للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الكلام فى المسجد]

المفتي

عطية صقر.

مايو ١٩٩٧

المبادئ

القرآن والسنة

السؤال

هل صحيح أن الكلام فى المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب؟

الجواب

جاء فى كتاب " غذاء الألباب " للسفارينى قوله: وأما ما اشتهر على الألسنة من قولهم إن النبى صلى الله عليه وسلم قال " الحديث فى المسجد- وبعضهم يزيد المباح - يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " فهو كذب لا أصل له، قال فى المختصر: لم يوجد، وذكره القاضى فى موضوعاته، كما ذكر العراقى على الإِحياء: أنه لا أصل له.

لكن روى ابن حبان فى صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " سيكون فى آخر الزمان قوم يكون حديثهم فى مساجدهم، ليس لله فيهم حاجة " وظاهر الحديث أن الكلام فى المسجد أيا كان نوعه ممنوع، لكن المحققين من العلماء قالوا:

إنه يجوز فى الأمور المهمة فى الدين والدنيا من كل ما لا حرمة فيه ولا باطل.

وقد رأى الإِمام النووى جواز الحديث العادى وإن صحبه ضحك خفيف، لما رواه مسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الذى صلى فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وقال: كانوا يتحدثون فيأخذون فى أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم. وفى رواية لأحمد عن جابر: شهدت النبى صلى الله عليه وسلم أكثر من مائة مرة فى المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية، فربما يبتسم معهم. وهو حديث صحيح " نيل الأوطار للشوكانى ج ٢ ص ١٦٦ ". فالحديث الممنوع هو الباطل أو الذى يشوش على المصلين أو الذى يذهب بكرامة المسجد إذا تناوله جماعة فى شكل حلقات كما نص عليه. وقد أذن النبى صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت أن يقول الشعر فى المسجد ليرد على الكافرين ما يفترونه من كذب على اللَّه ورسوله كما ثبت فى الصحيحين.

وعليه فالكلام المباح غير محرم فى المساجد، وإن كنا ننصح بأن يكون فى أضيق الحدود وليكن شغل الجالسين فيها ذكر اللَّه والعبادة، فذلك هو ما بنيت له المساجد.

هذا، وقد جاء النهى عن رفع الأصوات فى المساجد بغير ذكر اللَّه والعبادة، مثل نشدان الضالة والبيع والشراء، وجاء فى " مشارق الأنوار" للعدوى حديث نقله عن المعارف لللشعرانى رواه الترمذى عن على مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم " إذا فعلت أمتى خمسة عشر حل بها البلاء " ومنها ارتفاع الأصوات فى المساجد.

وذكر الكتاب بقية العلامات الصغرى للقيامة وقال عن رفع الأصوات فى المساجد:

إنه من علامات الساعة حتى لو كان بالعلم، لقول الإمام مالك: ما للعلم ورفع الصوت؟ والمراد ما يكون فيه تشويش على المتعبدين، أو كان للرياء والفخر.

وجاء فى كتاب الفقه على المذاهب الأربعة " ص ٢٠٤، ٢٠٥ ":

أن الحنفية قالوا: يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن ترتب عليه تشويش على المصلين أو إيقاظ للنائمين، وإلا فلا يكره، بل قد يكون أفضل إذا ترتب عليه إيقاظ قلب الذاكر وطرد النوم عنه وتنشيط للطاعة. أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل فإنه يكره تحريما، وإن كان بما يحل فإن ترتب عليه تهويش على المصلى أو نحو ذلك كره، وإلا فلا كراهة ومحل عدم الكراهة إذا دخل المسجد للعبادة، أما إذا دخله لخصوص الحديث فيه فإنه يكره مطلقا، والشافعية قالوا:

يكره رفع الصوت بالذكر فى المسجد إن هوش على مصل أو مدرس أو قارئ أو مطالع أو نائم لا يسن إيقاظه، وإلا فلا كراهة أما رفع الصوت بالكلام فإن كان بما لا يحل كمطالعة الأحاديث الموضوعة ونحوها فإنه يحرم مطلقا، وإن كان بما يحل لم يكره إلا إذا ترتب عليه تهويش ونحوه.

والمالكية قالوا: يكره رفع الصوت فى المسجد ولو بالذكر والعلم، واستثنوا من ذلك أموراً أربعة، الأول ما إذا احتاج المدرس إليه لإسماع المتعلمين فلا يكره، الثانى ما إذا أدى الرفع إلى التهويش على مصل فيحرم، الثالث رفع الصوت بالتلبية فى مسجد مكة أو منى فلا يكره، الرابع رفع صوت المرابط بالتكبير ونحوه فلا يكره.

والحنابلة قالوا: رفع الصوت بالذكر فى المسجد مباح إلا إذا ترتب عليه تشويش على المصلين، وإلا كره، أما رفع الصوت فى المسجد بغير الذكر فإن كان بما يباح فلا كراهة إلا إذا ترتب عليه تهويش فيكره، وإن كان بما لا يباح فهو مكروه، مطلقا. انتهى

<<  <  ج: ص:  >  >>