للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[حديث النفس]

المفتي

عطية صقر.

مايو ١٩٩٧

المبادئ

القرآن والسنة

السؤال

كثيرا ما تحدَّثنى نفسي بارتكاب ذنب معين، ولكن عندما أنظر فى عواقب هذا الذنب أنصرف عن التفكير فيه خوفا من الله سبحانه، فهل يعاقبنى الله على هذا التفكير؟

الجواب

يقول الله سبحانه {وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء} [البقرة:٢٨٤] وبعيدا عما قال المفسرون في الآية من إحكام أو نسخ بما جاء بعدها من أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فى الحديث الشريف " إن الله سبحانه تجاوز لأمتى عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم لو تعمل " رواه البخاري ومسلم.

إن للنفسي عدة حركات، منها الهاجس والخاطر وحديث النفس والهم والعزم، وكل إنسان معرض لها بحكم طبيعته التى خلقه الله عليها، ولو حاسبنا عليها وآخذنا بها لكان ذلك تكليفا بما لا يطاق، وهو سبحانه حكم عدل رءوف رحيم، ولذلك لا يحاسب إلا على نتيجة هذه الحركات النفسية من القول أو العمل، أما ما دامت فى المرحلة الداخلية فلا يكلفنا إلا بأقواها واقربها إلى التنفيذ، وذلك يكون عند الهم والعزم.

وقد جاء فيما حدث به الرسول صلى الله عليه وسلم عن رب العزة كما رواه البخارى ومسلم " إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك فى كتابه، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن عملها كتبها عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة، وإن عملها كتبها الله عليه سيئة واحد ة".

وذلك هو حكم الهم بالسيئة دون عملها، لا عقاب عليها بل نص هذا الحديث على أنه يثاب بحسنة، أما العزم وهو درجة أقوى من الهم ففيه المؤاخذة، بناء على حديث البخارى ومسلم " إذا التقى المسلمان بسيفيهما. فالقاتل ووالمقتول فى النار " قيل يا رسول الله هذا القاتل، يعنى عرفنا حكمه لأنه قتل، فما بال المقتول يدخل النار ولم يقتل؟ قال " إنه كان حريصا على قتل صاحبه " والحرص هو العزم المصمم وهو كالفعل فى المؤاخذة عليه.

ثم إن العلماء قالوا: العدول عن فعل المعصية التى همَّ بها له سببان،الأول عجز عن التنفيذ أو خوف من رقيب دنيوى، وهذا لا مؤاخذة فيه، فلا تكتب سيئة، بل ولا يعطى حسنة، وكفى أنه لا عقاب عليه، والسبب الثانى فى العدول عن فعل المعصية هو الخوف من الله سبحانه، وهنا لا يكتفى بعدم العقاب، بل يكافأ بثواب حسنة، فالخوف من الله عمل خير، لا يضيع أجره عند الله، ويوضح هذا ما جاء فى روايات أخرى للحديث، منها ما رواه الشيخان أيضا "يقول الله عز وجل إذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلى فاكتبوها له حسنة " وفى رواية لمسلم " وإذا تحدث عبدى بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرَّاى " أى من أجلى.

وبمجموع هذه الروايات نقول للسائل: لا عقاب عليك فى حديث النفس بارتكاب المعصية حتى لو وصل إلى درجة الهم وما دمت تركتها خوفا من الله فلك حسنة إن شاء الله

<<  <  ج: ص:  >  >>