للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[موقف الإسلام من المخالف فى الرأى]

المفتي

عطية صقر.

مايو ١٩٩٧

المبادئ

القرآن والسنة

السؤال

هل يجوز قتل الإنسان الذى يخالف رأى الدين؟

الجواب

كلمة الرأى كلمة عامة تشمل رأى من ليس مسلما، ورأى المسلم، ورأى المسلم قد يكون عقيدة وقد يكون حكما فى فروع الشريعة.

(أ) فرأى غير المسلم أقصاه الكفر بالإسلام، والكفر لا يبيح قتل الكافر ابتداء. وإنما يبيح رد العدوان الصادر منه، قال تعالى {فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم} التوبة: ١٧ وقال {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدِّين ولم يخرجوكم من دياركم أن تَبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} الممتحنة: ٨، فإن نكثوا العهد وظهرت بوادر العدوان أو بدءوه بالفعل، أو اعترضوا طريق الدعوة أباح الإسلام قتالهم، قال تعالى: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} التوبة: ١٢، وقال تعالى {وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} البقرة: ١٩٠ إلى غير ذلك من النصوص.

(ب) والمسلم المخالف فى-رأى عَقَدِى، أو فى عقيدة من العقائد الدينية، إما أن ينكر أمرا مجمعا عليه، أو لا، فإن أنكر أمرا مجمعا عليه كوحدانية الله ووجوب الصلاة وحرمة القتل كان مرتدا، وحكمه الاستتابة مدة اختلف العلماء فى تحديدها، فإن أصَّر على ردته قتل لقول النبى صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه " رواه البخارى.

وقد تقدم أن الذى ينفذ الحدود هو الحاكم أو من يأذن له، ولو نفذه أحد غيره أثم، وله عقوبة عند الله، ويجوز لولى الأمر أن يعزِّره على ذلك، والتعزير قد يكون بالقتل كما يراه الإمام أبو حنيفة.

وإذا لم ينكر أمرا مجمعا عليه فالواجب هو محاورته لبيان الحق، قياما بواجب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يجوز التعدى عليه أو قتاله إذا لم يرجع عن رأيه ما دام مسالما لم يبدأ بعدوان، لأنه ما زال مسلما ولا يخرج بخلافه عن دائرة الإيمان كالمعتزلة والخوارج، والحديث يقول " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " رواه مسلم.

فإن بدأ بعدوان وجب رده ففى الحديث الشريف " من قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عِرضه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد" رواه أبو داود وللترمذى وقال: حديث حسن صحيح. فإن كان المخالفون جماعة وخرجوا على الحاكم فهم بغاة، وللحاكم أن يقاتلهم بعد التفاوض معهم، وذلك جمعا للكلمة وتوحيدا للصف، قال تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله} الحجرات: ٩.

(ج) وإذا كان الخلاف فى رأى فقهى من الأحكام الفرعية فلا يجوز التعدى بأى نوع من الاعتداء على المخالف، فضلا عن قتاله، فالإسلام عصم الدماء إلا بحقها، والحديث يقول " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثَّيِّبُ الزانى، والقاتل، والتارك لدينه المفارق للجماعة" رواه مسلم.

كما أجاز محاربة المسلم حتى لو لم يخالف فى عقيدة أو رأى فقهى إذا كان مفسدا قال تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يُقتَّلوا أو يُصلَّبوا أو تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خِلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم} المائدة: ٣٣.

والخلاصة أن الدماء فى الأصل مصونة، لا يجوز إهدارها إلا لمبررات قوية، وهى محددة بيَّنها الكتاب والسنة. والقتل بدون وجه حق من أكبر الكبائر، جاء فى التحذير منه نصوص كثيرة، منها قوله تعالى {ومن يَقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدَّ له عذابا عظيما} النساء: ٩٣، وما دام هناك خلاف فى مسألة فالرأى فيها غير قطعى لا يجوز أن يكون مبررا للحكم بالردة وبالقتل فالحديث يقول: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم. . . "رواه أحمد والترمذى.

ومن أقوى علامات الشبهة عدم القطع به والاتفاق عليه. ولو استباح كل إنسان قتل من يخالفه فى رأى لهلكت البشرية كلها، فما يزال الاختلاف فى الأديان والعقائد والآراء سمة الناس بمقتضى طبيعتهم التى خلقهم الله عليها، قال تعالى {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} هود:١١٨،١١٩ وقال تعالى {ولو شاء ربك لآمن مَنْ فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} يونس: ٩٩. وإذا كان حديث البخارى المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم يقول: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما " فما بالكم بقتل المسلم بغير وجه حق؟ ألا إن المخالفة فى الرأى يمكن معالجتها بالحوار المخلص والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتى هى أحسن كما أمر الله نبيَّه بذلك، وليس القتل وسيلة وحيدة للعلاج، فزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم، كما جاء فى صحيح مسلم

<<  <  ج: ص:  >  >>