيا لله سبحانه وتعالى معرضا نفسه لغضبه وعقابه، لكنه لم يخرج بما ارتكب عن ربققة الإيمان وحقيقته، ولم يزل عند وصف الإسلام وحقيقته وحقوقه.

وأيا كانت هذه الذنوب التى يقترفها المسلم خطأ وخطيئة، كبائر أو صغائر، لا يخرج بها عن الإسلام ولا من عداد المؤمنين، ذلك مصداقه قول الله سبحانه {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء ١١٦، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه عبادة بن الصامت (المحلى لابن حزم ج - ١١ ومثله رواه مسلم) قال (أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم البيعة ألا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضا (أى لا يرم أحدنا الآخر بالكذب والبهتان) فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أتى منكم حدا فأقيم عليه فهو كفارة له، ومن ستر الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له) وبهذا يكون تفسير خلود العصاة فى نار جهنم الوارد فى بعض آيات القرآن الكريم مثل قوله تعالى {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين} النساء ١٤، يمكن تفسير هذا - والله أعلم - بالخلود الآبد المؤبد إذا كان العصيان بالكفر أما إذا كان العصيان بارتكاب ذنب - كبيرة أو صغير خطأ وخطئية دون إخلال بالتصديق والإيمان.

كان الخلود البقاء فى النار مدة ما حسب مشئية الله وقضائه، يدل على هذا أن الله سبحانه ذكر فى سورة الفرقان عددا من كبائر الأوزار (الآيتان ٦٨، ٦٩ من سورة الفرقان) ثم أتبعها بقوله سبحانه {إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما.

ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا} الفرقان ٧٠، ٧١، وهذا لا يعنى الاستهانة بأوامر الله طمعا فى مغفرته، أو استهتارا بأموامره ونواهيه، فإن الله أغير على حرماته وأوامره من الرجل على أهله وعرضه، كما جاء فى الأحاديث الشريفة.

ذلك هو الكفر، وتلك هى المعصية، ومنهما تحدد الكافر، والعاصى أو الفاسق، وأن هذين غير ذاك فى الحال وفى المال.

(و) هل يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه.

أو تكفير المؤمن الذى استقر الإيمان فى قلبه ومن له الحكم بذلك إن كان له وجه شرعى قال الله سبحانه {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة} النساء ٩٤، وفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (ثلاث من أصل الإيمان وعد منها الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل) (رواه أبو داود) وقوله (لا يرمى رجل رجلا بالفسق، أو يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك) .

(رواه الامام أحمد فى مسنده ج - ١٨) من هذه النصوص نرى أنه لا يحل تكفير مسلم بذنب اقترفه سواء كان الذنب ترك واجب مفروض، أو فعل محرم منهى عنه، وأ، من يكفر مسلما أو صفه بالفسوق، يرتد عليه بهذا الوصف إن لم يكن صاحبه على ما وصف.

من له الحكم بالكفر أو بالفسق قال الله تعالى {فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول} النساء ٥٩، وقال سبحانه {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} التوبة ١٢٢، وقوله {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} الأنبياء ٧، وفى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى رواه الزهرى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال (أعلام الموقعين لابن القيم ج - ٢ ص ١٢٦) (سمع النبى صلى الله عليه وسلم قوما يتمارون فى القرآن (يعنى يتجادلون فى بعض آياته) فقال إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، ولا يكذب بعضه بعضا، فما علمتم منه فقولوا وما جهلتهم منه، فكلوه إلى عالمه) .

هذا هو القرآن، وهذه هى السنة، كلاهما يأمر بأن النزاع فى أمر من أمور الدين يجيب أن يرد إلى الله وإلى رسوله، أى إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، وأن من يتولى الفصل وبيان الحكم هم العلماء بالكتاب وبالسنة، فليس لمسلم أن يحكم بالكفر أو بالفسق على مسلم، وهو لا يعلم ما هو الكفر، ولا ما يصير به المسلم مرتدا كافرا بالإسلام، أو عاصيا مفارقا لأوامر الله.

إذ الإسلام عقيدة وشريعة.

له علماؤه الذين تخصصوا فى علومه تنفيذا لأمر الله ورسوله فالتدين للمسلمين جميعا، ولكن الدين وبيان أحكامه وحلاله وحرامه لأهل الاختصاص به وهم العلماء، قضاء من الله ورسوله.

وبعد هذا التمهيد ببيان هذه العناصر، نتابع قراءة ذلك الكتيب على الوجه التالى.

لنرى ما إذا كانت أفكاره فى نطاق القرآن والسنة أو لا.

٢ أولا الجهاد جاء فى ص ٣ وما بعدها أن الجهاد فى سبيل الله بالرغم من أهميته القصوى، وخطورته العظمى على مستقبيل هذا الدين، قد أهمله علماء العصر وتجاهلوه، بالرغم من علمهم بأنه السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد ثم ساق الكتاب حديث (بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى) الخ الحديث.

وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب قريشا فقال (استمعوا يا معضر قريش أما الذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) وبهذا رسم الطريق القويم الذى لا جدال فيه، ولا مداهنة مع أئمة الكفر وقادة الضلال وهو فى قلب مكة.

والجهاد فى سبيل الله أمر جاء به القرآن، وجرت به السنة، لا يمارى فى هذا أحد.

ولكن ما هو الجهاد الجهاد فى اللغة أصله المشقة، يقال جاهدت جهادا، أى بلغت المشقة.

وفى الشرع جهاد فى الحرب، وجهاد فى السلم.

فالأول هو مجاهدة المشركين بشروطه، والآخر هو جهاد النفس والشيطان - ففى الحديث (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النفس) وللحديث روايات أخرى وليس من الأحاديث الموضوعة كما جاء فى هذا الكتيب، فقد رواه البيهقى وخرجه العراقى على الاحياء (أحياء علوم الدين للغزالى وعلى هامشه تخريج الأحاديث للحافظ العراقى فى كتاب شرح عجائب القلب) فالجهاد ليس منحصرا لغة ولا شرعا فى القتال، بل إن مجاهدة الكفار تقع باليد وبالمال وباللسان وبالقلب، وكل أولئك سبيله الدعوة إلى الله بالطريق الذى رسمه الله تعالى فى القرآن، وابتعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن} النحل ١٢٥، هل الجهاد فرض عين على كل مسلم قال أهل العلم بالدين وأحكامه إن الجهاد بالتقال كان فرضا فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم من دعاه الرسول من المسلمين للخروج للقتال، وأما بعده فهو فرض كفاية إذا دعت الحاجة.

ويكون فرض عين على كل مسلم ومسلمة فى كل عهد وعصرنا إذا احتلت بلاد المسلمين ويكون بالقتال وبالمال وباللسان وبالقلب.

لقوله صلى الله عليه وسلم (رواه أحمد وأبو داود والنسائى) (جاهدوا المشركين بأوالكم وأيديكم وألسنتكم) .

وجهاد النفس هو فرض عين على كل مسلم ومسملة دائما وفى كل وقت، وفى هذا أحاديث شريفة كثيرة، منها قول الرسول عليه الصلاة والسلام (ضمن حديث وراه الترمذى وقال حديث حسن صحيح) (المجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله عز وجل) .

حديث (بعثت بالسيف بين يدى الساعة) هو حديث صحيح لكن ما مدلوله وهل تؤخذ ألفاظه هكذا وحدها دون النظر إلى الأحاديث الأخرى وإلى سير الدعوة منذ بدأت.

وإن ما قال به هذا الكتيب هو ما قال به المستشرقون، حيث عابوا على الإسلام فقالوا إنه انتشر بالسيف.

ألا ساء ما قال هؤلاء وأولئك، فإن القرآن قد فصل فى هذه القضية وما كان رسول الله إلا مبلغا ومنفذا للوحى، ولا يصدر منه ما يناقض القرآن الذى يقول {لا إكراه فى الدين} البقرة ٢٥٦، ويقول {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} النحل ١٢٥، ويقول {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} يونس ٩٩، ويقول {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} آل عمران ٢٠، ويقول {إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء} القصص ٥٦، ذلك القرآن أصل الإسلام، والسنة مفسرة له لا تختلف معه، وحديث بعثت بالسيف مع هذه الآيات لا يؤخذ على ظاهره، فقد جاء بيانا لوسيلة حماية الدعوة عند التعدى عليها، أو التصدى للمسلمين، وإلا فهل استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم السيف لإكراه أحد على الإسلام اللهم لا وما كان له أن يخالف القرآن الذى نزل على قلبه.

وقوله الشريف (وجعل رزقى فى ظل رمحى) إشارة إلى آية الغنائم (الآية ٤١ من سورة الأنفال (واعلموا انما غنمتم من شىء فان لله خمسة وللرسول ولذى القربى)) وقسمتها، وأن له رزقا فى بيت مال المسلمين، حتى لا ينشغل عن الدعوة بكسب الرزق وكان هذا مبدأ فى الإسلام، فأصبح لولى أمر المسلمين مرتبا فى بيت مال المسلمين حتى يتفرغ لشئونهم، فأصبح لولى أمر المسلمين مرتبا فى بيت مال المسلمين حتى يتفرغ لشئونهم، وهذا هو ما فهمه أصحاب رسول الله، فإن أبا بكر رضى الله تعالى عنه بعد أنه اختاره المسلمون خليفة توجه إلى السوق كعادته للتجارة، فقابله عمر رضى الله عنه وقال له ماذا تصنع فى السوق.

قال أعمل لرزقى وزرق عيالى، فقال له قد كفيناك ذلك، أو قد كفاك الله ذلك.

مشيرا إلى هذه إلى هذه الآية، فإن فيها قول الله (فأن لله خمسه) فمرتب الخليفة من هذا الخمس هذا هو الحديث الذى يستهدى به الكتيب فى حتمية القتال لنشر الإسلام فهو استدلال فى غير موضعه، إيراد للنص فى غير ما جاء فيه ولا يحتمله وإلا - على زعم هذا الكتيب - كان الحديث مناقضا للقرآن.

وذلك ما لا يقول به مسلم. أما ما نقله الكتاب من قول الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش (استمعوا يا معشر قريش، أما والذى نفسه محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) .

فإن قصة هذا القول - كما جاءت فى السيرة النبوية (ج - ١ ص ٣٠٩ و ٣١٠ طبعة ثالثة دار احياء التراث العربى بيروت ١٣٩١ هجرية - ١٩٧١ م) لابن هشام قال ابن اسحاق فحدثنى يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة ابن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ما أكثر ما رأيت قريشا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته.

قال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما فى الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما رأينا مثل ما صبرها عليه من أمر هذا الرجل قط سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم، أو كمما قالوا فبينما هم فى ذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشى حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول.

قال فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ثم مضى، فلما رجع مر بهم الثانية غمزوه مثلها، فعرفت ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف.

ثم قال أتسمعون يا معشر قريش أما والذى نفسى بيده، لقد جئتكم بالذبح ثم استطردت الرواية إلى ما كان بين الرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء الذين غمزوه بالقول ثلاث مرات وهو يطوف حول البيت فى ذات اليوم واليوم التالى.

فما معنى هذه العبارة الأخيرة فى قول الرسول حسبما جاء فى هذه القصة (لقد جئتكم بالذبح) .

تعود إلى اللغة نجدها تقول ذبحت الحيوان دبحا قطعت العروق المعروفة فى موضع الذبح بالسكين، والذبح الهلاك، وهو مجاز، فإنه من أسرع أسبابه، وبه فسر حديث ولاية القضاء (فكأنما ذبح بغير بسكين) ويطلق الذبح للتذكيه، وفى الحديث (كل شىء فى البحر مذبوح) أى ذكى لا يحتاج إلى الذبح، ويستعار الذبح للإحلال، أى لجعل الشىء المحرم حلالا، وفى هذا حديث أبى الدرداء رضى الله عنه (ذبح الخمر، الملح والشمس.

) أى أن وضع الملح فى الخمر مع وضعها فى الشمس يذبحها أى يحولها خلا فتصبح حلالا (تاج العروس فى مادة ذ.

ب.

ح) فأى معنى لغوى للفظ الذبح فى هذه القصة يعتد به لا يجوز أن يكون المراد المعنى الأصلى للذبح، وهو قطع العنق من الموضع المعروف، لأن الله أبلغ الرسول فى القرآن {لا إكراه فى الدين} البقرة ٢٥٦، {إنك لا تهدى من أحببت} القصص ٥٦، {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين} المائدة ٩٢، {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين} التغابن ١٢، {فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين} النحل ٨٢، وهو لم يفعل ذلك، يعنى لم يذبح أحدا لا فى مكة ولا فى غيرها، ولم يكره أحدا على اتباعه، فيستبعد المعنى الأصلى لمعارضته للقرآن.

وإذا يكون المعنى المجازى هو المراد بهذا التهديد، فإنهم قد غمزوه وعابوه وشتموه وهو يطوف بالبيت فهددهم بالهلاك، بأن يدعو الله عليهم كما فعل السابقون من النبياء، أو بالتطهير مما هم فيه من الشرك، يعنى أنه جاءهم بالدين الصحيح الذى يتطهرون باتباعه، وهذا المعنى الأخير هو المتفق مع ما أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو لقومه بالهداية إلى الإسلام.

بهذا البيان - مع واقع القرآن والسنة، ومن لغة العرب التى نزل بها القرآن - يظهر بوجه قاطع الرسول صلى الله عليه وسلم لهم يهدد قومه بالذبح الذى قصده هذا الكتيب وصرف القصة إليه وهو القتل، فالرسول إنما كان يهدد بما يملك إنزاله بهم، لا بما يفوق فدرته الذاتية، فقد كان ومن تبعوه قلة، لا يستطيعون ذبخ مخالف لهم، وهو لم يفعل حتى بعد أن هاجر وصارت له عدة وعدد من المؤمنين بل إن تفسير الذبح فى هذا التهديد بالمعنى المتبادر لهذا اللفظ يتعارض مع ما عرف عن رسول الله من خلق وحكمة ورحمة بالناس، وقد أكد القرآن كل هذه الصناف لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء ١٠٧، وقال سبحانه {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنتب فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} آل عمران ١٥٩، وقال {وإنك لعلى خلق عظيم} القلم ٤.

ثالثا - الحكم بما أنزل الله فى القرآن الكريم قول الله سبحانه {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} النساء ٦٥، وقوله {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} الإسراء ٨٢، وقوله {وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} الأنعام ١٥٥، وقوله {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شىء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} النحل ٨٩.

وفى الحديث الشريف الذى رواه مالك فى الموطأ.

(تركت فيكم أمرين لت تضلوا ما تمسكتم بهما.

كتاب الله وسنة رسوله) . فالقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، هما المرجع فى التشريع الإسلامى، فقد اشتملا على العقائد والعبادات والمعاملات، وعلى أحكام وحكم وعلوم وفضائل وآداب وأنباء عن اليوم الآخر وغير هذا مما يلزم الإنسان فى حياته وفى آخرته.

وقد أمر القرآن بالأخذ به، وبما جاء به رسول الله (أى سنته) ذلك قول الله سبحانه {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} الحشر ٧، وقوله تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله} النساء ٨٠، وقوله جل شأنه {ليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} النور ٦٣، وقوله تعالى {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} النور ٥١، وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة ٤٤، وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} المائدة ٤٥، وقوله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} المائدة ٤٧، ذهب الخوارج إلى أن مرتكب الكبيرة كافر، محتجين بهذه الآيات الثلاث الأخير، وهذا النظر منهم غير صحيح.

ذلك لأننا إذا رجعنا إلى قواعد اللغة ودلالات الحروف والأسماء نجد أن كلمة (من) الواردة فى تلك الآيات من أسماء الموصول، وهذه الأسماء لم توضع - فى اللغة - للعموم، بل هى للجنس، تحتمل العموم، وتحتمل الخصوص.

قال أهل العلم باللغة والتفسير، وعلى هذا يكون المراد، والمعنى (والله أعلم) أما من لم يحكم بشىء مما أنزل الله أصلا فأولئك، أى من ترك أحكام الله نهائيا وهجر شرعه كله، هم الكافرون وهم الظالمون، وهم الفاسقون، وذلك بدليل ما سبق من الأحاديث الدالة على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج بها عن إيمانه وإسلامه وإنما يكون آثما فقط.

أو أن المراد فى هذه الآيات بقول الله (بما أنزل الله) هو التوارة، بقرينة ما قبله وهو قوله {إنا أنزلنا التوراة} وإذا أخذنا هذا المعنى كانت الآيات موجهة للهيود الذين كان كتابهم التوارة، فإذا لم يحكموا بها كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين، والمسلمون غير متعبدين بما اختص به غيرهم من الأمم السابقة، فقد كانت - مثلا - توبة أحدهم من ذنب ارتكبه قتل نفسه {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} البقرة ٥٤، وحرم هذا فى الإسلام {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} النساء ٢٩، وشرع بديلا لقتل النفس التوبة بالاستغفار وبالصدقات.

وبهذا البيان يكون مجرد ترك بعض أوامر الله أو مجرد فعل ما حرم الله مع التصديق بصحة هذه الأوامر وضرورة العمل بها، يكون هذا إثما وفسقا، ولا يكون كفرا، ما دام مجرد ترك أو فعل دون جحود أو استباحة.

وعلى ذلك يكون تكفير الحاكم لتركه بعض أحكام الله وحدوده دون تطبيق لا يستند إلى نص فى القرآن أو فى السنة، وإنما نصوصهما تسبغ عليه إثم هذه المخالفة، ولا تخرجه بها من الإسلام، ولعل فيما قاله رسول الله وأوردناه فيما سبق من قوله (ثلاث من أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل) لعل فى هذا الرد القاطع على دعوى تكفير المسلم الذى لم يجحد شيئا من أصول الإسلام وشريعته.

ثالثا بلادنا دار لإسلام جاء فى ص ٧ من هذا الكتيب أن أحكام الكفر تعلوا بلادنا، وإن كان أكثر أهلها مسلمين، وهذا قول مناقض للواقع، فهذه الصلاة تؤدى، وهذه المساجد مفتوحة وتبنى، وهذه الزكاة يؤديها المسلمون، ويحجون بيت الله، وحكم الإسلام ماض فى الدولة، إلا فى بعض الأمور كالحدود والتعامل بالربا وغير هذا مما شملته القوانين الوضعية.

وهذا لا يخرج الأمة والدولة عن أنها دولة مسلمة وشعب مسلم، لأننا - حاكما ومحكومين نؤمن بتحريم الربا والزنا والسرقة وغير هذا، ونعتقد صادقين أن حكم الله خير وهو الأحق بالاتباع، فلم نعتقد حل الربا وإن تعاملنا به، ولم نعتقد حل الزنا والسرقة وغير هذا من الكبائر وإن وقع كل ذلك بيننا، بل كلنا - محكومين وحاكمين - نبتغى حكم الله وشرعه ونعمل به فى حدود استطاعتنا، والله يقول {فاتقوا الله ما استطعتم} التغابن ١٦، وعقيدتنا فيما أمر الله بقدر ما وهبنا من قوة.

رابعا ما السبيل إلى تطبيق أحكام الله غير المنفذة.

وهل يبيح هذا قتل الحاكم والخروج عليه.

نسوق لرسم الطريق والجواب عن هذا.

الحديث الذى رواه الإمام مسلم فى صحيحه عن عوف بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم (تصلون أى تدعون لهم ويدعون لكم، لأن الصلاة فى اللغة الدعاء) ، ويصلون عليكم (تصلون أى تدعون لهم ويدعون لكم، لأن الصلاة فى اللغة الدعاء) ، وشرار أئتمكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم.

قال قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم.

(أى نقاتلهم) قال لا ما أقوموا فيكم الصلاة.

لا ما أقاموا فيكم الصلاة تصلون عليهم (يعنى تدعون لهم)) ومثله الحديث الذى رواه أحمد وأبو يعلى قال (يكون عليكم أمراء تطمئن إليهم القلوب وتلين لهم الجلود، ثم يكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود.

فقال رجل أنقاتلهم يا رسول الله، قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة) .

وروى الإمام مسلم فى صحيحه عن أم سلمة (هند بنت أبى حذيفة) رضى الله عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (انه يستعمل عليكم أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضى وتابع.

قالوا يا رسول الله ألا نقاتلهم، قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة) .

ومعناه أن من كره بقلبه، ولم يستطع إنكارا بيد ولا لسان، فقد برىء من الإثم وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضى بفعلهم وتابعهم فهو العاصى.

بهذه الأحاديث الصحيحة وغيرها نهتدى إلى أن الإسلام لا يبيح الخروج على الحاكم المسلم وقتله مادام مقيما على الإسلام يعمل به، حتى ولو بإقامة الصلاة فقط، وأن على المسلمين إذا خالف الحاكم الإسلام أن يتولوه بالنصح والدعوة السليمة المستقيمة كما فى الحديث الصحيح (رواه الترمذى ج - ٨ ص ١١٣ و ١١٤ بشرح القاضى ابن العربى) (الدين النصيحة.

قلنا لمن يا رسول الله، قال لله ولرسوله ولأئمة الملسمين وعامتهم) فإذا لم يقم الحاكم حدود الله وينفذ شرعه تاما، فليست له طاعة فيما أمر من معصية أو منكر، ومعنى هذا أن الحكم بما أنزل الله لا يقتصر على الحاكم فى دولته، بل يشمل كل أفراد المسلمين رجالا ونساء، وعليهم الالتزام بأمر الله فيما افتراض من طاعات والانتهاء عما نهى من منكرات.

ذلك أخذا بمجموع نصوص القرآن والسنة، وإلا فإن هذا الاتجاه والفكر الذى ساقه هذا الكتاب من باب من يقرأ قول الله {فويل للمصلين} الماعون ٤، ٥، ويسكت ولا يتبعها بقوله {الذين هم عن صلاتهم ساهون} الماعون ٤، ٥، ومن يقرأ قول الله {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} النساء ٤٣، ويسكت ولا يتبعها بقوله سبحانه {وأنتم سكارى} النساء ٤٣، بل إن هذا الفكر ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، ويقول فى دين الله بغير علم، وذلك إثم عظيم يحمله كل من يبث هذا الفكر، وعلى المجتمع مقاومته ونبذه، وعلى الدولة الوقوف ضده.

والسبيل المستقيم مع أصول الإسلام فى القرآن والسنة أن نطالب جميعا بتطبيق أحكام الله دون نقصان بالأسوة الحسنة والحجة الواضحة، لا بالقتل والقتال وتكفير المسلمين وإهدار حرماتهم.

هكذا أوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى {لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة} الأحزاب ٢١، وهكذا يجب أن نكون، وأن تكون دعوتنا إلى الله وإلى تطبيق شرع الله وتعميق العمل به فى السوك والحكم.

خامسا - آية السيف (ص ٢٧ - ٢٩) وقد عنى الكتيب المعروض بها.

وهى قول الله سبحانه فى سورة التوبة {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} التوبة ٥، ونقل الكتاب أن هذ الآية نسخت مائة وأربع عشرة آية فى ثمان وأربعين سورة، فهى ناسخة لكل آية فى القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء.

هذه الآية الكريمة، كما هو منطوقها واردة فى مشركى العرب الذين لا عهد لهم، حيث نبذت عودهم، وضرب الله لهم موعد الأربعة الأشهر الحرم، وقد فرق القرآن فى المعاملة بين مشركى العرب، والمشركين وأهل الكتاب من الأمم الخرى.

والأمر بقتال مشركى العرب فى هذه الآية وما قبلها مبنى على كونهم البادئين بقتال المسلمين والناكثين لعهودهم، كما جاء فى آية تالية فى ذات السورة {ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة} التوبة ١٣، ولقد أطلق بعض الناس القول فى أن آية السيف ناسخة لغيرها من الآيات حسبما نقل هذا الكتيب، ولكن الصواب أنه لا نسخ، وأن كل لآية واردة فى موضعها، كما أن الأصل أن الإعمال مقدم على الإهمال.

بل إن آية السيف جاء فى آخرها ما يوقف حكم أولها {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} التوبة ٥، فمن آمن وأسلم تائبا بذلك عن الشرك وأقام الصلاة وآتى الزكاة امتنع قتالهم وقتلهم.

فالآية موجهة إلى المشركين الكافرين بأصول الدين، وغير موجهة إلى الأمر بقتال المسلمين، فالاستدلال بها على أنها آمرة بقتال المشركين وغيرهم فى غير موضعه، بل يناقض لفظها، وفى صدد المشركين أجاز القرآن التعاهد معهم والوفاء بهذه المعاهدة فى قوله تعالى {إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة ٧، وقوله {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} المائدة ١، وقوله {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} الإسراء ٣٤، فكيف إذن يقال إن آية السيف ناسخة لأمثال هذه الآيات التى نظمت التعاهد مع المشركين وغيرهم من أهل الكتاب، وكيف يمدون حكمها إلى السملم الذى ترك فرضا من الفرائض عن غير جحود أو فعل موبقة منيها عنها تحريما، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول (أمرت أن أقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها) وقد فسر الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحق بثلاث فى قوله (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو فتل نفس بنفس) .

فكيف مع هذا يستباح قتل المسلم الذى يصلى ويزكى ويتلو القرآن باسم آية السيف.

فليقرءوا قول الله سبحانه {الذين يجادلون فى آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار} غافر ٣٥، سادسا - السلاجقة والتتار هم أولئك الوثنيون الزاحفون من الشرق، أخضعوا واحتلوا بلاد ما رواء النهر وتقدموا إلى العراق، وظلوا يزحفون حتى وقعت فى أيديهم أكثر الأراضى الإسلامية.

ثم من بعدهم المغول التتار المتوحشون الوثنيون الذين سفكوا دماء المسلمين بالقدر الذى لم يفعله أحمد من قبلهم.. وقد وصف ابن الأثير فظائعهم، وجعلهم مساجد بخارى اصطبلات خيل، وتمزيقهم للقرآن الكريم، وهدم مساجد سمرقند وبلخ فقال (ابن الأثير حوادث سنة ٦١٧ هجرية) (لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة، استعظاما لها كارها لذكرها، فأنا أقدم إليها رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذى يسهل عليه نعى الإسلام إلى المسلمين ومن الذى يهون عليه ذكر ذلك الخ) .

هؤلاء الذين حاربهم ابن تيمية وأفتى فى شأنهم فتاويه التى ولغ فيها هذا الكتيب اختصارا وابتسارا واستلالا بها فى غير موضعها.

أين هؤلاء من المسلمين فى مصر وأولى الأمر المسلمين فيها، وهل هناك وجه للمقارنة بين أولئك الذين الذين صنعوا بالمسلمين ما حملته كتب التاريخ فى بطونها وبين مصر حكامها وشعبها، أو أن هناك وجها لتشبيه هؤلاء بأولئك.

هذا الكتيب إنما يروج ما قال به المستشرقون من انتشار الإسلام بالسيف، وواقع الإسلام قرآن وسنة، وواقع تاريخه يقول لهم {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} الكهف ٥، سابعا - فتاوى ابن تيمية التى نقل منها الكتيب تقدم القول بأنه لا وجه للمقارنة بين حكام مصر للمسلمين وبين التتار لكن هذا الكتيب قد أشار إلى فتوى لابن تيمية فى المسألة ٥١٦ من فتاويه فى باب الجهاد.

وبمطالعة هذه الفتوى نرى أنها قد أوضحت حال التتار، وأ، هم وإن نطق بعضهم بكلمة الإسلام، لكنهم لم يقيموا فروضه حيث يقول وقد شاهدنا عسكر القوم، فرأينا جمهورهم لا يصلون، ولم نر فى عسكرهم مؤذنا، ولا إماما، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله، ولم يكن معهم فى دولتهم إلا من كان من شر الخلق، وإما زنديق منافق، لا يعتقد دين الإسلام فى الباطن، وإما من هو من شر أهل البدع، كالرافضة والجهمية، والاتحادية ونحوهم، إلى أن قال وهم يقاتلون على ملك حنكسخان إلى أن قال وهو ملك كافر مشرك من أعظم المشركين كفرا وفسادا وعدوانا من جنس بختنصر وأمثاله إن اعتقاد التتار كان فى حنكسخان عظيما، فإنهم يعتقدون أنه ابن الله إلخ.

هذه العبارت وأمثالها مما جاء فى تسبيب الفتوى تفصح عن أن ابن تيمية قد وقف على واقع حال التتار، وأنهم كفار غير مسلمين وإن نطقوا بكلمة الإسلام تضليلا للمسلمين.

فما لهذا الكتيب قد ابتسر الفتوى.

- إن واضع هذا الكتاب وأتباعه تصدق عليهم الآية {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} ، أين هؤلاء التتار من جيش مصر الذى عبر وانتصر بهتاف الإسلام الله أكبر من شهر رمضان ورجاله صائمون مصلون يؤمهم العلماء، وفى كل معسكر مسجد وإمام يذكرهم بالقرآن، وبأحكام دين الله - إن هذه الأقوال الجائزة التى جاءت فى هذا الكتيب فاسدة مخالفة للكتاب والسنة {ألا ساء ما يحكمون} النحل ٥٩، ثامنا - هذا الكتيب لا ينتسب للاسلام وكل ما فيه أفكار سياسية نرى هذا واضحا فى الكثير من عناوينه (أ) الخلافة والبيعة على القتال إن الشورى هى أساس الحكم فى الإسلام، وبهذا أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فى قوله {وشاورهم فى الأمر} آل عمران ١٥٩، أى فى الأمور التى تتعلق بأمور الحياة والدولة، لا فى شأن الوحى والتشريع، وما يأتى من عند الله.

وقال سبحانه {وأمرهم شورى بينهم} الشورى ٣٨، وقال {لست عليهم بمسيطر} الغاشية ٢٢، وقال {وما أنت عليهم بجبار} ق ٤٥، والحاكم فى الإسلام وكيل عن الأمة، لذلك كان من شأنها أن تختار الحاكم وتعزلهم، وتراقبهم فى كل تصرفاتهم، ويجب أن يكون الحاكم المسلم عادلا قويا فى دينه ومقاومته لأهل البغلا والعدوان.

ويتفق أهل العلم بالإسلام وأحكامه على أن (خليفة المسلمين) هو مجرد وكيل عن الأمة يخضع لسلطانها فى جميع أموره، وهو مثل أى فرد فيها فهو فرد عادى، لا امتيا زله ولا منزلة إلا بقدر عمله وعدله.

فالإسلام أول من سن بتلك الآيات مبدأ الآمة مصدر السلطات.

والإجماع منعقد منذ عصر الصاحبة على وجوب تعيين حاكم للمسلمين، واستنادا إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الموضع.

ولم تحدد نصوص الإسلام كريا لاختيار الحاكم (ولى الأمر) لأن هذا مما يختلف باختلاف الأزمان والأماكن.

ومن ثم كان الاختيار بطريق الانتخاب المباشر أو بغيره من الطرق داخلا فى نطاق الشورى فى الإسلام.

وتسمية خليفقة للمسلمين أمر تحكمه عوامل السياسة فى الأمة الإسلامية على امتداد أطرافها وأقطارها، وليس من الأمور التى تتعطل من أجلها مصالح الناس وإقامة الدين، بعد أن تفرق المسلمون إلى دول ودويلات، لكن المهم أن يكون هناك الحاكم المسلم فى كل دولة إسلامية، ليقيم أمور الناس وأمور الدين، حتى إذا ما اجتمعت كلمة المسلمين كأمة وصاروا فى دولة ذات كيان سياسى واحد بعرف العصر وأساليبه، كما هم فى واقع الدين أمة واحدة مع اختلاف لغاتهم وأوطانهم، إذا اجتمعت الكلمة حق عليهم أن يكون لهم حاكم واحد.

وانتخاب الحاكم بالطرق القررة فى كل عصر، قائم مقام البيعة التى ترددت فى كتب فقهاء الشريعة، فما البيعة إلا إدلاء باالرأى والتزام بالعهد وقد كان المسلمون يبايعون الرسول صلى الله عليه وسلم على الوقوف معه وحمايته مما يحمون منه أنفسهم ونساءهم وأولادهم، فهو عهد والتزام منه بحماية الرسول وحماية دعوته، فقد كان يستوثق منهم لدينه بهذه البيعة.

والقتال فى ذاته ليس هدفا - كما تقدم - وكما يقضى القرآن والسنة، وإنما هو وسيلة لحماية الدين والبلاد، ولم يكن آنذاك تجنيد إجبارى وجيش نظامى متفرغ لهذه المهمة، حتى إذا ما جيش عمر بن الخطاب ومن بعده الجيوش ودون الدواوين، لم يعد هناك مجال هلذه البيعة على القتال خارج صفوف جيش الدولة، وإلا كان هؤلاء الذى يتبايعون على مثل هذا خارجين على جماعة المسلمين، وحل قتالهم، والأخذ على أيديهم.

ذلك ما يقتضيه القرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، فمن خرجك على الجماعة كان الجزاء كما قال سبحانه {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} المائدة ٣٣، ماذا يعنى لفظ الخليفة وتاريخه فى الإسلام.

الخلافة اسم مصدر من استخلف، والمصدر الاستخلاف، وهذا المعنى دخل فى الاصطلاح الشرعى فى اسم الخليفة ومهمته فقط اصطلح علماء الشريعة على أن الخليفة نائب فى القيام فى سياسة الأمة وتنفيذ الأحكام، وقد توقف هذا اللقب بعد وفاة أبى بكر رضى الله عنه، ولم يلقب بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الخلفاء بعده، وإنما أطلق عليهم اسم أمير المؤمنين، وهذه الإمارة اصطلاح ليس من رسم الدين ولا من حكمه فلنسم الحاكم واليا أو رئيس جمهورية أو غير هذا من الأسماء التى يصطلح عليها، إذ لا مشاحة فى الاصطلاح.

فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا. أيريدون إطلاق اسم خليفة رسول الله على من يحسن القيام بأمر الدين ومن يخالفة، كان أولى بهذا عمر بن الخطاب وأمثاله، وهم قد رأوا أنهم أقل من أن يحملوا هذا اللقب فاستبدلوه بأمير المؤمنين لقبا للحاكم لا غير لا يعطيه امييازا، بل هو من أفراد المسلمين ولكنه ولى أمرهم باختيارهم.

(ب) الإسلام والعلم جاء فى كتيب (الفريضة الغائبة) تحت عنوان الانشغال بطلب العلم ص ٢٢ وما بعدها إننا لم نسمع بقول واحد يبيح ترك أمر شرعى أو فرض من فرائض الإسلام بحجة العلم، خاصة إذا كان هذا الفرض هو الجهاد، نترك فرض عين من أجل فرض كفاية، وحدود العلم أن من علم فرضية الصلاة فعليه أن يصلى.

الخ ومن كتب هذا لم يقرأ القرآن، وإذا كان قد قرأ فإنه لم يفهم ما قرأ، أو أنه ممن آمن ببعض الكتاب وأعرض عن بعض فلنستعرض بعض ما أمر به القرآن الكريم وتوجيهاته إلى العلم والتعليم إن أول نداء فتح الله به على نبيه إيذانا ببدء الوحى قوله سبحانه {اقرأ باسم ربك الذى خلق.

خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم.

الذى علم بالقلم. علم الإسنان ما لم يعلم} العلق ١ - ٥، والقراءة طريق العلم والمعرفة، ثم يذكر القرآن خلق الإنسان وتكوينه ويمن الله بنعمة العلم.

وبالعلم أعلى الله قدر آدم على الملائكة المقربين فى قوله سبحانه {وعلم آدم الأسماء كلها} البقرة ٣١، والعلم فى الإسلام يتاول كل ما وحد فى هذا الكون، فضلا عن العلم بالدين عقيدة وشريعة وآدابا وسلوكا.

والعلم جهاد ففى الحديث الشريف قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من خرج فى طلب العلم فهو فى سبيل الله حتى يرجع) رواه الترمذى عن أنس رضى الله عنه.

ولقد ذكر أمامه صلى الله عليه وسلم رجلان، عالم وعابد فقال (فضل العالم على العابد كفضلى على أدناكم) رواه الترمذى عن أبى أمامه.

والإسلام يدعو إلى دراسة الدين وفقه - قال سبحانه {لولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} التوبة ١٢٢، ويدعوا إلى دراسة نفس الإنسان والكون فى قول الله {سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم} فصلت ٥٣، ويدعو إلى دراسة التاريخ وأحوال السابقين من الأمم والشعوب فى قوله تعالى {أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} محمد ١٠، ويدعو إلى دراسة علم النبات والزراعة فى قول الله {فلينظر الإنسان إلى طعامه.

أنا صببنا الماء صبا. ثم شققنا الأرض شقا} عبس ٢٤ - ٢٦، وإلى دراسة الحيوان فى قوله الله {أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت} الغاشية ١٧، وإلى دراسة الفلك فى قول الله {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون} يس ٣٧، وإلى دراسة الجغرافيا فى قول الله {وفى الأرض آيات للموقنين} الذاريات ٢٠، وإلى دراسة الجيولوجيا فى قول الله {ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها} فاطر ٢٧، وإلى دراسة الكيمياء والفيزياء فى قول الله {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد} الحديد ٢٥، ولو ذهبنا نستقصى أوامر القرآن وحثه على العلم والتعلم وتفضيله العلماء على غيرهم، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذا الموطن لاحتجنا إلى كتاب بل إلى كتب.

وكما بدأ القرآن فى النزول بكلمة العلم وتفضيله {اقرأ باسم ربك} كان افتداء الأسارى فى بدر تعليم أولاد المسلمين القراءة والكتابة وهكذا كانت السنة الشريفة مع القرآن تبيانا وهداية إلى العلم.

وهكذا كان شأن العلم فى الإسلام. فهل بعد هذه المنزلة نغض من شأنه، ونقول إنه يكفى منه القليل، والله يقول {قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر ٩، إن هذه الدعوة الأثيمة إلى التقليل من فضل العلم، هى دعوة إلى الأمية والبدائية باسم الإسلام، وفيها تحريض للشباب بالانصراف وهجر دراستهم فى المدارس والجامعات والامتناع عن استيعاب العلوم، علوم الدين وعلوم الدنيا، وهى الدعوة التى أوى إليها بعض الشباب الذين غرر بهم هؤلاء المفسدون، ونسى أولئك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لعبد الله بن عباسله عنهما بقوله (اللهم فقهه فى الدين وعلمه التأويل) وفى هذا الرد على الدعوة للانصراف عن العلوم الشرعية.

وقد روى عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال (أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية) وهذه دعوة من رسول الله لأحد أصحابه ليتعلم لغة أخرى غير العربية، وقال زيد ابن ثابت أيضا (أمرنى رسول الله أن أتعمل له كلمات من كتاب يهود.

وقال إنى والله لا آمن يهود على كتابى قال زيد فما مر بى نصف شهر حتى تعلمته له، قال فلما تعلمته كان إذا كتب إلى هيود كتبت إليهم وإذا كتبوا له قرأت كتابتهم) (سنن الترمذى ج - ٤ ص ١٦٧) نابليون والأزهر وعلماؤه جاء فى ص ٢٣ من الكتيب وهناك مجاهدون منذ بداية دعوة النبى صلى الله عليه وسلم، وفى عصور التابعين حتى عصور قريبة، لم يكونوا علماء، وفتح الله على أيديهم أمصارا كثيرة، ولم يحتجوا بطلب العلم بمعرفة علم الحديث وأصول الفقه، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل على أيديهم نصرا للإسلام لم يقم به علماء الأزهر يوم أن دخل نابليون وجنوده الأزهر بالخيل والنعال ماذا فعلوا بعلمهم أمام تلك المهزلة.

وبهذا بلغ هذا الكتيب حدا مفرطا فى الحط من شأن العلم وجهاد العلماء.

وإذا أهملنا علوم الحديث والفقه وأصول الفقه والتفسير والعقيدة، وكل هذه العلوم الأصلية فى الشريعة المنبثقة عن القرآن والسنة.

فما هو قوام هذا الدين، وكيف يتعرف المسلمون أحكام الدين.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم مكث بعد الرسالة نحو ثلاث عشرة سنة فى مكة يعلم أتباعه أصول الدين وعلومه، ولم يبدأ جهاده إلا بعد أن استقرت فى قلوب جمهرة من أصحابه، كانوا هم القادة فى العلم والمرجع فى الفتوى.

ثم أليس فى القرآن {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم} التوبة ١٢٢، وأليس فيه {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} الأنبياء ٧، أفبعد هذا نغض من شأن علم الحديث وأصول الفقه وغيرهما من علوم الدين، ونغض كذلك من شأن علوم الحياة التى حث عليها القرآن حسبما تقدمت الإشارة إلى بعض أوامره فى شأنها.

سبحان الله هذا بهتان عظيم.

إن الكتيب يعيب على الأزهر وعلمائه بادعائه أنهملم يعلموا شيئا حين دخل نابليون وجنوده الأزهر بخيلهم ونعالهم، متجاهلا التاريخ المسطور الأمين بوصف جهاد العلماء وقيادتهم لشعب مصر، ومطاردتهم للاستعمار ومنذ عهد نابليون ومن قبله ومن بعده، وهل خرج نابليون وأتباعه مدحورين إلا بجهاد الشعب بقيادة الأزهر وكان هذا هو الجهاد المشروع الذى أفتى به العلماء وقادوه من الأزهر ومن غير الأزهر، وليس ذلك الجهاد الذى يستعمل فيه السلاح فى غير موضعه، أو يجاهد فى غير عدو، فيقتل المواطنين عدوانا وظلما، ويدعى لنفسه حق تكفير المسلمين واستباحة دمائهم.

(ج) التعامل مع غير المسلمين والاستعانة بهم فى ص ٤٣ نقل الكتيب بعض الأحاديث فى النهى عن الاستعانة بالمشرك والتعامل معه وهذا - كما تقدم - من باب الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض، وشرع الإسلام كل لا يتجزأ، فلابد حين نستقى حكما ونستنبطه من القرآن والسنة أن نستوفى كل النصوص المؤدية إلى الحكم صحيحا بمعرفة أهل الاختصاص والعلم بالأحكام.

وإذا رجعنا إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم نجده قد استعان فى هجرته بعبد الله بن أريقط وهو مشرك، وقد اتخذه دليلا لرحلة الهجرة يرشده إلى الطريق، وقد رافقه حتى وصل إلى المدينة، أليس هذا استعانة من الرسول بمشرك لم يتبع دينه بعد.

ولما دخلت بلاد الفرس والروم فى الإسلام ودون عمر بن الخطاب الدواوين ونقل عنهم بعض نظمهم الإدارة استعان فى ذلك ببعض خبرائهم وهم على دينهم، أليس هذا استعانة بغير المسلمين من أمير المؤمنين الذى ملأ الأرض عدلا، وكان القرآن ينزل مؤيدا لما اقترحه ورآه فى كثير من أمور الدين والدنيا.

فالأصل فى الإسلام التعامل مع الناس جميعا، المسلم وغير المسلم فيما لا يخالف نصا صريحا من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو حكما أجمع عليه المسلمون.

وبالإضافة إلى ما سبق من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم واتخاذه مشركا دليلا ورائدا لرحلة الهجرة، فقد ثبت فى السنة وفى السيرة الشريفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل دعوة يهودى لتناول الطعام فى بيته ومعه السيدة عائشة قبل نزول آية الحجاب، وقد قبل هدية امرأة يهودية وكانت الهدية شاة مسمومة.

ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودى، وعمل على بن أبى طالب على بئر ليهودى بتمرات، وعقد الرسول صلى الله عليهوسلم معاهدة مع اليهود بعد هجرته مباشرة، وظل على عهده ومعاهدته لهم حتى نقضوها هم، وجرى تعامل المسلمين فى هذا العهد مع غيرهم من المخالفين فى الدين فى التجارة والزراعة وغيرهما ولم ينعزلوا عن جيرانهم وكيف ينعزلون والقرآن قد نزل وقال الله سبحانه فيه {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة ٨، وقال {اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذى أخدان} المائدة ٥، هل هناك إباحة للتعامل أكثر من تبادل الطعام بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الكتاب وحل نسائهم زوجات للرجال من المسلمين كل ذلك ما لم يرد نص صريح فى القرآن والسنة يمنع التعامل فى شأن ما مع غير المسلمين، ومن المأثور وإعمالا لهذه الآية الكريمة (خالط الناس ودينك لاتكلمنه) ويوضح هذا ويؤازره الحديث الشريف الذى رواه الترمذى وابن ماجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - (الذى يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذى يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم) (ج - ٢ من أحياء علوم الدين للغزالى مع تخريج الحافظ العراقى للأحاديث) (د) الخدمة فى الجيش إن الجيش هو عدة البلاد، وهو المنوط به حماية أمنها الخارجى والداخلى، وهو فى الجملة معهود إليه من الشعب بحماية الأرض والعرض وهو البديل المشروع للبيعة التى كانت تعقد بين أفراد المسلمين وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، فقد كان عهده معهم أن يمنعوه (أى يدافعون عنه) مما يمنعون منه أولادهم ونساءهم، حتى إذا ما استقرت دولة المسلمين كان لها الجيش المنظم المتفرغ لهذه المهام، وهذا نوع من الجهاد فإن المرابطة فى سبيل الله من الجهاد وحراسة الحدود والثغوب من الجهاد فى سبيل الله، وفى الحديث الشريف (عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس فى سبيل الله.

) .

وراه الترمذى. هل هناك وجه للمقارنة بين جيش مصر، والتتار إن المفارقة ظاهرة حتى من تلك النبذ التى ساقها كتيب (الفريضة الغائبة) نقلا من فتاوى ابن تيمية.

إذ كيف نقارن بين جيش مصر الذى له فى كل معسكر مسجد وإمام يقيم بهم شعائر الإسلام، ويصومون رمضان، ويتلون القرآن، يقدمون أنفسهم فداء لاسترداد الأرض وتطهير العرض هاتفين فى كل موطن وموقع الله أكبر.

وبين التتار الذين وصفهم ابن تيمية بقوله قد شاهدنا عسكرهم، فرأينا جمهور لا يصلون، ولم نر فى عسكرهم مؤذنا ولا إماما، وقد أخذوا من أموال المسلمين وذراريهم وخربوا من ديارهم ما لا يعلمه إلا الله الخ ما سبقت الإشارة إلى بعضه وموضعه من فتاويه، وتاريخهم المظلم على ما تقدمت الإشارة إليه نقلا عن ابن الأثير المؤرخ.

تاسعا أفكار سياسية منحرفة عن الإسلام وخارجه عنه إن مستقى هذا الكتيب ومورده فى جملته أفكار طائفة الخوارج، وهم جماعة من أتباع على بن أبى طالب رضى الله عنه خرجوا عليه بعد قبوله التحكيم فى الحرب التى كانت بينه وبين معاوية بن أبى سفيان فى شأن الخلافة، ثم انقسم هؤلاء الخوراج من بعد ذلك إلى نحو عشرين فرقة، كل واحدة منها تكفر الأخريات، وقد سموا بهذا الاسم إما - على حسب زعمهم وأوهامهم - لخروجهم فى سبيل الله، وإما للخروج على الأمة والجماعة، وهذا هو واقع التسمية، لأنهم فى جملة مذاهبهم قد حكموا بالكفر على سيدنا على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وعلى ابنيه الحسن والحسين، سبطى الرسول صلى الله عليه وسلم، وابن عباس وأبى أيوب الأنصارى، كما أكفروا أيضا عائشة وعثمان وطلحة والزبير، وأكفروا كل من لم يفارق عليا ومعاوية بعد التحكيم وأكفروا كل مسلم ارتكب ذنبا.

(كتاب الفرق بين الفرق للبغدادى سنة ٤٢٩ ص ١٩٣) وهى فى ذات الوقت أفكار استشراقية، روجها المستشرقون وأتباعهم فى مصر وغيرها من بلاد المسلمين، محرفين الكلم عن مواضعه، مطلقين على بعض آيات القرآن عناوين لا تحملها ولا تصلح لها، متأولين هذه الآيات، بما يطابق أغراضهم وأهواءهم، ابتغاء فتنة فى الدين يثيرونها بين الناس حتى تلتبس عليهم الأمور، فهم كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر، فلما كفر قال إنى برىء منك.

هؤلاء الخوارج - فى تاريخهم القديم وما أشبه الليلة بالبارحة - لما طلبوا من عبد الله بن الزبير حين أرادوا الانضمام إليه فى قتاله مع الأمويين بعد أن أكفروا على بن أبى طالب والزبير وطلحة، لما طلبوا منه البراءة من هؤلاء رد عليهم بقوله إن الله أمر - وله العزة والقدرة - فى مخاطبته أكفر الكافرين وأعتى العاتين بأرق من هذا القول، فقال لموسى وأخيه صلى الله عليهما {اذهبا إلى فرعون إنه طغى.

فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} طه ٤٣، ٤٤، فهم الآن يذيعون هذه الأفكار التى انطمست (كتاب العقد الفريد ج - ٢ ص ٣٩٤) ، ولم تبق إلا فى بطون الكتب يقرؤها الدارسون لتاريخ الفرق.

هذا ولا ينبغى أن يطلق على هؤلاء الذين اتخذوا هذا الكتيب منهجا وصف الجماعة الإسلامية، أو المتطرفين فى الدين أو المتعصبين له، لأن الدين لا ينحرف، وإنما ينحرف عنه، ومن تطرف فى الدين فقد انحرف عنه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لأولئك النفر من أصحابه الذين ذهبوا إلى بيوته يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها عدوها قليلة، وقال أحدهم مالنا وله، لقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأما أنا فإنى أصول ولا أفطر.

وقال آخر وأنا أقوم الليل ولا أنام وقال ثالث وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج، فلما قابلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم أأنتم الذين قلتم البارحة كذا وكذا قالوا نعم، فقال لهم أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس منى) .

هؤلاء لم ينحرفوا عن الدين، فلم يتركوا العبادة ولكنهم تغالوا فيها فردهم الرسول إلى الصواب، إلى العمل الوسط، الذى يستديمون به طاعة ربهم، والقيام بفرائضه، يحلون الحلال ويحرمون الحرام.

عاشرا هل الجهاد فريضة غائبة إن الجهاد ماض إلى يوم القيامة والجهاد قد يكون قتالا، وقد يكون مجاهدة للنفس والشيطان.

وإذا أمعنا النظر البصير فى آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم فى شأن الجهاد بالقتال نجد أوامرهما فى هذا موجهة إلى قتال الكفار الذين تربصوا بالإسلام ونبى الإسلام، وأرادوا إطفاء نور دعوته والقضاء عليه، ولم يكن قتالا لنشر هذه الدعوة وإكراه الناس على الدخول فيها قسرا وجبرا - كما سلف -.

ولذلك لا نجد فى القرآن ولا فى السنة الأمر بالقتال موجها ضد المسملين أو ضد المواطنين من غير المسلمين، إذ قد سمى الإسلام هؤلاء أهل الذمة، لهم مالنا وعليهم ما علينا من حقوق وواجبات، وأمر المسلمين بترك أهل الكتاب وما يدينون، فيما بخص العقيدة والعبادة.

فإذا حدث ما يستدعى القتال دفاعا عن الدين والبلاد، فذلك ما يدعو إليه الإسلام ويحرص عليه، ويقوم به الجيش الذى استعد وأعد وأنيطت به هذه المهام، وهذا هو الجهاد قتالا ويكون الجهاد بمجاهدة النفس والشيطان، وهذا هو نوع الجهاد المستمر الذى ينبغى على كل إنسان، وعلى المسلم بوجه الخصوص أن يجاهد نفسه حتى يصلح من أمرها، وتنطبع على الخير والبر والأمانة والوفاء بالعهد، ومغالبة الشيطان والشر، سعيا إلى طاعة الله ومرضاته، وأداء فرائضه، والانتهاء عما نهى الله ورسوله عنه.

ولا يكون الجهاد بإكفار المسلمين، أو بالخروج على الجماعة والنظام الذى ارتضته فى نطاق أحكام الإسلام.

ولا يكون الجهاد بتأويل آيات القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما لا تحتمله ألفاظها وتحميلها معانى لا تحتويها مبانيها، إلا كان تحريفا للكلم عن مواضعه، وهو مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه.

ولا يكون الجهاد بقتل النفس التى حرم الله قتلها، لأن له نطاقا حدده الله.

وإنما الجهاد فى مواضعه ماض إلى يوم القيامة، جهاد بالقتال إذا لزم الأمر دفاعا عن دين الله عن بلاد المسلمين، وعن النفس وعن المال وعن العرض، وجهاد للنفس حتى تكون فى طاعة الله ومجاهدة للشيطان، فليس الجهاد فريضة غائبة، ولكنه فريضة ماضية إلى يوم القيامة فى حدود أوامر الله وكما فسر رسول الله قوله سبحانه {وأن هذا صراطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} الأنعام ١٥٣، صدق الله العظيم والله سبحانه وتعالى.

أعلم.

(نص كتاب الفريضة الغائبة) (آثرنا أن ننقل نص الكتاب كما ورد فى الأصل، دون التعرض لتصحيح الأخطاء ما عدا ما ورد فى آيات القرآن الكريم) بسم الله الرحمن الرحيم الم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون من سورة الحديد.

قال عبد الله بن المبارك حدثنا صالح المرى عن قتادة عن ابن عباس قال ان الله استبطا قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن فقال الم يأن للذين آمنوا الآية.

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغرفه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ومن يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعد فان أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار.

أما بعد فان الجهاد فى سبيل الله بالرغم من أهميته القصوى وخطورته العظمى على مستقبل هذا الدين فقد أهمله علماء العصر وتجاهلوه بالرغم من علمهم بأنه السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الاسم من جديد آثر كل مسلم ما يهوى من أفكاره وفلسفاته على خير طريق رسمه الله سبحانه وتعالى لغزة العباد ... والذى لا شك فيه هو أن طواغيت هذه الأرض لن تزول إلا بقوة السيف ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقى تحت ظل رمحى وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى ومن تشبه بقوم فهو منهم.

أخرجه الامام أحمد عن ابن عمر. ويقول ابن رجب قوله صلى الله عليه وسلم بعثت بالسيف يعنى أن الله بعثه داعيا بالسيف إلى توحيد الله بعد دعائه بالحجة فمن لم يستجب إلى التوحيد بالقرآن والحجة والبيان دعى بالسيف.

هديه صلى الله عليه وسلم فى مكة ويخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم طواغيت مكة وهو بها (استمعوا يا معشر قريش، أما والذى نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح) فأخذ القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأنما على رأسه طير واقع وحتى ان أشدهم عليه ذلك ليلقاه بأحسن ما يجد من القول حتى أنه ليقول انطلق يا أبا القاسم راشدا فوالله ما كنت جهولا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله (لقد جئتكم بالذبح) قد رسم الطريق القويم الذى لا جدال فيه ولا مداهنة مع أئمة الكفر وقادة الضلال وهو فى قلب مكة.

الإسلام مقبل واقامة الدولة الإسلامية واعادة الخلافة قد بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فضلا عن كونها أمر من أوامر المولى جل وعلا واجب على كل مسلم بذل قصارى جهده لتنفيذه.

(أ) يقول عليه الصلاة والسلام ان الله زوى لى الأرض فرأيت مشرقها ومغربها وان أمتى سيلبغ ملكها مازوى إلى منها رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه والترمذى.

وهذا لم يحدث إلى الآن. حيث ان هناك بلادا لم يفتحها المسلمون فى أى عصر مضى إلى الآن وسوف يحدث ان شاء الله.

(ب) ويقول عليه الصلاة والسلام (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز به الله الإسلام وذلا يذل به الكفر) رواه أحمد والطبرانى قال الهيثمى رجاله رجال الصحيح - المدر أهل القرى والأمصار.

الوبر أهل البوادى والمدن والقرى.

(ج-) وفى الحديث الصحيح يقول أبو قبيل كنا عند عبد الله بن عمرو ابن العاص وسئل أى المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية فدعا عبد الله بصندوق له حلق فأخرج منه كتابا.

قال فقال عبد الله بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب اذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى المديتنين تفتح أولا يعنى القسطنطينية أو رومية فقال صلى الله عليه وسلم مدينة هرقل تفتح أولا القسطنطينية.

رواه أحمد والدرامى (رومية) هى روما كما فى (معجم البلدان) وهى عاصمة ايطاليا اليوم.

وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثمانى وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من اخبار النبى صلى الله عليه وسلم بالفتح وسيحقق الفتح الثانى باذن الله ولابد ولتعلمن نبأه بعد حين.

(د) تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها اذا شاء الله ان يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ماشاء الله أن تكون يكون ثم يرفعها اذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها اذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة تعمل فى الناس بسنة النبى ويلقى الإسلام جرانة فى الأرض يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض لا تدع السماء من قطر إلا سبته مدرارا ولا تدع الأرض من نباتها ولا بركاتها شيئا إلا أخردته ذكره حذيفة مرفوعا ورواه الحافظ العراقى من طريق أحمد وقال هذا حسن صحيح.

والملك العارض قد انتهى والملك الجبرى هو عن طريق الانقلابات التى يحصل أصحابها على الحكم رغم ارادة الشعب ... والحديث من المبشرات بعودة الإسلام فى العصر الحالى بعد هذه الصحوة الإسلامية وينبىء أن لهم مستقبلا باهرا من الناحية الاقتصادية والزراعية.

الرد على اليائسين ورد بعض اليائسين على هذا الحديث وهذه المبشرات بحديث النبى صلى الله عليه وسلم عن أنس اصبروا فانه لا يأتى زمان الا والذى بعده شر منه حتى تلقوا ربكم سمعت هذا من نبيكم عليه الصلاة والسلام قال الترمذى حسن صحيح ويقولون لا داعى لاضاعة الجهد والوقت فى أحلام وهنا نذكر قول النبى صلى الله عليه وسلم أمتى أمة مباركة لا تدرى أولها خير أم آخرها رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان أشار عليه وسلم موجه إلى جبل الصحابة حتى يلقوا ربهم وليس الحديث على عمومه بل هو من العام المخصوص، وأيضا بدليل أحاديث المهدى الذى يظهر.

فى آخر الزمان ويملآ الأرض قسطا وعدلا بعد أن ملئت ظلما وجورا.

وبشر الله طائفة من المؤمنين بقوله عز وجل (وعد الله الذين آمنوا منكم وعلموا الصاحلات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذى ارتضى لهم وليبدلنهم منن بعد خوفهم أمنا يعبدوننى لا يشركون بى شيئا) من الآية ٥٥ سورة النور والله لا يخلف الميعاد.

نسأله جل وعلا أن يجعلنا منهم.

اقامة الدولة الإسلامية هو فرض أنكره بعض المسلمين وتغافل عنه البعض مع أن الدليل على فرضية قيام الدولة واضح بين فى كتاب الله تبارك وتعالى فالله سبحانه وتعالى يقول {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} ويقول {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ويقول جل وعلا فى سورة النور عن فرضية أحكام الاسم {سورة أنزلناها وفرضناها} ومنه فان حكم اقامة حكم الله على هذه الأرض فرض على المسلمين وتكون أحكام الله فرضا على المسلمين فبالتالى قيام الدولة الإسلامية فرض على المسلمين لأن مالم يتم الواجب إلا به فهو واجب وأيضا اذا كانت الدولة لن تقوم الا بقتال فوجب علينا القتال.

ولقد أجمع المسلمون على فرضية اقامة الخلافة الإسلامية.

واعلان الخلافة يعتمد على وجود النواة وهى الدولة الإسلامية.

ومن مات وليس فى عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية.

فعلى كل مسلم السعى لاعادة الخلافة بجد لكيلا يقع تحت طائلة الحديث.

والمقصود بالبيعة بيعة الخلافة.

النار التى نعيش فيها ويبدو هنا تساؤل هل نحن نعيش فى دولة اسلامية من شروط الدولة أن تعلوها أحكام الإسلام وأفتى الامام أبو حنيفة أن دار الاسم تتحول إلى دار كفر اذا توافرت ثلاثة شروط مجتمعة ١ - أن تعلوها أحكام الكفر.

٢ - ذهاب الأمان للمسلمين. ٣ - المتاخمة أو المجاورة وذلك بأن تكون تلك الدار مجاورة لدار الكفر بحيث تكون مصدر خطر على المسملين وسببا فى ذهاب الأمن.

وأفتى الامام محمد والامام أبو يوسف صاحبا أبى حنيفة بأن حكم الدار تابع للأحكام التى تعلوها فان كانت الأحكام التى تعلوها هى أحكام الإسلام (فهى دار اسلام) وان كانت الأحكام التى تعلوها هى أحكام كفر (فهى دار كفر) .

بائع الصنائع جزء - ١ وأفتى شيخ الإسلام بن تيمية فى كتابه الفتاوى الجزء الرابع (كتاب الجهاد) عندما سئل عن بلد تسمى ماردين كانت تحكم بحكم اسلام ثم تولى أمرها أناس اقاموا فيها حكم الكفر هل هى دار حرب أن سلم فأجاب ان هذه مركب فيها المعنيان فهى ليست بمنزلة دار السلم التى يجرى عليها أحكام الاسم ولا بمنزلة دار الحرب التى أهلها كفار بل هى قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحق ويعامل الخارج عن شريعة الإسلام ببما يستحقه والحقيقة انه لهذه الأقوال لا نجد تناقضا بين أقوال الأئمة فأبو حنيفة وصاحباه لم يذكروا أن أهلها كفار فالسلم لمن يستحق السلم والحرب لمن يستحق الحرب فالدولة تحكم بأحكام الكفر بالرغم من أن أغلب أهلها مسلمون.

الحاكم بغير ما أنزل الله والاحكام التى تعلو المسلمين اليوم هى أحكام الكفر بل هى قوانين وضعها كفار وسيروا عليها المسلمين ويقول الله سبحانه وتعالى فى سورة المائدة {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} المائدة ٤٤، فبعد ذهاب الخلافة نهائيا عام ١٩٢٤ واقتلاع أحكام الإسلام كلها واستبدالها بأحكام وضعها كفار.. أصبحت حالتهم هى نفس حالة التتار.

كما ثبت فى تفسير ابن كثير لقوله سبحانه وتعالى فى سورة المائدة {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} المائدة ٥٠، قال ابن كثير ينكر الله تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمر على كل خير الناهى عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء واصطلاحات التى وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يصنعونها بأرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذى وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامة وغيرها وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فصارت شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه من كثير ولا قيل، ابن كثير الجزء الثانى ص ٦٧.

وحكام العصر قد تعددت أبواب الكفر التى خرجوا بها عن ملة الإسلام بحيث أصبح الأمر لا يشتبه على كل ما تابع سيرتهم.

هذا بالاضافة إلى قضية الحكم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية فى كتاب الفتاوى الكبرى باب الجهاد ص ٢٨٨ الجزء الرابع ومعلوم بالاضطراد من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين ان من سوغ ابتاع غير دين الاسم أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب.

كما قال تعالى {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا.

أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} النساء ١٥٠، ١٥١، حكام المسلمين اليوم فى ردة عن الإسلام فحكام هذا العصر فى ردة عن الإسلام تربوا على موائد الاستعمار سواء الصليبية أو الشيوعية أو الصهيونية.

فهم لا يحملون من الاسم إلا الاسماء وان صلى وصام وادعى أنه مسلم.

وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلى من وجوه متعددة منها أن المرتد يقتل وان كان عاجزا عن القتال بخلاف الكافر الأصلى الذى ليس هو من أهل القتال فانه لا يقتل عند أكثر العلماء كأبى حنيفة ومالك وأحمد ولهذا كان مذهب الجمهور أن ا٢لمرتد يقتل كما هو مذهب مالك والشافعى وأحمد.

ومنها أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلى الى غير ذلك من الأحكام.

واذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرئعه أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرائعه أعظم من خروج الخارج الأصلى عن شرائعه.

ويقول ابن تيمية ص ٢٩٣.

وقد استقرت السنة بأن عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلى من وجوه متعددة منها.

أن المرتد يقتل بكل حال ولا يضرب عليه جزية ولا تعقد له ذمة بخلاف الكافر الأصلى ومنها.

أن المرتد يقتل وان كان عجزا عن القتال بخلاف الكافر الأصلى الذى ليس هو من أهل القتال فانه لا يقتل عند أكثر العلماء كأببى حنيفة ومالك وأحمد ولهذا كان مذهب الجمهور أن المرتد لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلى إلى غير ذلك من الأحكام واذا كانت الردة عن أصل الدين أعظم من الكفر بأصل الدين فالردة عن شرائعه أعظم من الكفر وخروج الخارج الأصلى عن شرائعه.

اذا فما موقف المسلمين من هؤلاء يقول بن تيمية أيضا فى نفس الباب ص ٢٨١ كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع اسلام الظاهرة المتواترة فانه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وان تكلمت بالشهادتين فاذا أقروا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلوات الخمس وجب قتالهم حتى يصلوا وان امتنعوا عن الزكاة وجب قتالهم حتى يؤدوا الزكاة كذلك ان امتنعوا عن صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق وكذلك ان امتنعوا عن تحريم الفواحش أو الزنا أو الميسر أو الخمر أو غير ذلك من محرمات الشريعة، وكذلك ان امتنعوا عن الحكم فى الدماء والأموال والأعراض والأبضاع ونحوها بحكم الكتاب والسنة، كذلك ان امتنعوا عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.

وجهاد الكفار إلى أن يسلموا ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون وكذلك ان اظهروا البدع المخالفة للكتاب والسنة واتباع السلف مثل أن يظهروا الالحاد فى أسماء الله وآياته أو التكذيب بآيات الله وصفاته والتكذيب بقدره وقضائه أو التكذيب بما كان عليه جماعة المسلمين على عهد الخلفاء الراشدين أو الطعن فى السابقين الولين من المهاجرين والأنصار والذين ابتعوهم باحسان أو مقاتلة المسلمين حتى يدخلوا فى طاعتهم التى توجب الخروج عن شريعة الإسلام وأمثال هذه الأمور قال تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ولهذا قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين.

فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وهذه الآيات نزلت فى أهل الطائف لما دخلوا فى الإسلام والتزموا بالصلاة والصيام ولكن امتنعوا عن ترك الربا فبين الله أنهم محاربون له ولرسوله اذا لم يتنهوا عن الربا والربا هو آخر ما حرمه الله وهو ما لا يؤخذ برضا صاحبه فاذا كان هؤلاء محاربين لله ورسوله يجب جهادهم فكيف لمن يترك كثيرا من شعائر الإسلام أو أكثرها كالتتار وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة ان امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فانه يجب فتالها اذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة وصيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن الحكمب ينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحش أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام فانهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله.

المقارنة بين التتار وحكام اليوم ١ - واضح من قول ابن كثير فى تفسير قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} صفحة ٦ بهذا الكتاب أنه لم يفرق ين كل من خرج عن الحكمب ما انزل الله أيا من كان وبين التتار وفى الحقيقة أن كون التتار يحكمون بالياسق الذى اقتبس من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغير وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه فلا شك أن الياسق أقل جرما من شرائع وضعها الغرب لا تمت للاسلام بصلة ولا لأى من الشرائع.

٢ - وفى سؤال موجه إلى شيخ الإسلام بن تيمية من مسلم غيور.

يقو السائل واصفار حالهم للامام هؤلاء التتار الذين يقدمون الى الشام فى أول الأمر فهل يجب قتالهم وما حكم من قد أخرجوه معهم كرها (أى أنهم يضمون المسلمين إلى صفوف جيشهم كرها التجنيد الاجبارى) وما حكم من يكون مع عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والتصوف ونحو ذلك وما يقال فيمن زعم أنه مسلمون والمقاتلون لهم مسلمون وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما.. (وهى نفس الشبهة) الموجودة الآن وسوف يتم توضيحها ان الله شاء الله.

الفتاوى الكبرى ص ٢٨٠، ٢٨١ مسألة (٥١٦) . ٣ - ويقول ابن تيمية فى وصف التتار (ولم يكن معهم فى دولتهم مولى لهم إلا من كان من شر الخلق اما زنديق منافق لا يعتقد دين الإسلام فى الباطن أى أن يظهر الاسلام والا من هؤلاء من هو شر أهل البدع كالرافضة والجهمية والاتحارية ونحوهم (وهم من أصحاب البدع) وأما من أفجر الناس وأفسقهم وهم فى بلادهم مع تمكمنهم لا يحجون البيت العتيق وان كان فيهم من يصلى ويصوم فليس الغالب عليهم اقام الصلاة وإيتاء الزكاة أليس ذلك هو الكائن ٤ - وهم يقاتلون على ملك جنكيز خان (اسم ملكهم) فمن دخل فى طاعتهم جعلوه وليهم وأن كان كافرا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم وان كان من خيار المسلمين لا يقاتلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكقر أمرائهم ووزائرهم أن يكون المسلم عندم كمن يعظمونه من المشركين من اليهود والنصارى.

الفتاوى ص ٢٨٦. ملحوظة أليست هذه الصفات هى الصفات لحكام العصر هم وحاشيتهم الموالية لهم الذين عظموا أمر الحكام أكثر من تعظيمهم لخالقهم.

٥ - وفى صفحة ٢٨٧ يضيف شيخ الإسلام واصفا الموالين لجنكيز خان اظهارهم للاسلام يعظمون أمر جنكير خان كما يقاتلون المسلمين بل أعظم أولئك الكفار يبذلون له الطاعة والانقيادويحملون اليه الأموال ويقرون له بالنيابة ولا يخالفون ما يأمرهم به إلا كما يخالف الخارج عن طاعة الامام للامام وهم يحاربون المسلمين ويعادونهم أعظم معاداة ويطلبون من المسلمين الطاعة لهم وبذل الموال والدخول فى ما وضعه لهم الملك الكافر المشرك المشابه لفرعون أو النمرود ونحوهم بل هو أعظم فسادا فى الأرض منهما.

٦ - ويضيف ابن تيمية ويقول (من دخل فى طاعتهم الجاهلية وسنتهم الكفرية كان صديقهم ومن خالفهم كان عدوهم ولو كان من أنبياء الله ورسله وأوليائه) ص ٢٨٨.

٧ - ويضيف شيخ الإسلام متكلما عن القضاء على عصر التتار فيقول (وكذلك وزيرهم السفيه الملقب بالرشيد يحكم على هذه الاصناف ويقدم شرار المسلمين كالرافضة والملاحدة على خيار المسلمين أهل العلم والايمان حتى يتولى قضاء القاضة من كان أقرب إلى الزندقة والالحاد والكفر بالله ورسوله بحيث تكون موافقة للكفار والمنافقين من اليهود والقرامطة والملاحدة والرافضة على ما يريدون أعظم من غيره ويتظاهرون من شريعة الإسلام بما لابد له منه لأجل من هناك من المسلمين حتى ان وزيرهم هذا الخبيث الملحد المنافق صنف مصنا مضمونه ان النبى صلى الله عليه وسلم رضى بدين اليهود والنصارى وأنه لا ينكر عليهم ولا يذمون ولا ينهون عن دينهم ولا يؤمرون بالانتقال إلى الإسلام واستدل الخبيث الجاهل بقول الله تعالى فى سورة الكافرون {قل يا أيها الكافرون.

لا أعبد ما تعبدون.

ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم عابدون ما أعبد.

لكم دينكم ولى دين} وزعم أن هذه الآية تقتضى أنه يرضى دينهم قال وهذه الآية محكمة ليست منسوخة ص ٢٨٨، ٢٨٩ الفتاوى الكبرى فسبحان الله.

أليس مصنف وزير التتار هو نفس مصنف (الاخاء الدينى) و (مجمع الاديان) بل الأخير أفظع وأجرم.

مجموعة فتاوى لابن تيمية تفيد فى هذا العصر ومن هناك يجدر بنا أن ننقل بعض فتاوى ابن تيمية فى حكم هؤلاء وكنا قد ذكرنا فتواه فى حكم بلدة (ماردين) التى كان يحكمها التتار بقوانين تجمع ما بين شريعة اليهود والنصارى وجزء من الإسلام وجزء من العقل والهوى فقال أما كونها دار حرب أو سلم فهى مركبة فيها المعنيان ليست بمنزلة دار السلم التى تسرى عليها أحكام الإسلام لكون جندها مسلمين ولا بمنزل دار الحرب التى أهلها كفار بل هى قسم ثالث يعامل المسلم فيها بما يستحقه ويقاتل الخارج عن شريعة الإسلام بما يستحقه.

ما هو حكم اعانتهم ومساعدتهم يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ردا على هذا السؤال ص ٢٨٠ (باب الجهاد) واعانة الخارجين عن شرعية دين الإسلام محرمة سواء كانوا أهل (ماردين) أو غيرهم والمقيم بها أن كان عاجزا عن قامة دينه وجبت الهجرة عليه والا استجنبت ولم تجب.

ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس تغيب أو ترعيض أو مصانعة فاذا لم يكون الا بالهجرة تعينت ويضيف ان تيمية قاصدا أهالى ماردين الذى يعاونون (التتار السلطة الحاكمة) (ولا يحل سبهم عموما بالنفاق بل السب والرمىب النفاق يقع على الصفات المذكورة فى الكتاب والسنة.

فيدخل فيها بعض أهل ماردين وغيرهم) أى ليس كلهم.

حكم الجنود المسلمين الذين يرفضون الخدمة فى جيش التتار ص ٢٨٠ مسألة (٥١٣) فى رجل جندى وهو يريد ألا يخدم (الجواب) أذا كان للمسلمين به منفعة وهو قادر عليها لا ينبغى له أن يترك ذلك لغير مصلحة راجعة على المسلمين بل كونه مقدما فى الجهاد الذى يجعله الله ورسوله أفضل من التطوع بالعبادة كصلاة التطوع والحج وصيام التطوع والله أعلم.. حكم أموالهم مسألة (٥١٤) اذا دخل التتار الشام ونبهوا أموال النصارى والمسلمين ثم نهب المسلمون التتار وسلبوا القتلى منهم فهل المأخوذ من أموالهم وسلبهم حلال أم لا (الجواب) كل ما أخذ من التتار يخمس ويباح الانتفاع به (ومعنى يخمس أى غنيمة) .

حكم قتالهم يقول ابن تيمية فى ص ٢٩٨ مسألة (٢١٧) قتال الذين قدموا الى بلاد الشام واجب بالكتاب والسنة فان الله يقول فى القرآن وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والدين هو الطاعة فاذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله.

وجب القتال حتى يكون الدين كله لله ولهذا قال الله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا إن كنتم مؤمنين.

فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} وهذه الآية نزلت فى أهل الطائف لما دخلوا فى الإسلام والتزموا الصلاة والصيام ولكن امتنعوا عن ترك الربا بين الله أنهم محاربون له ولرسوله فاذا كان هؤلاء محاربين لله ولرسوله يجب جهادهم فكيف بمن يترك كثيرا مع شرائع الإسلام أو أكثرها كالتتار وقد اتفق علماء المسلمين على ان الطائفة الممتنعة اذا امتنعت عن بعض الواجبات الإسلامية الظاهرة فانه يجب قتالهم اذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة أو صيام شهر رمضان أو حج البيت العتيق أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة أو عن تحريم الفواحب أو الخمر أو نكاح ذوات المحارم أو استحلال ذوات النفوس والأموال بغير الحق أو الربا أو الميسر أو الجهاد للكفار أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب ونحو ذلك من شرائع الإسلام فانهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله.

وقد ثبت فى الصحيحين أن عمر لما ناظر أبا بكر فى مانعى الزكاة.

قال له أبو بكر كيف لا أقاتل من ترك الحقوق التى أوجبها الله ورسوله وان كان قد أسلم كالزكاة وقال له فان الزكاة من حقها والله لو منعونى عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها.

قال عمر فما هو إلا أن رأيت قد شرح الله صدر أبى بكر للقتال فعلمت أنه الحق وقد ثبت فى الصحيح غير مرة أن النبى صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج وقال فيهم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية اينما لقيتموهم فاقتلوهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلهم قتل عاد.

وقد اتفق السلف والأئمة على قتال هؤلاء وأول من قاتلهم على بن أبى طالب رضى الله عنه ومازال المسلمون فى صدر خلافة بنى أمية وبنى العباس مع الأمراء وان كانوا ظلمة وكان الحجاج ونوابهممن يقاتلونه فكل ائمة المسلمين يأمرون بقتالهم والتتار وأشباههم (أمثال حكام اليوم) أعظم خروجا عن شريعة الإسلام من مانعى الزكاة والخوارج من أهل الطائف الذين امتنعوا عن ترك الربا فمن شك فى قتالهم فهو أجهل الناس بدين الإسلام وحيث وجبت قتالهم قوتلوا وأن كان فيهم المكره.. هل قتالهم قتال بغى يقول ابن تيمية ص ٢٨٣ باب الجهاد (فقد يتوهم البعض أن هؤلاء التتار من أهل البغى المتأولين ويحكم فيهم بمثل هذه الحكام كما أدخل فى هذا الحكم ما نعى الزكاة والخوارج وسنبين فساد هذا التوهم ان شاء الله ويقول ابن تيمية فى ص ٢٩٦ كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح من قتل دون ماله فهو شهيد ومن قتل دون دمه فهو شهيد ومن قتل دون حرمه فهو شهيد، فكيف بقتال هؤلاء الخارجين عن شرائع الإسلام المحاربين لله ولرسوله الذين صولهم وبغيهم أقل ما فيهم فان قتال المعتدين الصائلين ثابت بالسنة والاجماع وهؤلاء صائلون معتدون على المسلمين فى أنفسهم وأموالهم وحرمهم من شر البغاة المتأولين الظاملين ولكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة المتأولون أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به ولهذا قالوا ان الامام يراسلهم فان ذكروا شبهة بينها وان ذكروا مظلمة ازالها فأى شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين فى الأرض فسادا الخارجين عن شرائع الدين انهم لقولون انهم أقوم بدين الإسلام علما وعملا من هذه الطائفة.

حكم من والاهم ضد المسلمين يقول ابن تيمية فى ص ٢٩١ باب الجهاد (وكل من نفر اليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الاسلام واذا كان السلف قد سلموا مانعى الزكاة مرتدين مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين.

ويقول ابن تيمية ص ٢٩٣ (وبهذا يتبين أن من كان مسلم الأصل هو شر من الترك الذين كانوا كفارا فان المسلم الأصلى اذا ارتد عن بعض شرائعه أسوأ حالا ممن لم يدخل بعد فى تلك الشرائع متفقها أو متصوفا أو تاجرا أو كاتبا أو غير ذلك فهؤلاء شر من الترك الذين لم يدخلوا فى تلك الشرائع وأصروا على الكفر ولهذا يجد المسلمون من ضرر هؤلاء على الدين ما لا يجدونه من ضرر أولئك وينقادون للاسلام وشرائعه وطاعة الله ورسوله أعظم انقياد من هؤلاء الذين ارتدوا عن بعض الدين ونافقوا على بعض وان تظاهروا الانتساب إلى العلم والايمان) .

حكم من يخرج للقتال فى صفهم مكرها يقول ابن تيمية ص ٢٩٢ ايضا (فانه لا ينضم اليهم طوعا من المظهرين الإسلام إلا منافق أو زنديق أو فاسق فاجر ومن أخرجوه معهم مكرها فانه يثبت على نيته ونحن علينا أن نقاتل العسكر جميعه اذ لا يميز المكره من غيره) .. تحذير للمكره ويقول ابن تيمية محذرا المكره فى ص ٢٩٥ باب الجهاد (المكره على القتال فى الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه افساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلوما فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام كمانعى الزكاة والمرتدين ونحوهم فلا ريب ان هذا يجب عليه اذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وان قتله المسلمون وإن أكرهه بالقتل ليس حفظ نفسه ذلك المعصوم أولى من العكس فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو) .

اراء وأهواء ولكن هناك أراء فى الحقل الإسلامى لازالة هؤلاء الحكام واقامة حكم الله عز وجل فما قدر هذه الآراء من الصحة.

الجمعيات الخيرية هناك من يقول اننا نقيم جميعات تابعة للدولة تدفع الناس الى اقامة الصلاة وايتاء الزكاة وأعمال الخير والصلاة والزكاة وأعمال الخير تلك أوامر من الله عز وجل لا يجب علينا التفريط فيها ولكن اذا تساءلنا هل كل هذه العمال والعبادات هى التى سوف تقيم دولة الإسلام فالاجابة الفورية بدون أدنى تفكير هى.. لا هذا بالاضافة إلى أن هذه الجمعيات خاضعة أصلا للدولة ومفيدة بسجلاتها وتسير بأوامرها.

الطاعة والتربية وكثرة العبادة وهناك من يقول ان علينا أن ننشغل بطاعة الله وبتربية المسلمين وعلينا بالاجتهاد فى العبادة لأن كل هذا الذل الذى نعيش فيه من ذنوبنا ومن أعمالنا سلط علينا ويستدل أحيانا بالحكمة القائلة من مالك بن دينار يقول الله عز وجل (انا الله ملك الملوك قلوب الملوك بيدى فمن أطاعنى جعلتهم عليه رحمه ومن عاصنى جعلتهم عليه نقمة فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك ولكن توبوا إلى أعطفهم عليكم) .

والحقيقة من ظن أن هذه الحكمة هى ناسخة لفريضتى الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقد أهلك نفسه وأهلك من أطاعه واستمع له ومن يريد حقا أن ينشغل بأعلى درجات الطاعة وأن يكون فى قمة العبادة فعليه بالجهاد فى سبيل الله وذلك مع عدم اهمال بقية اركان الإسلام.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف الجهاد بأنه ذروة سنام الإسلام ويقول صلى الله عليه وسلم.

(من لم يغز أو تحدثه نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية أو على شعبة من نفاق) ولذلك يقول المجاهد فى سبيل الله عبد الله بن المبارك الذى أبكى الفضيل.

يا عاد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب ويقول البعض ان الانشغال بالسياسة يقسى القلب ويلهى عن ذكر الله وأمثال هؤلاء كأنما يتجاهلون قول النبى صلى الله عليه وسلم أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر والحق يقول من يتكلم بهذه الفلسفات أما أنه لا يهتم بالإسلام أو هو جبان لا يريد أن يقف بصلابة مع حكم الله.

قيام حزب اسلامى وهناك من يقول ان علينا أن نقيم حزبا اسلاميا فى قائمة الأحزاب الموجودة وفى الحقيقة أن هذا يزيد الجمعيات الخيرية بكونه حزبا يتكلم فى السياسة بالاضافة إلى ذلك فان الهدف الذى قام من أجله تحطيم دولة الكفر سوف يكون العمل عن طريق الحزب هو عكسه وهو بناء دولة الكفر فهم يشاركونهم فى الآراء ... ويشتركون فى عضوية المجالس التشريعية التى تشرع من دون الله.

الاجتهاد من أجل الحصول على المناصب وهناك من يقول ان على المسلمين الاجتهاد من أجل الحصول على المناصب فتملأالمراكز بالطبيب المسلم والمهندس المسلم وبذلك يسقط النظام الكافر وحده وبدون مجهود ويتكون الحاكم المسلم.. والذى يسمع هذا الكلام لأول وهلة يظنه خيالا أو مزاحا ولكن الحقيقة أن بالحقل الإسلامى من يفلسف الأمور بهذه الطريقة وهذا الكلام بالرغم من أنه لا دليل له من الكتاب والسنة فان الواقع حائل دون تحقيقه فهمها وصل الأمر إلى تكوين أطباء مسلمين ومهندسين مسلمين فهم أيضا فى بناة الدولة ولن يصل الأمر الى توصيل أى شخصية مسلمة إلى منصب وزارى إلا اذا كان مواليا للنظام موالاة كاملة.

الدعوة فقط وتكوين قاعدة عريضة ومنهم من يقول ان الطريق لاقامة الدولة هو الدعوة فقط واقامة قاعدة عريضة وهذا لا يحق قيام الدولة بالرغم من أن البعض جعل هذه النقطة أساس تراجعه عن الجهاد والحق أن الذى سيقيم الدولة هم القلة المؤمنة والذين يستقيمون على أمر الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم دائما قلة بدليل قول الله عز وجل وقليل من عبادى الشكور وقوله سبحانه {وإن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله} وتلك سنة الله فى أرضه فمن أين سنأتى بهذه الكثرة المأمولة ويقول سبحانه {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} والإسلام لا ينتصر بالكثرة فالله سبحانه وتعالى يقول {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} ويقول سبحانه {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت} ويقول صلى الله عليه وسلم ولينزعن الله الهيبة من قلوب أعدائكم وليقذفهن فى قلوبكم الوهن وذلك بعد أن سالوه صلى الله عليه وسلم أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله قال بل أنتم يومئذ كثير ولكن عثاء كغثاء السيل.

ثم كيف تنجح الدعوة هذا النجاح العريض وكل الوسائل الاعلامية الآن تحت سيطرة الكفرة والفسقة والمحاربين لدين الله ... فالسعى المفيد حقا هو من أجل تحرير هذه الأجهزة الاعلامية من أيدى هؤلاء ومعلوم أنه بمجرد النصر والتمكين تكون هناك استجابة فيقول سبحانه وتعالى {إذا جاء نصر الله والفتح.

ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا} .

ويجدر بنا فى استعراض هذه النقطة الرد على من يقول انه لابد أن يكون الناس مسلمين حتى نطبق الإسلام عليهم كى يستجيبوا له وكى لا نفشل فى تطبيقه والذى يتشدق بهذا الكلام فهو انما يتهم الإسلام بالنقص والعجز دون أن يشعر فهذا الدين الصالح للتطبيق فى كل زمان ومكان وقادر على تسيير المسلم والكافر والفاسق والصالح والعالم والجاهل وإذا كان الناس يعيشون تحت أحكام الكفر فكيف بهم اذا وجدوا أنفسهم تحت حكم الإسلام الذى هو كله عدل.

وقد أخطأ الفهم من يفهم كلامى هذا بمعنى التوقف عن الدعوة (دعوة الناس إلى الإسلام) فالأساس هو أن يأخذ الاسلام ككل ولكن ذلك رد على من جعل قضيته هى تكوين القاعدة العريضة وانشغل عن الجهاد بل من أجلها أوقفه وعطله.

الهجرة وهناك من يقول ان الطريق لاقامة الدولة الإسلامية هو الهجرة الى بلد أخرى واقامة الدولة هناك ثم العودة مرة أخرى فاتحين، ولتوفير جهد هؤلاء فعليهم أن يقيموا دولة الإسلام ببلدهم ثم يخرجوا منها فاتحين وهل هذه الهجرة شرعية أم لا.

للاجابة على هذا التساؤل ندرس أنواع الهجرة الواردة فى السنة فى تفسير حديث فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله كانت هجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه، يقول ابن حجر والهجرة الى الشىء الانتقال اليه من غيره، وفى الشرع ترك ما نهى الله عنه وقد وقعت فى الإسلام على وجهين الأول الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما فى هجرتى الحبشة.

وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة. الثانى الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبى صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر اليه من أمكنه ذلك من المسلمين.

ولا عجب فى ذلك فان هناك من يقول انه سوف يهاجر إلى الجبل ثم يعود فيلتقى بفرعون كما فعل موسى وبعد ذلك يخسف الله بفرعون وجنوده الأرض وكل هذه الشطحات ما نتجت إلا من جراء ترك الأسلوب الصحيح والشرعى الوحيد لاقامة الدولة الإسلامية.

اذا فما هو الأسلوب الصحيح يقول الله تعالى {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} ويقول سبحانه {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} .

الانشغال بطلب العلم وهناك من يقول ان الطريق الآن هو الانشغال بطلب العلم، وكيف نجاهد ولسنا على علم وطلب العلم فريضة ولكننا لم نسمع بقول واحد يبيح ترك أمر شرعى أو فرض من فرائض الإسلام بحجة العلم خاصة اذا كان هذا الفرض هو الجهاد فكيف نترك فرض عين من أجل فرض كفاية ثم كيف يتأتى أن نكون قد تعلمنا أقل السنن والمستحبات وننادى بها ثم نترك فرضا عظمه الرسول صلى الله عليه وسلم ثم الذى تعمق فى العلم إلى درجة أنه عرف الصغيرة والكبيرة كيف يمر عليه قدر الجهاد وعقوبة تأخيره أو التقصير فيه ومن يقول ان العلم جهاد عليه أن يعلم أن الفرض هو القتال لأن الله سبحانه وتعالى يقول {كتب عليكم القتال} ومعلوم أن رجلا شهد الشهادتين بين يدى رسول الله صلى اله عليه وسلم ثم نزل ميدان القتال فقاتل حتى قتل قبل أن يفعل شيئا سواء فى العلم أو فى العبادة فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العمل القليل بالأجر الكثير.

وحدود العلم أن من علم فرضية الصلاة فعليه أن يصلى، ومن علم فرضية الصيام فعليه أن يصوم كذلك، ومن علم فرضية الجهاد فعليه أن يجاهد ومن يصرح بعدم علمه بأحكام الجهاد فعليه أن يعرف أن أحكام الإسلام سهلة وميسرة لمن اختلص النية لله فعلى هذا أن ينوى الجهاد فى سبيل الله وبعد ذلك فأحكام الجهاد تدرس بسهولة ويسر وفى وقت قصير جدا والأمر لا يحتاج إلى ومن أراد أن يزداد من العلم فوق هذا الحد فليس هناك حكر على العلم فالعلم متاح للجميع أما تأخير الجهاد بحجة طلب العلم فتلك حجة من لا حجة له وهناك مجاهدون منذ بداية دعوة النبى صلى الله عليه وسلم وفى عصور التابعين حتى عصور قريبة لم يكونوا علماء وفتح الله على أيديهم أمصارا كثيرة ولم يحتجوا بطلب العلم أو بمعرفة علم الحديث وأصلو الفقه بل أن الله سبحانه وتعالى جعل على أيديهم نصرا للاسلام لم يقم به علماء الأزهر يوم أن دخل نابليون وجنوده الأزهر بالخيل والنعال ماذا فعلوا بعلمهم أمام تلك المهزلة فالعلم ليس هو السلاح الحاد والقاطع الذى سوف يقطع دابر الكافرين ولكن هذا السلاح الذى ذكره لنا المولى عز وجل فى قوله قالتوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ونحن لا نحقر قدر العلم والعلماء بل ننادى به ولكن لا نحتج به فى التخلى عن فرائض شرعها الله.

بيان أن أمة الإسلام تختلف عن الأمم الأخرى فى أمر القتال يوضح الله تعالى أن هذه الأمة تختلف عن الأمم الأخرى فى أمر القتال ففى الأمم السابقة كان الله سبحانه وتعالى ينزل عذابه على الكفار وأعدائه دينه بالسنن الكونية كالخسف والغرق والصيحة والريح وهذا الوضع يختلف مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالله سبحانه وتعالى يخاطبهم قائلا لهم {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} أى أنه على المسلم أولا أن ينفذ الأمر بالقتال بيده ثم بعد ذلك يتدخل الله سبحانه وتعالى بالسنن الكونية وبذلك يتحقق النصر على أيدى المؤمنين من عند الله سبحانه وتعالى.

الخروج على الحاكم جاء فى صحيح مسلم بشرح النووى عن جنادة بن أبى أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به سمعته عن رسول الله صلى اله عليه وسلم فقال دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة فى منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثره علينا وأن لا ننازع المر أهله قال إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان.

بواح أى ظاهر والمراد بالكفر هنا المعاصى.

معنى عندكم من الله فيه برهان أى تعلمونه من دين الله.

ويقول النووى فى شرح الحديث (قال القاضى عياض أجمع العلماء على أن الأمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل قال وكذا لو ترك اقامة الصلوات والدعاء اليها وكذلك قال عند جمهورهم المبدعة قال وقال بعض البصريين تنعقد له وتسند له لأنه متأول قال القاضى لو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب امام عادل ان أمكنهم ذلك إلا لطائفة وجبت عليهم القايم بخلع الكافر (صحيح مسلم - باب الجهاد) وهذا الباب هو أيضا رد على القائلين بأنه لا يجوز القتال إلا تحت خليفة أو أمير.

ويقول ابن تيمية (كل طائفة خرجت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة اللمتواتر فانه يجب قتالها باتفاق أئمة المسلمين وان تكلمت بالشهادتين) .

(الفتاوى الكبرى باب الجهاد ص ٢٨١) .

العدو القريب والعدو البعيد وهناك قول بأن ميدان الجهاد اليوم هو تحرير القدس كأرض مقدسة والحقيقة أن تحرير الأراضى المقدسة أمر شرعى واجب على كل مسلم ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف المؤمن بأنه كيس فطن أى أنه يعرف ما ينفع وما يضر ويقدم الحلول الحاسمة الجذرية وهذه نقطة تستلزم توضيح الآتى أولا ان قتال العدو القريب أولى من قتال العدو البعيد.

ثانيا ان دماء المسلمين التى ستنزف حتى وأن تحقق النصر فالسؤال الآن هل هذا النصر لصالح الدولة الإسلامية القائمة أم أن هذا النصر هو لصالح الحكم الكافر القائم وهو تثبيت لأركان الدولة الخارجة عن شرع الله وهؤلاء الحكام انما ينتهزون فرصة أفكار هؤلاء المسلمين الوطنية فى تحقيق أغراضهم الغير إسلامية وإن كان ظاهرها الإسلام فالقتال يجب أن يكون تحت راسة مسلمة وقيادة مسلمة ولا خلاف فى ذلك.

ثالثا ان أساس وجود الاستعمار فى بلاد الإسلام هم هؤلاء الحكام فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجدد وغير مفيد وما هو إلا مضيعة للوقت.

فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية وهى إقامة شرع الله أولا فى بلدنا وجعل كلمة الله هى العليا فلا شك أن ميدان الجهاد الأول هو اقتلاع تلك القيادات الكافرة واستبدالها بالنظام الإسلامى الكامل ومن هنا تكون الانطلاقة.

الرد على من يقول ان الجهاد فى الإسلام للدفاع فقط ويجدر بنا فى هذا الصدد الرد على من قال أن الجهاد فى الإسلام للدفاع وان الإسلام لم ينشر بالسيف وهذا قول باطل ردده عدد كبير ممن يبرز فى مجال الدعوة الإسلامية والصواب يجيب به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما سئل أى الجهاد فى سبيل الله.

قال من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل الله فالقتال فى الإسلام هو لرفع كلمة الله فى الأرض سواء هجوما أو دفاعا.. والإسلام انتشر بالسيف ولكن فى وجه ائمة الكفر الذين حجبوه عن البشر، وبعد ذلك لا يكره أحد فواجب على المسلمين أن يرفعوا السيوف فى وجوه القادة الذين يحجبون الحق ويظهرون الباطل والا لن يصل الحق إلى قلوب الناس واقرأ معى رسالة النبى صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عن ابن عباس فى صحيح البخارى ونصها.

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى - أما بعد فانى أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فان توليت فانما عليك اثم ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون الله فان تولوا فقلوا اشهدوا بأنا مسلمون ونضيف نص رسالة النبى صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أيضا.

بشم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وأدعوك بدعاء الله فانى أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين اسلم تسلم فان أبيت فان اثم المجوس عليك (أخرجه بن جرير عن طريق ابن اسحاق) .

وأخرج البيهقى نص رسالة الرسول إلى أهل نجران وهى باسم اله ابراهيم واسحاق ويعقوب من محمد النبى رسول الله إلى أسقف نجران وأهل نجران سلام عليكم.

فانى أحمد اليكم اله ابراهيم واسحاق ويعقوب أما بعد فانى أدعوك إلى عبادة الله من عبادة العباد وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية فان أبيتن فقد آذنتكم بحرب والسلام.

وقد أرسل صلى الله عليه وسلم رسائل مشابهة إلى المقوقس والى ملك اليمامة والى المنذر بن ساوى عظيم البحرين والى الحارث بن أبى شمر الغسانى والى الحارث بن عبد كلال الحميرى والى ملكى عمان وغيرهم.

آية السيف ولقد تكلم أغلب المفسرين فى آية من آيات القرآن وسموها آية السيف وهى قول الله سبحانه وتعالى {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد} .

قال الحافظ بن كثير فى تفسير الآية (قال الضحاك بن مزاحم انها نسخت كل عهد بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين أحد المشركين وكل عقد ومدة.

قال العوفى عن ابن عباس فى هذه الآية لم يبق لأحد من المشركين عهد ولا ذمة نزلت براءة.

ويقول الحافظ محمد بن أحمد بن محمد بن جزى الكلبى صاحب تفسير التسهيل لعلوم التنزيل (وتقدم هنا ما جاء من نسخ مسالمة الكفار والعفو عنهم والاعراض والصبر على أذاهم بالأم بقتالهم ليغنى ذلك عن تكراره فى مواضعه فانه وقع منه فى القرآن مائة وأربع عشرة آية من أربع وخمسين سورة نسخ ذلك كله بقوله {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} {كتب عليكم القتال} وقال الحسين بن فضل فيها هى آية السيف نسخت هذه كل آية فى القرآن فيها ذكر الاعراض والصبر على أذى الأعداء فالعجب ممن يستدل بالآيات المنسوخة على ترك القتال والجهاد.

وقال الامام أبو عبد الله محمد بن حزم فى الناسخ والمنسوخ باب الاعراض عن المشركين (فى مائة وأربع عشرة آية فى ثمان وأربعين سورة نسخ الكل بقوله عز وجل {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وسنذكرها فى مواضعها ان شاء الله تعالى) انتهت.

ويقول الامام المحقق أبو القاسم هبة الله بن سلامة اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (الآية الثالثة هى الآية الثالثة وهى الناسخة ولكن نسخت من القرآن مائة آية وأربعا وعشرين ثم صار آخرها ناسخا لأولها وهى قوله تعالى {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} (كتاب الناسخ والمنسوخ) .

فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب وقال السدى والضحاك ان آية السيف منسوخة بآية فاذا لقيتم الذى كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد واما فداء وهى أشد على المشركين من آية الشيف وقال قتادة بالعكس ولا أعلم أحدا خالف القول بالمنسوخ سوى السيوطى قال فى كتاب الاتفاق (الأمر حين الضعف والقلة بالصبر بالصفح ثم نسخ بايجاب القتال وهذا فى الحقيقة ليس بل هو من قسم المنسأ كما قال تعالى {أو ننسها} فالمنسأ هو الأمر بالتقال إلى أن يقوى المسلمون وفى حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية فى ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هو المنسأ وقال ذكر جماعة أن ما ورد من الخطاب والتوقيت والغاية مثل قوله فى البقرة لاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره حكم غير منسوخ لأنه مؤجل بأجل.

انتهى كلام السيوطى.

وبالرغم من مخالفة السيوطى لكل الأقوال السابقة مما لا يدع مجالا للشك بأن الصواب هو الأخذ بالقول الأول.

فبالاضافة إلى ذلك فانه قد أخطأ من فهم أن القول بعدم نسخ آيات العفو واصفح يعنى تعطيل فريضتى الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أو اسقاط فرض الجهاد فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الجهاد ماض إلى يوم القيامة ويقول الأستاذ عبد الوهاب خلاف فى كتاب علم أصول الفقه ص ٢٢٧ فان كونه ماضيا إلى يوم القيامة يدل على أنه باق ما بقيت الدنيا.

وتعطيل الجهاد بحجة النسأ ليس ايفاقا للغزو فقط ولكنه ايقاف لينة الغزو أيضا وخطورة ذلك فى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يغز أو تحدثه نفسه بالغزو مات ميتة جاهلية والأمر المتفق عليه أن المسلمين كى يجاهدوا لابد لهم من قوة ولكن كيف تتحقق هذه القوة وأنت معطل لفرض الجهاد والله سبحانه وتعالى يقول {ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم} فكونك لا تريد الخروج يتلوه تركك للعدة فالمسلم الذى أوقف فرض الجهاد انى له أن يأخذ بأسباب القوة ويقول صلى الله عليه وسلم اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، وترطوا الجهاد فى سبيل الله، وأخذوا أذناب البقر أنزل الله عليهم من السماء بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم.

مواقف المسلمين فى القتال جيوش المسلمين على مر العصور قليلو العدد والعدة ويواجهون جيوشا أضعافهم ويحتج البعض بأن تلك خصوصية للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والرد على ذلك هو أن وعد الله بالنصر دائم مادامت السموات والأرض ومن الممكن أن تطلع على ما حدث مع ظهير الدين بابر الذى واجه الملك الهندوكى (دانا سنجى) وجيشه عشرون ألفا وجيش الملك الهندوكى مائتا ألف وانتصر القائد المسلم بعد توبته عن شرب الخمر وغيره كثيرون المجتمع المكى والمجتمع المدنى وهناك من يدعى أننا نعيش فى مجتمع مكى مجتهدا فى ذلك كى يحصل على رخصة بترك الجهاد فى سبيل الله فان من يضع نفسه فى مجتمع مكى لكى يترك فريضة الجهاد فعليه أن يترك الصوم والصلاة وأن يأكل الربا لن الربا لم يحرم إلا فى المدينة والصواب هو أن مكة هى فترة نشأة الدعوة وقول الله سبحانه وتعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} قد نسخ كل هذه الأفكار التثبطية بحجة أننا ميكون فنحن لا نبدأ كما بدأ النبى صلى الله عليه وسلم ولكن نأخذ بما انتهى به الشرع ونحن لسنا فى مجتمع مكى ولسنا أيضا فى مجتمع مدنى ولكى تعرف المجتمع الذى نعيش فيه راجع فصل (الدار التى نعيش فيها) .

القتال الآن فرض على كل مسلم والله سبحانه وتعالى عندما فرض الصيام قال {كتب عليكم الصيام} وفى أمر القتال قال {كتب عليكم القتال} أى أن القتال فرض وذلك رد على من قال أن الفرض هو الجهاد ومن هنا يقول اننى اذا قمت بواجب الدعوة فقد أديت الفرض لأن ذلك جهاد.

واذا خرجت فى طلب العلم فأنا فى سبيل الله حتى أرجع بنص الحديث فبذلك فقد أديت الفرض.

فالفرض واضح بالنص القرآنى أنه القتال أى المواجهة والدم.

والسؤال الآن متى يكون الجهاد فرض عين يتعين الجهاد فى ثلاثة مواضع أولا اذا التقى الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصارف وتعيين عليهم المقام لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا} وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار} ثانيا - اذا نزل الكفار ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم.

ثالثا - اذا استنفر الامام قوما لزمهم لقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل.

إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شىء قدير} وقال صلى الله عليه وسلم إذا استنفرتم فانفروا انتهى.

وبالنسبة للاقطار الإسلامية فان العدو يقيم فى ديارهم بل أصبح العدو يمتلك زمام الأمور وذلك العدو هم هؤلاء الحكام الذين انتزعوا قيادة المسلمين ومن هنا فجهادهم فرض عين هذا بالاضافة الى أن الجهاد الإسلامى اليوم يحتاج إلى قطرة عرق كل مسلم.

وأعلم أنه اذا كان الجهاد فرض عين فليس هناك استئذان للوالدين فى الخروج للجهاد كما قال الفقهاء فمثله كمثل الصلاة والصوم.

مراتب الجهاد وليست مراحل الجهاد الواضح أن الجهاد اليوم فرض عين على كل مسلم وبالرغم من ذلك نجد أن هناك من يحتج بأنه يحتاج إلى تربية نفسه وأن الجهاد مراحل فهو مازال فى مرحلة جهاد النفس ويستدل على ذلك بقول الامام بن القيم الذى قسم الجهاد إلى مراتب ١ - جهاد النفس.

٢ - جهاد الشيطان. ٣ - جهاد الكافر والمنافقين.

وهذا الاستدلال ينبىء من خلفه أما جهل كامل أو جبن فاحش.

ذلك لأن ابن القيم قسم الجهاد إلى مراتب ولم يقسمه الى مراحل.. والا فعلينا أن نتوقف عن مجاهدة الشيطان حتى ننتهى من مرحلة جهاد النفس والحقيقة أن الثلاثة مراتب تسير سويا فى خط مستقيم ونحن لا ننكر أن أقوانا ايمانا وأكثرنا مجاهدة لنفسه أكثرنا ثباتا ولكن من يدرس السيرة يجد أنه عندما يندى منادى الجهاد كان الجميع ينفر فى سبيل الله حتى مرتكبى الكبيرة وحدينى العهد بالإسلام ويروى أن رجلا أسلم أثناء القتال ونزل فى المعركة فقتل شهيدا فقال صلى الله عليه وسلم عمل قليل وأجر كثير.. وقصة أبو محجن الثقفى الذى كان يدمن الخمر وبلاؤه فى حرب فارس مشهور نذكر بن القيم ان حديث رجعنا من الجهاد الأصغر الى الجهاد الأكبر قيل ما الجهاد الأكبر يا رسول الله قال جهاد النفس أنه حديث موضوع (المنار للسيف) وما قصد بوضع هذا الحديث إلا التقليل من شأن القتال بالسيف لشغل المسلمين عن قتال الكفار والمنافقين.

خشية الفشل وهناك قول بأننا نخشى أن نقيم الدولة ثم بعد يوم أو يومين يحدث نرد فعل مضاد يقضى على كل ما أنجزناه.

والرد على ذلك هو ان اقامة الدولة الإسلامية هو تنفيذ لأمر الله ولسنا مطالبين بالنتائج والذى يتشدق بهذا القول الذى لا فائدة من ورائه إلا تثبيط المسلمين عن تأدية واجبهم الشرعى باقامة شرع الله قد نسى أنه بمجرد سقوط الحكم للكافر فكل شىء سوف يصبح بأيدى المسلمين مما يستحيل معه سقوط الدولة المسلمة.

ثم ان قوانين الإسلام ليست قاصرة ولا ضعيفة عن اخضاع كل مفسد فى الأرض خارج عن أمر الله.

وبالاضافة إلى ذلك فان قوانين الله كلها عدل لن تجد سوى كل ترحاب حتى ممن لا يعرف الإسلام ولتوضيح موقف المنافقين فى عدائهم للمسلمين ليطمئن الذين يخشون الفشل بقول المولى فى سورة الحشر {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون.

لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} وهذا وعد الله فانهم (المنافقين) اذا رأوا أن القوة فى صف الإسلام سوف يعودون مذعنين فلا تنخذع لهذه الأصوات فانها سرعان ما تخمد واتنطفىء وموقف المنافقين سوف يكون موقف كل أعداء الإسلام ويقول الله تعالى {إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} .

القيادة وهناك من يحتج بعدم وجود قيادة تقود مسيرة الجهاد وهناك من يعلق أمر الجهاد بوجود أمير أو خليفة والقائلون لهذا القول هم الذين ضيعوا القيادة وأوقفوا مسيرة الجهاد والرسول صلى الله عليه وسلم يحض المسلمين فى أحاديثه على تكوين القيادات يروى أبو داود فى كتاب الجهاد قال صلى الله عليه وسلم اذا خرج ثلاثة فى سفر فليؤمروا أحدهم ومن هنا تدرك أن قيادة المسلمين بأيديهم هم الذين يظهرونها ويقول صلى الله عليه وسلم من استعمل على عصابة وفيهم من هو ارضى لله منه فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين رواه الحاكم ورمز السيوطى الى صحته.

فينبغى أن تكون للأحسن اسلاما ويقول صلى الله عليه وسلم لأبى ذر انك ضعيف وانها أمانة وينبغى أن تكون للاقوى والأمر نسبى، وما نستنتجه أن قائد المسلمين فليس هناك حجة لمن يدعى فقدان القيادة فانهم يستطيعون أن يخرجوا من أنفسهم القيادة.

واذا كان فى القيادة شىء من القصور فما من شىء إلا ويمكن اكتسابه.. أما أن تفقد بحجة فقدان القيادة فهذا لا يجوز.. وقد نجد فقيها ولكن ليس عالما بأحوال الزمان والقيادة والتنظيم وقد نجد العكس ولكن كل هذا لا يعفينا من ايجاد القيادة وأن نخرج أنسبنا لقيادتنا فى وجود الشورى والنواقص يمكن استكمالها.

والآن لم تعد هناك حجة لمسلم فى ترك فريضة الجهاد الملقاة على عاتقه فلابد من البدء وبكل جد فى تنظيم عملية الجهاد لاعادة الإسلام لهذه الأمة واقامة الدولة واستئصال طواغيت لا يزيدون عن كونهم بشر لم يجدوا أمامهم من يقمعهم بأمر الله سبحانه وتعالى.

البيعة على القتال والموت أخرج البخارى عن سلمة رضى الله عنه قال بايعت النبى صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل الشجرة فلما حف الناس قال يا ابن الأكوع إلا تبايع.

قلت بايعت يا رسول الله. قال أيضا. فبايعته الثانية فقلت له يا أبا سلمة على أى شىء كنتم تبايعون يومئذ.

قال على الموت وأخرجه أيضا مسلم والترمذى. وأخرج البخارى ص ٤١٥ أيضا عن عبد الله بن زيد رضى الله عنه قال لما كان زمن الحرة أتاه آت فقال له ان ابن حنظلة يبايع الناس على الموت فقال لا أابيع على هذا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه أيضا مسلم فى العين ص ١٥ والبيهقى.

والرواية السابقة تفيد جواز البيعة على الموت ولسنا بصدد دراسة موقف عبد الله بن زيد.

وهناك فارق بين بيعة الموت والبيعة المطلقة للخليفة فقط وليس معنى ذلك أن أمير الجند لا يطاع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أطاعنى فقد أطاع الله ومن عصانى فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعنى ومن يعصى الأمير فقد عصانى (متفق عليه) .

وعن ابن عباس فى قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم} نزلت فى عبد الله بن حذافة بعثه رسول الله فى سرية أى كان أمير جهاد.

التحريض على الجهاد فى سبيل الله ولا يجب على المسلم إلا أن يعد نفسه للجهاد فى سبيل الله فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (انتدب الله لمن خرج فى سبيل الله لا يخرجه إلا الجهاد فى سبيل الله وايمان بى وتصديق برسولى فهو على ضامن أن ادخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذى خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) متفق عليه.

ويقول صلى الله عليه وسلم من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وأن مات على فراشه.

رواه مسلم والبيهقى عن أبى هريرة وجاء رجل رسول الله فقال دلنى على عمل يعدل الجهاد قال لا أجده.

قال هل تسطتيع اذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر قال من يستطيع ذلك.

قال أبو هريرة ان فرض المجاهد ليستن (يتحرك) فى طوله يكتب له حسنات.

قال أبو هريرة ان فرض المجاهد صلى الله عليه وسلم للشهيد عند الله ست خصال.

يغفر له من أول دفعه دم، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الايمان، ويزوج من الحول العين، ويشفع فى سبعين من أقاربه (الترمذى) .

عقوبة ترك الجهاد ترك الجهاد هو السبب فيما يعيش فيه المسلمون اليوم من ذلك ومهانة وتفرق وتمزق فقد صدق فيهم قول المولى عز وجل {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل.

إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير} التوبة ٣٨، ٣٩.

ويقول ابن كثير فى تفسير هذه الآيات (هذا شروع فى عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك حين طابت الثمار والطلال فى شدة الحر وحمارة القيظ فقال تعالى {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} أى اذا دعيتم للجهاد فى سبيل الله اثاقلتم الى الأرض أى تكاسلتم وملتم إلى المقام فى الدعة والخفض وطيب الثمار {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} ما لكم فعلتم رضا منكم بالدنيا بدلا من الآخرة ثم زهد تبارك وتعالى فى الدنيا ورغب فى الآخرة فقال {فما متاع الحياة الدنيا فى الآخرة إلا قليل} ثم توعد الله تعالى من ترك الجهاد فقال {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} قال ابن عباس استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيا من العرب فتثاقلوا عنه فأمسك الله عنهم القطر فكان عذابهم ويستبدل قوما غيركم أى لنصرة نبيه وإقامة دينه.

كما قال تعالى {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} {ولا تضروه شيئا} أى ولا تضروا الله شيئا بتوليكم عن الجهاد وتثاقلكم عنه.

ويقول صلى الله عليه وسلم اذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة.

تركوا الجهاد فى سبيل الله، وأخذوا أذناب البقر أنزل عليهم من السماء بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم، ولا يجب على مسلم ان يرضى أن يكون الآن فى صفوف النساء كما أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جهادهم فى الحج والعمرة.

شبهات فقهية والرد عليها هناك من خيشى الدخول فى هذا النوع من القتال محتجا بأن الذين يواجهونه هم جنود فيهم المسلم وفيهم الكافر فكيف نقاتل مسلمين ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ان القاتل والمقتول فى النار.

ولقد تعرض شيخ الإسلام ابن تيمية لنفس السؤال فكانت مسألة من مسائل الفتاوى الكبرى.

(٥١٧) فى أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون ان فيهم من يخرج مكرها (والجواب) يقول ابن تيمية (فمن شك فى قتالهم فهو باتفاق المسلمين كما قال العباس لما أسر يوم بدر يا رسول الله انى خرجت مكرها فقال النبى صلى الله عليه وسلم أما ظاهرك فكان علينا وأما سريتك فالى الله وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار اذا تترسوا أى احتموا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر اذا لم يقاتلوا فانهم يقاتولن وان أفضى ذلك إلى قتل المسملين الذين تترسوا بهم وان لم يخف على المسملين ففى جواز القتال المفضى إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء وهؤلاء المسلمون اذا قتلوا كانوا شهداء ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدا فان المسلمين اذا فاتولا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدا ومن قتل شهيدا وهو فى الباطن لا يستحق القتل لاجل مصلحة الإسلام كان شهيدا.

وقد ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال يغزو جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض اذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم فاذا كان العذاب الذى ينزله الله بالجيش الذى يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغيره فكيف يالعذاب الذى يعذبهم الله به أو بأيدى المؤمنين كما قال تعالى {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} ونحن نعلم أننا لا نقدر على التمييز بين المكره وغيره فاذا قتلناهم بأمر الله كنا فى ذلك مأجورين ومعذورين وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرها لا يستطيع الامتناع فانه يحشر على نيته يوم القيامة فاذا قتل لاجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم من قتل من يقتل من عسر المسلمين وأما اذا هرب أحدهم فان من الناس من يجعل قتالهم بمنزلة قتال البغاة المتأولين وهؤلاء اذا كان لهم طئافة ممتنعة فهل يجوز اتباع مدبرهم وقتل اسيرهم والاجهاز على جريحهم على قولين للعلماء مشهورين فقيل لا يفعل ذلك لأن منادى على بن أبى طالب نادى يوم الجمل لا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير وقيل بل يفعل ذلك لأنه يوم الجمل لم يكن لهم طائفة ممتنعة وكان المقصود من القتال دفعهم فلما اندفعوا لم يكن إلى ذلك حاجة بمنزلة جفع الصائم وقد روى أنه يوم الجمل وصفين كان أمرهم بخلاف ذلك فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأولين جعل فيهم هذين القولين والصواب أن هؤلاء ليسوا من البغة المتأولين فان هؤلاء ليس لهم تأويل سائغ أصلا وانما هم من جنس الخوارج المارقين ومانعى الزكاة وأهل الطائف ونحوهم ممن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام وهذا موضع اشتبه على كثير من الناس من الفقهاء.

أسلوب القتال المناسب مع تقدم الزمن وتطور البشرية يبدو تساؤل لا شك أن أساليب القتال الحديثة قد تختلف شيئا ما عن أساليب القتال فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم فما هو أسلوب قتال المسلم فى العصر الحديث وهل له أن يعمل عقله ورأيه مخادعة الكفار فن من فنون القتال فى الإسلام يقول (الحرب خدعة) ويقول النووى فى شرح الحديث (أتفق العلماء على جواز خداع الكفارة فى الحرب كيفما أمكن الخداع الا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل) ومعلوم أنه لا عهد بيننا وبينهم حيث أنهم محاربون لدين الله سبحانه وتعالى والمسلمون أحدار فى اختيار أسلوب القتال المناسب على أن تتحقق الخدعة وهى النصر بأقل الخسائر وأيسر السبل.

أسلوب القتال فى غزة الأحزاب بعد أن نجح ساسة اليهود فى تأليب الأحزاب الكافرة على النبى صلى الله عليه وسلم ودعوته.

وأصبح الوضع خطيرا، رسم المسلمون على عجل خطة فريدة لم تسمع العرب عنها من قبل، فهم لا يعرفون إلا قتال الميادين المكشوفة، وتلك الخطة أشار بها الفارسى وهى حفر خندق عميق يحيط بالمدينة من ناحية السهل ويفصل بين المدافعين والمغيرين، فأسلوب القتال ليس وحيا ولا سنة ثابتة ولكن المسلم له أن يعمل عقله ويدبر ويخطط والأمر يعود فيه للمشورة.

الكذب على الأعداء وقد صح فى الحديث جواز الكذب فى ثلاثة أشياء قال الطبرى انما يجوز من الكذب فى الحرب المعارضة دون حقيقة الكذب فانه لا يحل هذا كلامه والظاهر هو اباحة حقيقة نفس الكذب لكن الاقتصار على التعويض أفضل والله أعلم (سلم شرح النووى) .

تخطيطات اسلامية ومن خلال دراسة السرايا يخرج السملم بتخطيطات اسلامية وخدع قتالية تمضى أحكامها على كثير من المسلمين ونذكر على سبيل المثال ١ - سرية مقتل كعب بن الأشرف فى السنة الثالثة من الهجرة فى صحيح البخارى عن جابر بن عبد الله قال صلى الله عليه وسلم من لكعب ابن الأشرف فانه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله.

قال نعم. قال فاذن لى أن أقول شيئا (وهو استئذان من النبى صلى الله عليه وسلم بأن يتكلم كلاما وحتى لو كان منافيا للايمان وذلك لاظهار الكفر أمام كعب بن الأشرف فأذن له) .

قال صلى الله عليه وسلم قل فأتاه محمد بن مسلمة فقال ان هذا الرجل (يقصد النبى صلى الله عليه وسلم قد سألنا صدقة وقد عنانا وهبذا القول ظاهره انكار الصدقة والتعدى على النبى صلى الله عليه وسلم وهذا كفر) وهذا يفيد بأنه من الممكن للمسلم اظهار موالاته الكاملة للعدو فى الحرب ولو وصل الأمر إلى اظهار الشرك والكفر.

وانى قد أتيتك استسلفك قال وأيضا والله لملته، قال أنا قد ابتعناه فلا نحب أن ندعه حتى ننظر إلى شىء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلنا وسقا أو وسقين، فقال كعب نعم ارهنونى، قالوا أى شىء تريد قالوا ارهنونى نساءكم قالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال أرهنونى أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكنا نرهنك الأمة (أى السلاح) فواعداه أن يأتيه فجاءه ليلا ومعه أوب نائلة وهو أخو كعتب من الرضاعة فدعاهم الى الحصن فنزل اليهم فقال له امرأته أين تخرج هذه الساعة فقال له أسمع صوته كأنه يقطر، قال انما هو أخى محمد بن مسلمة ورضيعى أبو نائلة ان الكريم اذا دعى إلى طعنة بليل لأجاب.

قال ويدخل محمد بن مسلمة ومعه رجلان ميل لسفيان سماهم عمرو قال (الحارث بن بشر، وعياد بن بشر) قال عمرو فقال محمد بن مسلمة اذا جاء فانى قائل (أى جاءب بشعره) فأشمه فاذا رأيتمونى استمكت من رأسه فدونكم فاضربوه (وتلك هى طريقة للتمكن من قتله حيث انه كان ضخم الجثة قوى البنية) وفى هذه القصة من الفوائد فى فن القتال الكثير وقد زعم بعض المستشرقين ومن فى قلوبهم مرض أن مقتل كعب بن الأشرف كان غدرا وخيانة له والرد عليهم هو أن ذلك الكافر قد نقض عهده وأمعن فى ايذاء المسملين وقد جاء اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم بعد مقتل كعب بن الأشرف فقالوا يا محمد قد طرق أى قتل صاحبنا الليلة وهو سيد من ساداتنا قتل غليله بلا جرم ولا حدث علمناه قال صلى الله عليه وسلم أنه لو قر كما تد غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه آذانا وهاجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم الا كان للسيف.

(الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ٧١ لابن تيمية) .

٢ - سرية عبد الله إلى أبى سفيان، وكانت فى السنة الرابعة وسببها أن النبى بلغه أن شعبان بن خالد الهذلى يقيم بعمرنه وأنه يجمع الجموع لحرب المسلمين فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن أنيس الجهنى بقتله قال عبد الله قلت يا رسول الله انعته (صفه لى) حتى أعرفه فقال صلى الله عليه وسلم انك اذا رأيته اذكرك الشيطان وآية ما بينك وبينه ذلك قال واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول (هو نفس أذن محمد بن مسلمة) فأذن لى ثم قال لى (انتسب إلى خزاعة) (وهذا كذب ولكنه مباح) .

قال عبد الله فعرفته تبعث (أى بوصف) رسول الله صلى الله عليه وسلم وشعرت بالخوف منه فقلت صدق رسول الله.

قال عبد الله وكان وقت العصر قد دخل حين رأيته فخشيت أن تكون بينى وبينه محادثة تشغلنى عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه أومىء أيماء برأسى.

فلما انتهيت إليه قال ممن الرجل قلت من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك (وفى هذا القول اظهار الموالاة) قال أجل أنى لا جمع له قال عبد الله فمشيت معه وحدثته فاستحلى حديثى وانشدته وقلت عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث فارق الآباء وسفه أحلامهم (وهذا القول كفر) قال (أبى سفيان) أنه لم يلق أحد يشبهنى، وهو يتوكأ على عصا يهد الأرض حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه وهم يطيقون به، فقال هلم يا أخا خزاعة فدنوت منه.

فقال اجلس قال عبد الله فجلست معه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغترته فقتلته وأخذته راسه ثم خرجت وتركت ظمأته منكبات عليه.

فلما قدمت المدينة وجدت رسو الله عليه الصلاة والسلام فلما رآنى قال افلح الوجه.

قالت افلح وجهك يا رسول الله، ثم وضعت الرأسى بين يديه وأخبرته خبرى.

٣ - قصة نعيم بن مسعود فى غزوة الأحزاب.

لما جاء نعيم ابن مسعود مسلم أوصاه أن يكتم اسلامه ورده على المشركين يوقع بينهم فذهب نعيم الى بنى قريظة وقال لهم على هيئة النصيحة لا تقاتلوا مع القوم (يقصد قريشا وغطفان) حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم يكونون ب أيديكم وذلك بعد أن أقنعهم أن قريشا وغطفان بصفتهم ليسوا من أهل المدينة فغن حدث شىء لحقوا ببلادهم وتركهم للنبى صلى الله عليه وسلم فقالوا له لقد اشرت بالرأى.

ثم أتى قريشا وأخبرهم أن يهود بنى قريظة قد ندموا على تحالفهم معكم وأرسلوا إلى محمد يقولون (هل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين رجالا من أشرافهم فتضرب أعناقهم) وأتى غطفان فقال مثل ذلك.

فأرسل أبو سفيان ورءوس غطفان إلى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل فى نفر من قريش وغطفان فقالوا لهم (اغدوا للقتال حتى نناجز محمدا) فأجابوا أن هذا يوم السبت لا نعمل فيه شيئا ولن نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا فانا نخشى ان اشتد عليكم القتال أن تنتشروا إلى بلادكم.

فلما رجعت الرسل قالت قريش وغطفان (والله الذى حدثكم به نعيم بن مسعود لحق) انا والله لا ندفع اليكم رجلا وأحدا من رجالنا.

فقالت بنو قريظة أن الذى ذكر لكم نعيم لحق.

ومن هنا انشب نعيم الفرقة فى صفوف الأحزاب. نقطة هامة جواز انغماس المسلم فى صفوف الكفار ان كان فى ذلك مصلحة للمسلمين يقول بن تيمية فى باب الجهاد صفحة ٢٩٦ وقد روى مسلم فى صحيحه عن النبى صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها ان الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة الدين ولهذا جحوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم فى صف الكفار وأن غلب على ظنه أنهم يقتلونه اذا كان فى ذلك مصلحة المسلمين.

ويعنى كلام بن تيمية جواز انغماس المسلم فى صفوف الجيش الكافر وان أدى ذلك إلى قتله حتى قبل أن يرى بعينه الفائدة من انغماسه.

الدعوة قبل القتال جواز الاغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير انذار روى الامام مسلم عن بن عدى قال كتبت إلى نافع أسئلة عن الدعوة قبل القتال قال.

فكتب الى انما كان ذلك فى أول الإسلام قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بنى المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ قال يحيى احسبه قال جويرية او قال البيته ابنه الحارث.

الشرح قال النووى فى هذا الحديث جواز الاغارة على الكفار الذين بلغتهم الدعوة بغير انذار بالاغارة وفى هذه المسألة ثلاث مذاهب حكاها المازرى القاضى احدهما يجب الانذار مطلقا قال مالك وغيره وهذا ضعيف والثانى لا يجب مطلقا وهذا اضعف منه أو باطل، والثالث يجب ان لم تبلغهم الدعوه ولا يجب ان بلغتهم لكن يستحب، وهذا هو الصحيح وبه قال نافع مولى ابن عمر والحسن البصرى والثورى والليث والشافعى وأبو ثور وابن المنذر والجمهور.. وقال ابن المنذر وهو قول أكثر أهل العلم انتهى (مسلم شرح النووى) .

جواز تبيت الكفارة ورميهم وان أدى إلى قتل ذراريهم الاغارة ليلا عن ابن عباس عن الصعب بن جثمامه قال قلت يا رسول الله أنا نصيب فى البيان من ذرارى المشركين (ذريتهم) قال هم منهم (رواه مسلم) الشرح سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حكم صبيان المشركين الذين يبيقون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل فقال هم من آبائهم أى لا بأس لأن أحكام آبائهم جارية عليهم فى الميراث وفى النكاح وفى العصاص والديات وغير ذلك والمراد اذا لم يتعدوا من غير ضرورة.

انتهى) مسلم شرح النووى باب الجهاد) الكف عن قصد النساء والرهبان والشيخ بالقتل عن ابن عمر قال وجدت امرأة مقتولة فى بعض مغازى النبى صلى الله عليه وسلم فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان والشيوخ (رواه الجماعة إلا النسائى) .

ويروى أحمد وأبو داود أنه فى احدى الغزوات مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على مقتولة مما أصابت المقدمة فوقفوا ينظرون اليها يعنى وهم يتعجون من خلقها حتى لحقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كانت هذه لتقاتل.

فقال لأحدهم الحق خالدا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفا (أى أجيرا) .. وحديث ابن عباس السابق فى جواز قتل الذرارى لا يتناقض مع هذا الحديث حيث أن لكل منهما حالة تختلف عن الأخرى.

الاستعانة بمشرك عن عائشة رضى الله عنها قالت خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان بجرة الوبرة أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة فرح أصحاب رسول الله صلى الله عليهه وسلم حين رأوه فلما أدركه قال الرسول صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله قال لا فقال ارجع فلن تستعين بمشرك قال ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة أدركنا الرجل فقال له كما قال أول مرة فقال هل النبى صلى الله عليه وسلم كما قال أول مرة فقال ارجع فلن تستعين بمشرك قالت ثم رجع فأدركنا بالبيداء فقال له كما قال أول مرة تؤمن بالله ورسوله قال نعم.

فقال له صلى الله عليه وسلم فانطلق (رواه مسلم) يقول النووى قد جاء حديث آخر ان النبى صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل اسلامه فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الول على اطلاقه وقال الشافعى وآخرون ان الكافر حسن الرأى فى المسلمين ودعت الحاجة الى الاستعانة به استعين والا فيكره.

وحمل الحديثين هذين الحالتين، واذا حضر الكافر بالاذن رضخ له ولا يسهم له وهذا هم مذهب مالك والشافعى وأبو حنيفة والجمهور وقال الزهرى والأوزعى يسهم له والله أعلم انتهى (مسلم بشرح النووى) باب الجهاد.

ويقول مالك فى الاستعانة بالمشركين والكفرة إلا أن يكونوا خداما للمسلمين فيجوز وقال أبو حنيفة يستعان بهم ويعاونون على الاطلاق متى كان الإسلام هو الغالب الجارى عليهم فان حكم الشرك هو الغالب كره.

وقال الشافعى يجوز وذلك بشرطين أحدهما أن يكون بالمسلمين قلة ويكون المشركون كثرة.

والثانى أن يعلم من المشركين حسن رأى فى الإسلام وميل اليه ومتى استعان بهم رضخ لهم ولم يسهم (أى أعطاهم مكافأة ولم يشركهم فى سهام المسلمين من الغنيمة) .

جواز قطع اشجار الكفار وتحريقها روى الامام مسلم عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بنى النضير وقطع وهى البويرة زاد قتيبة وابن رفح فى حديثهما فأنزل الله عز وجل ما قطعتم من لينة أو تركتموها قامئة على أصولها فباذن الله وليخرى الفاسقين (مسلم شرح النووى الجزء ١٢) .

قال النووى فى شرح الحديث فى هذا الحديث جواز قطع شجر الكفار واحراقه (مسلم شرح النووى باب الجهاد) .

من خشى الأسر فله أن يستأسر وله ان يقاتل حتى يقتل عن أبى هيرية (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غزة رهطا عينا.

وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصارى، فانطلقوا حتى اذا كانوا بالهدأة وهو بين عسفان ومكة ذكروا لبنى لحيان فنقروا لهم قريبا من مائتى رجل كلهم رام، فاقتصوا أثرهم فلما رآهم عاصم وأصحابه لجئوا إلى فدفد وأحاط بهم القوم، فقالوا لهم انزلوا وأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق اليوم فى ذمة كافر، اللهم خبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل فقلتوا عاصما فى سبعة، فنزل اليهم ثلاثة وهطر بالعيهد والميثاق منهم حبيب الأنصارى، وابن دئنة ورجل آخر، فلما استمكنوا منهم اطلقوا أوتار فسيسهم فأوثقوهم فقال الرجل الثالث هذا أول القدر والله لا أصحبكم ان لى فى هؤلاء لأسوة يريد القتلى، فجروه وعالجوه على ان يصحبهم فأبى، فقتلوه وانطلقوا.

بخبيب وابن دئنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر، وذكر قصة قتل خبيب، إلى أن قال استجاب الله لعاصم بن ثابت يوم أصيب.

فأخبر والنبى صلى الله عليه وسلم أصحابه خبرهم وما أصيبوا) مختصر لأحمد والبخارى وأبو داود.

وتنظيم الجيش المسلم عن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستحب للرجل أن يقاتل تحت راية قومه رواه أحمد.

وعن البراء بن عازب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انكم ستلقون العدو غدا وان شعاركم حم لا ينصرون رواه أحمد.

وعن الحسن عن قيس بن عباد قال كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال رواه أبو داود.

الأوقات التى يستحب الخروج فيها للغزو عن كعب بن مالك (أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج فى يوم الخميس فى غزوة تابوك وكان يحب أن يخرج يوم الخميس) متفق عليه.

وعن النعمان بن مقرن (أن النبى صلى الله عليه وسلم كان اذا لم يقاتل فى أول النهار أخر التقال حتى تزول الشمس وتهب الرياح ونزل النصر) رواه أحمد وأبو داود وصححه البخارى.

وقال انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلوات.

استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو وادعية القتال من أدعيته صلى الله عليه وسلم فى القتال اللهم منزل الكتاب ومجرى السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم (صحيح مسلم) .

أمر هام يجب التنبيه عليه الاخلاص فى الجهاد فى سبيل الله والاخلاص هو تجريد قصد التقرب الى الله عز وجل من جميع الشوائب وقيل هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.

وفى باب تلبس ابليس على الغزاة يذكر الامام ابن الجوزى قد لبس ابليس على خلق كثير خلجوا إلى الجهاد ونيتهم المباهاة والرياء ليقال فلان غاز وربما كان المقصود ان يقال شجاع أو كان طلب الغنيمة وانما الأعمال بالنيات.

عن أبى موسى قال جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فأى ذلك فى سبيل الله فقال صلى الله عليه وسلم من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا فهو فى سبيل اللهه.

أخرجاه وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال اياكم ان تقولوا مات فلان شهيدا أو قتل شهيدا فان الرجل ليقاتل ليغنم ويقاتل ليذكر ويقاتل ليرى مكانه.

ويالاسناد عن أبى هريرة رضى الله عنه قال أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما علمت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال كذبت ولكنك قاتلت حتى يقال هو جرىء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه وألقى فى النار.

ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتى به فعرفه نعمه فعرفها.

فقال ما عملت فيها فقال تعمت فيك العلم وعلمته وقرأت القرآن فقال كذبت ولكنك تعملت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارىء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار.

ورجل وسع الله عليه فأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال ما علمت فيها فقال ما تركت من سبيل انك جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار (تفرد باخراجه مسلم) .

وباسناد مرفوع عن أبى حاتم الرازى قال سمعت عبده بن سلميان يقول كنا فى سرية مع عبد الله بن المبارك فى بلاد الروم فصادفنا العدو فلما التقى الصفان خرجد رجل من العدو فدعا الى البراز فخرج اليه رجل فطارده ساعة فطعنه فقتله ثم آخر فقتله ثم دعا إلى البراز فخرج اليه رجل فطارده ساعة فطعنه الرجل فقتله فازدحم الناس عليه فكنت فيمن ازدحم عليه فاذا هو ملثلم بكمه فأخذت بطرف كمه فمددته فاذا هو عبد الله بن المبارك فقال وأنت يا أبا عمر ومن يمتنع علينا قلت فا، روا حرمكم الله الى هذا السيد المخلص.

كيف خاف على اخلاصه برؤية الناس له ومدحهم اياه فستر نفسه.

وكان ابراهيم بن آدم يقاتل فاذا اغتنموا لم يأخذ شيئا من الغنيمة ليوفر له الأجر وقد ليس ابليس على المجاهد اذا غنم.

فربما أخذ من الغنيمة ما ليس له فاما أن يكون قليل العلم فيرى أن أموال الكفار مباحة لمن أخذها ولا يدرى أن الغلول من الغنائم معصية.

وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر ففتح الله علينا.

فلم نغنم ذهبا ولا ورقا غنمنا المتاع والطعام والثياب.

ثم انطلقنا إلى الوادى ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له فلما نزلنا قام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رحاله فرمى بسهم فكان فيه حتفه.

فلما قلنا له هنيئا له الشهادة يا رسول الله فقال كلا والذى نفس محمد بيده ان الشملة تلتهب عليه نارا أخذها من الغنائم يوم خيبر لم تصبها المقاسم قال ففزغ الناس فجاء رجل بشراك أو شراكين فقال أصبته يوم خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم شراك من نار أو شراكان من نار.

وقد يكون الغازى عالما بالتحريم إلا أنه يرى الشىء فلا يصبر عنه وربما ظن أن جهاده يدفع عنه ما فعل.

وها هنا يتبين أثر الايمان والعلم.

روينا باسناد عن هبيره بن الأشف عن أبى عبيدة العنبرى قال لما هبط المسلمون المداين وجمعوا الأقباض الذين معه.

ما رأينا مثل هذا قط.

أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه ما رأينا مثل هذا قط ما يعذله ما عندنا ولا ما يقاربه فقال له هل أخذت منه شيئا فقال أما والله لولا ما اتيتكم به.

فعرفوا أن للرجل شأنا فقالوا من أنت فقال والله لا أخبركم لتحمدونى ولا أغريكم لتقرظونى ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه فأتبعوه رجلا حتى انتهى إلى اصحابه فسأل عنه فاذا هو عامر بن عبد قيس.

هناك من يتم اسبعادهم عن الطريق فانتهوا ان للشدائد أهلا وذروا ما ترين الأهواء لهو بطلب منهم الانتهاء عن الغى ويدعوهم إلى الافصاح عما ستروه من دافع حب الراحة وتجنب المشقة وهو نفسه الدافع الذى حكاه القرآن عن الخلفين فى سورة التوبة اذ يقول الله تعالى {فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله وقالوا لا تنفروا فى الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} وان هؤلاء لهم نموذج فى ضعف الهمة واطراوة الارادة وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب وينفرون من الجهد ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز وهم يتساقطون اعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات ولكن هذه الصفوف تظل فى طريقها المملوء بالعقبات والأشواك لأنها تدرك بفطرتها ان كفاح العقابات والأشواك بفطرة فى الانسان وانه ألذ وأجمل من القعود والتخلف والراحة البليدة التى بالرجال، فى ظلال القرآن ١٠/٢٦ هؤلاء الذين آثروا الراحة على الجهد فى ساعة العسرة وتخلفوا عن الركب فى أول مرة هؤلاء لا يصلحون للكفاح ولا يرجون للجهاد ويجوز أن يؤخذوا بالتقاضى ولا أن يتاح لهم شرف الجهاد الذين تخلفوا عنه وهم راضين، فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معى أبدا ولن تقاتلوا معى عدوا انكم رضيتهم بالعقود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين (ان الدعوات فى حاجة الى طبائع صلبة مستقيمة ثابتة مصحة تصمد فى الكفاح الطويل الشاق والصف الذى يتخلله الضعاف والسترخون لا يصمد لأنهم يخذلونهم فى ساعة الشدة فيشيعون فيه الخذلان والضعف والاضطراب فالذين يضعفون ويتخلفون يجب نبذهم بعديا عن الصف وقاية لهم من التخلخل والهزيمة والتسامح مع هؤلاء حناية على الصف كله.

فتاوى الفقهاء فى تنفية الصف كان للسلف أقوال كثيرة فى ذلك.

فمثال كلام السلف الأول من ذلك استعراض الامام الشافعى فى كتاب الأم لحوادث المنافقين المتتالية عن المشاركة فى الغزوات النبوية الكرمية وتنبيه الى من يشتهد فى أجيال المسلمين بعد ذلك يمثل ما وصف به أولئك المنافقون فانه يقاس عليهم ويعاقب بمثل ما عوقبوا به.

يقول الشافعى (غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزا معه من يعرف نفاقه فانخزل يوم أحد عنه يلثمائة ثم شهدوا معه يوم الخندق فتكلموا بما حكى الله عز وجل من قولهم ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ثم غزا النبى صلى الله عليه وسلم بنى المصطلق فشهد معه عدد فتكلموا بما حكى الله من قولهم ونفاقهم ثم غزا غزوة تبوك قوم منهم نفروا ليلة العقبة ليقتلوه فوقاه الله شرهم وتخلف آخرون منهم فيمن بحضرته ثم انزل الله بغزوة تبوك من أخبارهم فقال ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

قال الشافعى فأظهر الله لرسوله أسرارهم وخبر السماعين لهم وايتائهم أن يفتنوا من معه بالكذب والارجاف والتخذيل لهم فأخبره أنه كره انبعاثهم فثبطهم اذا كانوا على هذه النية وكان فيهم ما دل على أن الله أمر أن يمنع من عرف بما عرفوا به من أن يغزوا من المسلمين لأنه ضرر عليهم.

يقول الشافعى أفمن شهر بمثل ما وصفص الله المنافقين لم يحل للامام أن يدعه يغزو معه لطلبه فتنة وتخذيله اياهم وأن فيهم من يستمع له بالغفلة والقرابة والصداقة وأن هذا قد يكون ضررا عليهم من كثير من عددهم الامام الشافعى ٤/٨٩.

وأستمر الفقه على هذا حتى استلم رايته بن قدامة المقدسى فقال (ولا يصطحب الأمير معه مخزلا وهو الذى يثبط الناس عن غزو ويزهدهم فى الخروج اليه والقتال والشمقة مثل أن يقول الحر أو البرد الشديد والمشقة شديدة ولا تؤمن هزيمة هذا الجيش وأشباه هذا ولا مرجفا وهو الذى يقول قد هلكت سرية المسلمين ومالهم من مدة ولا طاقة لهم بالكفار والكفار لهم قوة ومدد وصبر ولا يثبت لهم أحد ونحو هذا ولا من يعين على المسلمين بالتجسس للكفار واطلاعهم على عورات المسلمين ومكاتبتهم بأخبارهم ودلالتهم على عوارتهم أو ايواء جواسيسهم، ولا من يوقع العداوة بين المسلمين ويسعى بالفساد لقوله تعالى {ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين.

لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} ولأن هؤلاء مضرة على المسلمين فيلزمه منعهم المغنى لابن قدامة ٨/٣٥١.

غرور الفقيه يمنع تأميره اننا نجد فى فقه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ما يسوغ ابعاد الصادق صاحب الخير عن المسئولية اذا كان فيه نوع من حب الظهور والخيلاء سدا للذريعة وصيانة له من احتمالات الافتتان والجناية على نفسه وعلى الدعوة.

فقد روى أن الراشد الخامس لما ولى الخلافة أرسل إلى أبى عبيد المزجى وكان فقيها ثقة فى الحديث من شيوخ الأوزاعى ومالك وممن يستعين به الخليفة سليمان بن عبد الملك فقال عمر هذا الطريق الى فلسطين وأنت من أهلها فألحق بها فقيل له يا أمير المؤمنين لو رأيت أبا عبيد وتشيره للخير فقال ذاك أحق إلا فتنة كان أبهة للعامة، تهذيب التهذيب ١٢/١٥٨.

ولقادة جماعات المسلمين هذا اليوم أن يقولوا لكل داعية يتطلع للمسعة والجاه والمكانة الاجتماعية المرموقة مثل الذى قاله عمر لأبى عبيد.

ويفهموه أنه قد أخطأت بداية الطريق إلى مرادك فمررت بديار دعوة التواضع والبذر والالتزام الخططى هذه الطريق إلى ديار أشكالك فالحق بهم.

فالحق بهم.. بسم الله الرحمن الرحيم تقديم للمرحلة الرابعة من الفتاوى اسلامية فى أحكام الوقف بقلم صاحب الفضيلة الامام الأكبر الشيخ جاد الحق على جاد الحق شيخ الأزهر أحمدك اللهم عرفانا بفضلك، وشكرا لواسع كرمك، وأسألك قريب هدايتك، واستتمام نعمتك، بنصرة شريعتك واستسلام لعزتك، والاستعانة بقدرتك والتوكل عليك، بيدك ناصيتى وناصية كل شىء، واصلى وأسلم على سيدنا محمد الذى كانت بعثته رحمه للعالمين، جاء بالكتاب المبين، وبالسنة المطهرة، والشريعة السمحة المحكمة، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى من اتبعهم، وعلى من نقلوا الينا علومهم وفقههم الذى استنار به المسلمون من بعدهم، فكان منهم الأئمة الهداة، الذين وقفوا انفسهم على استظهار أحكام الله من قرآنه وسنة رسوله، فاختصروا وأوضحوا، وأصلوا وفرعوا ن وحبسوا أنفسهم لجلاء الأحكام للناس فى كل فروع الحياة فأبانوا أن شرع الله جاء شاملا للدين والدنيا فما ترك شيئا إلا والله فيه بيان فى القرآن أو سنة رسول الله.

ولقد تصدى أولئك الأعلام من فقهاء الصحابة ومن بعدهم ممن حملوا عنهم هذا الدين، تصدى كل هؤلاء لافتاء الناس وأعلامهم بهذا الشرع القيم.

واذا كان الإسلام دين الله الخاتم إلى بنى الانسان فقد جاء شاملا بقواعده واصوله وتفصيلاته، وافيا موفيا بحاجة البشرة فى نظم حياتهم وتعاملهم.

وكان من العقود التى تعامل بها أهل الإسلام نظام الوقف، واختلف فى شأنه فقهاؤهم اختلافا بينا واتسع مداه فيما عدا وقف المسجد الذى اتفقوا على أنه صحيح نافذ لازم متى توافرت شروطه، وأن اختلفوا فى بعض هذه الشروط.

وكان هذا الاختلاف من الفقهاء فى شأن الوقف على غير المسجد لأن الفقه الإسلامى كان قد نضج وأكتمل، وأرسيت قواعده وأصوله، قبل انتشار نظام الأوقاف وذيوع مشكلاته فى العالم الإسلامى.

ولقد تصدى الفقهاء للافتاء فى مشاكله، باعتبار أن أحكام الوقف كلها اجتهادية كما أن هذه الأحكام تتغير بتغير العرف والزمان، ومن ثم كانت الفتوى والقضاء بما هو أنفع للوقف ومستحقيه إلى غير هذا من القواعد التى اصلها الفقهاء فتكونت مجموعة فقهية للوقف تتسم بالمرونة والصلاحية مسايرة للازمان والاحوال، ومجاراة للنافع والاصلح.

ولقد ظل الافتاء فى الوقف والقضاء فى منازعاته زمنا مديدا غير محصور فى مذهب امام معين، سواء فى عصور القضاة والفتيين المجتهدين، أو فى أزمان من جاءوا بعدهم من المقلدين المتبعين، حتى كان حكم محمد على باشا لمصر فاوجب أن تكون الفتوى والقضاء فى هذهذ البلاد طبقا لمذهب الامام أبى حنيفة فى كل الأمور التى تعرض للفتيا أو على القضاء.

وكان مما يعرض على المفتين فى مصر فى الحقبة التى توالى نشرها تحت عنوان (الفتاوى الإسلامية عن دار الافتاء المصرية) موضوعات تتعلق بالاوقاف، تصدى المفتون لها فجعلوا غامضها، وخرجوا أحكامها وردوها إلى أصولها فى الفقه الحنفى فى الفترة التى أنفرد فيها بالاعمال، ثم باعمال القوانين المتعاقبة مع أحكام هذا الفقه فيما جد من واقعات بعد العمل بتلك القوانين.

ولقد قامت صيحات فى أزمان متتالية ضد نظام الاوقاف، غذاها جمود بعض الحكام القضائية، وقعودها دون حل لبعض المشاكل التى تكاثرت وتراكمت فى شأن نظارة الاوقاف، وبعض الشروط التى كان يضعها بعض الواقفين، وفى شأن التصرف فى الاعيان التى تخربت وانعدم ريعها أو قل، وكان ذلك وقوفا عند لفظ قيل (شرط الواقف كنص الشارع) ثم كان الاصلاح التشريعى فى مصر الذى كان من بين ثماره القانون رقم ٤٨ لسنة ١٩٤٦ باحكام الوقف.

ولم يكن هذا القانون شاملا لأحكام الوقف جميعها، بل اقتصر على اختيار الأحكام التى رؤى ان فى تطبيقها علاجا لمواضع الشكوى التى تكاثرت على مدى حقة من الزمان.

وبصدور هذا القانون والعمل به بدأت فترة حديدة فى التطبيق القضائى فى منازعات الوقف، فقد كانت قبله وحتى تاريخ العمل به محكومة بأرجح الأقوال فى فقه مذهب الامام أبى حنيفة فقط، ومنذ العمل بهذا القانون أصحبت المنازعات فى المسائل المتعلقة بالوقف خاضعة لنوعين من الأحكام أحدهما أحكام هذا القانون، والآخر أرجح الأقوال فى فقه مذهب أبى حنيفة فيما لم ينص عليه فى هذا القانون (٤٨ لسنة ١٩٤٦) على ما هو مفصل فى أحكامه الختامية.

وسنرى فى فقه فتاوى الوقف التى تبدأ بهذه المقدمة اجتهادات فقهية قيمة سواء فى فترة التطبيق الخالص لفقه الإمام أبى حنيفة أو فى الفترة التى بدأت العمل بالقانون المرقوم بالاضافة إلى الفقه الحنفى فيما لم يرد فيه نص فى القانون.

وسرنى أيضا من سير الفتاوى بعد ما تعاقب من قوانين بدأت بالقانون رقم ١٨٠ لسنة ١٩٥٢ م بالغاء الوقف على غير الخيرات أن هذه المرحلة التى أعقبت هذا القانون وتوابعه أدت إلى انهاء وجه من أوجه التعاون على البر، والتحصين للثروات العقارية، وما اعتور سبل البر من فتور ضنا بالأموال عن التبديد والضياع، فقد انكمشت هذه السبل أو توقفت، فلم نعد نسمع أن أحدا قد أوقف وقوفا على المساجد أو المستشفيات، أو الملاجىء، أو المدارس أو تحفيظ القرآن كما كان متداولا فى أغراض الواقفين فى الأزمان الخالية، بل لقد تبددت وقوف كثيرة وكبيرة كانت مدادا وسندا للدعوة الإسلامية، وفيها ومنها كان العون لطلاب العلم وللعلماء فى الأزهر ومعاهده.

وغير هذا من جهات البر والعلم. نعم ستقص علينا هذه الفتاوى انباء هذا المجتمع واتجاهاته الاجتماعية والاقتصادية فى فترة قاربت المائة من السنين، وتعرض علينا فقه المفتين فيما عرض عليهم من مشكلات اجتهدوا لاسباغ الحكم الشرعى عليها، والعلم يحيا بنشره ودرسه وقد قيل قديما حياة العلم مذاكرته.

اللهم أنا نسألك علما نافعا ينفعنا فى ديننا ودنيانا.

اللهم افتح لنا أبواب فضلك ورحمتك، واجز اللهم كل من شاركوا فى هذا العمل من عطائك الذى لا ينفد، فانا قصدنا العمل خالصا لوجهك وتوطيدا لأحكام شريعتك.

ونحمد الله أولا وآخرا ونصلى ونسلم على رسول الله، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

شيخ الأزهر القاهرة ٢٠ من شوال سنة ١٤٠٣ هجرية ٣٠ من يوليو سنة ١٩٨٣ م جاد الحق على جاد الحق.

ے

<<  <  ج: ص:  >  >>