للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومن غريب ما اتفق لي في هذا البلد أنني مررت به حين سافرت إلى ناحية مراكش في طلب العلم فأصابتني الحمى منه، وذلك أول حمى أصابتني في عمري ثم بقيت في تلك النواحي عدة سنين فلما رجعت ومررت به أصابتني أيضاً، وكأنها كانت تنتظرني، ولذا كان من جملة التمني أن أترك هذه البلدة وأمراضها ورائي بالمجاوزة إلى وطني.

وكنا ذات مرة في بساتين خارج الحضرة المراكشية، ثم سرينا ليلة لقصد زيارة بعض الصالحين وركبت فرساً، فما استويت " عنه " وبرد الليل وكنت أستحب السري فانبسطت نفسي وتمنيت أن لو كنت على أعتق من ذلك الفرس، وذكرت الأوطان فقلت ارتجالاً أو شبه ارتجال:

يا سرية لو كنت أسريها على ... نهد أغر محجل يعبوب

ينسابُ من تحتي كأن ذميله ... جريان ماء في الصفا مصبوب

ما بين خلاد فخوخات إلى ... نهر الرمال فمقطع فجبوب

فإذا فصلت من السلام عليكمُ ... وهفت صباً في الجو ذات هبوب

فهناك تنشقني الحجاز وشيحه ... وتتم عرفاً من شذا محبوب

صلى الإله عليه ما وكف الحيا ... في الروض من وبل ومن شؤبوب

وعلى الأماجد آله وصحابه ... ما حنّ محبوب إلى محبوب

يا رب أنت رجاؤنا في نيْل ما ... نرجو فكن لعبيدك المربوب

لا رب نرجوه سواك أممكن ... وجدان آلهة لنا وربوب؟

فامنن عليها واسقنا إنا لفي ... ظمأ على شحط النوى وذبوب

واجمع بصفوتك الأجلة شملنا ... مع اخوة ومعارف وحبوب

واختم لنا معهم بدين قيم ... يتعلق وتشوّق مشبوب

فالدين والخرات أعود مقتنى ... أبداً لكل مشمر ملبوب

وجرى " يوماً " ذكر قصيدة ابن الخطيب التي أولها:

سلا هل لديها من مخبرة خبر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر

فسما أيضاً شوق وحزن، وعاود الفؤاد ذكر الوطن والسكن فقلت:

شم برقها أعلى أجارع ذي أضا ... وكفّت فأترعت الجداول والأضا

واحجب عليَّ وميضه فلقد حشا ... وسط الحشا جمر الغضا لما أضا

فكأنه مذ لاح في تلك الربا ... ما بين أحشائي حُسام مُنْتَضى

ما زال يذكرني معاهد جيرتي ... وعشيرتي ومعارفي مذ أومضا

" هذا على أن لست قط بمغفل ... لعهودهم ما حان منها أو مضى "

أم ساقها لجيوب ذروة سحرة ... فسقى بها قيصومها والعرمضا

وأدار فوق نجودها كاس الحيا ... وهْناً فأصبح كل نشز مبرِضا

" خلعت أكف السحب أردية الكلا ... ومطارف الزهر النضير على الفضا "

وأفاضت الغدران حتى عاقرت ... أيدي الروابي الشم جريال الفضا

ما شئت من روض تراه مُذهبا ... فيها ومن روض تراه مفضّضا

بلد صحبت العيش فيه أخضرا ... نضراً ووجهَ الدهر أبيضا

درت علي به الأماني حُفّلاً ... وهمَتْ عليَّ غيوث بر فُيَّضا

ولبست فضفاض النباهة سابغاً ... وركبت صهوة كل فضل رَيّضا

وأسمتُ سرحي في المطايب مُمْرِعاً ... ورميت صيدي في المآرب معرضا

في فتيةٍ قد كان شربي فيهم ... صفو الودادِ وكل خلْقٍ مرتضى

تَخِذوا المروءة والسماحة والندا ... والبر والإكرام ديناً مقتضى

وتألفوا كالماء والصهباء في ... كأس وكلٌّ ذو سجايا ترتضى

لله الأمر من قبل ومن بعد

الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة

حدثني الأخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود العيسوي العرفاوي قال: سافرت إلى بلاد القبلة ذات مرة فمررت بالمرابط الخير أبي عبد الله محمد بن أبي بكر العياشي فدخلت لأزوره فلما قعد مني قريباً ثم أنشدني " متمثلاً " قول الشاعر:

جفوت أناساً كنت آلف وصلهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس

فلا تعذلوني في الجفاء فإنني ... وجدت جميع الشر في خلطة الناس

والمراد من الشعر ومن التمثل به الاعتزال عن الخلق طلباً للسلامة لا ما يفهم من لفظ الجفاء، وفي الحديث: " خَيْرُ النّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أخَذَ بعِنَانِ فَرَسِهِ في سَبِيلِ اللهِ يُخِيفُ العَدُوَّ وَيُخِيفُونَهُ وَفي رِوَايَةٍ: حَتّى يَمُوتَ أوْ يُقْتَلَ ". والذي يليه رجل معتزل في شِعْبٍ من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل شرور الناس.

<<  <   >  >>