للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الرأى العام والشورى]

المفتي

عطية صقر.

مايو ١٩٩٧

المبادئ

القرآن والسنة

السؤال

ما هى أهم العوامل التى تؤثر على الرأى العام؟

الجواب

الرأى العام له مؤثرات كثيرة، قد يكون الرأى العام نابعا من قوم لهم سلطان اقتصادى أو سلطان سياسى أو سلطان عنصرى يحاولون فرض رأيهم على كثيرين من الناس. وبالدعايات يقال إن الرأى العام فى هذه الدولة أو فى هذه المنطقة هو كذا.

الرأى العام أشبه ما يكون فى الفقه الإسلامى بالإجماع، والإجماع تكلم فيه الأصوليون كثيرا وقالوا: إن الإجماع بمعناه الحقيقى الأصيل لا يمكن أن يتحقق أبدا لأن المفروض فى الإجماع أن يؤخذ رأى كل فرد من المسلمين أو على الأقل كل فرد عنده صلاحية إبداء الرأى، ولم يحصل هذا أبدا فى المناطق الإسلامية ولذلك لم يعتبره كثير من الفقهاء ولا من الأصوليين. الرأى العام إذا قلنا إنه موجود مثلا فى الحضارة الإغريقية فمن الذى له رأى عام هناك؟ قرأت فى فلسفتهم وفى نظمهم أنهم يقولون: إن الإنسان الجدير بالحياة هو الإغريقى فقط وما عدا الإغريقى فهو من البربر-بل إن فلاسفة الثورة الفرنسية وما قبل الثورة الفرنسية، أثر عن بعضهم أنه قال: يستحيل مطلقا أن يجعل الله الروح الطاهرة الشريفة فى جسم إنسان أسود من رأسه إلى قدمه - هل الرأى العام الذى يؤخذ فى مثل هذه الأوساط له اعتباره؟ لا- الرأى العام لا يكون صحيحا ولا مطمأَنا إليه إلا إذا كان الشعب نفسه على تربية معينة تؤهله لأن يقول هذا الرأى العام - الرأى العام فى الإسلام لا بد أن يصدر عن مسلمين عندهم أصالة إسلامية فى الفكر والأمانة، ودون ذلك لا يعتبر رأيا عاما.

ما هى مواصفات الشخص المستشار؟ والشخص الذى نأخذ منه المشورة أو يعتبر رأيه؟ كل الصفات التى تقال فى الناخب والمنتخب فى المشير وفى من طلب المشورة كل ذلك مفصل فى كتاب اسمه الأحكام السلطانية للماوردى - ما ترك شاردة ولا واردة من أصول الحكم إلا تحدث عنها واستمد أدلتها من القرآن والسنة وعمل الصحابة وعمل السلف -وتحدث عمن يرشحون أنفسهم للخلافة وعمن يرشحهم وعن الذين يختارون هذا -وقالوا فى ضمن ما قالوا: هناك صفتان أساسيتان فى الذى يُنتخب والذى ينتخب هما العدالة والعلم أو العقل بمعنى أن يكون عند الذى يعطى المشورة ويعطى الرأى له علم وخبرة وفى الوقت نفسه عنده أمانة هذان الأساسان مأخوذان من قوله تعالى فى قول يوسف عن نفسه عندما طلب أن يجعل نفسه على خزائن الأرض لعزيز مصر {اجعلنى على خزائن الأرض إنى حفيظ عليم} يوسف: ٥٥، والحفظ معناه الأمانة والعلم معناه الخبرة، فلا ينبغى أبدا أن نأخذ مشورة من إنسان جاهل، هذا شيء لا يصدقه أى إنسان. إذا أردت فى خصوصيات نفسك أن تستشير أى إنسان فى مسألة رياضية أو مسألة هندسية أو مسألة دينية تطلبها من صاحب الاختصاص: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} النحل: ٤٣، ومبدأ العلم بالذات ذكرنى بمجلس استشارى لسيدنا عمر. كان يجعل مجلسا استشاريا من كبار المهاجرين وكان يقحم معهم عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، هذا الحديث ثابت فى البخارى عندما كان كبار مشايخ المهاجرين وهم الصفوة الممتازة فى مجلس عمر رئيس الدولة ومعهم عبد الله بن عباس صاحب السن الصغيرة الفتى الشاب من الذى أجلسه هذا المجلس!؟! كانوا ينظرون إليه نظرة فهمها سيدنا عمر فأراد سيدنا عمر أن يبين لهم أنه اختاره لصفة فيه ربما تكون مفقودة فى الكثير منهم وليست العبرة بصغر السن ولا فى السبق بالإسلام وإنما العبرة فى هذا المجلس بالعلم والخبرة، طرح هذا السؤال ماذا تقولون فى قول الله تعالى: {إذا جاء نصر الله والفتح.

ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجا} النصر: ١، ٢، فكلهم هز رأسه وقال: هذه واضحة-الله يقول إذا جاءك يا محمد نصر الله، وفتح عليك فسبح بحمد ربك أى أكثر من التسبيح واستغفره لأن الله تواب، تفسير سطحى يعرفه كل إنسان، فنظر إلى عبد الله بن عباس وقال له: ما تقول فيها، قال أقول فى هذه السورة: إنها نعى رسول الله كأن الله قال: انتهت مهمتك وستموت وتلحق بى لأن النصر جاء وفتحت عليك مكة. انتهت مهمتك أو كادت فاستعد للقائى بشكر الله على النعمة وبالاستغفار من ذنب إن كان هناك ذنب إن الله كان توابا.

فلما قال هذا شهدوا لحكمة سيدنا عمر فى اختيار هذا المستشار لعقله ولعلمه، وكم فى المسلمين من لهم هذه الصفة.

وأما فى حديث مصابيح السنة للبغوى فى إيثار النبى عليه الصلاة والسلام -الاستشارة- بالرجلين العظيمين وهما سيدنا أبو بكر، وسيدنا عمر وقال: لو اتفقتما على أمر لم أخالفكما، ثم قال: لو أننى آمر أحدا بدون مشورتكما لأمَّرت ابن أم عبد -أى عبد الله بن مسعود- فالرسول عليه الصلاة والسلام طلب الرأى ممن عندهم خبرة ودراية وفى الوقت نفسه ممن عندهم ذمة وأمانة - هذان الأصلان يجب أن يوضعا فى رأس القائمة فى مواصفات كل من يقدم نفسه ليكون عضوا أو نائبا وفى كل من يدلى بصوته، إذا تحقق هذان الأصلان كانت المشورة فى موقعها

<<  <  ج: ص:  >  >>