<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[مواقع الكلام]

وهذا أمر تُستخبر به النفوس المهذّبة، وتستشهد عليه الأذهان المثقفة؛ وإنما الكلام أصوات محلها من الأسماع محلّ النواظر من الأبصار. وأنت قد ترى الصورة تستكمل شرائط الحُسن، وتستوفي أوصاف الكمال، وتذهب في الأنفُس كل مذهب، وتقف من التّمام بكل طريق، ثم تجد أخرى دونها في انتظام المحاسن، والتئام الخِلقة، وتناصُفِ الأجزاء، وتقابل الأقسام؛ وهي أحظى بالحلاوة، وأدنى الى القبول، وأعلَقُ بالنّفس، وأسرع ممازجة للقلب؛ ثم لا تعلم - وإن قاسيت واعتبرت، ونظرت وفكرت - لهذه المزية سبباً، ولما خُصّت به مُقتَضِياً.

ولو قيل لك: كيف صارت هذه الصورة، وهي مقصورة عن الأولى في الإحكام والصنعة، وفي التّرتيب والصيغة، وفيما يجمع أوصاف الكمال، وينتظمُ أسباب الاختيار أحلى وأرشق وأحظى وأوقع؟ لأقمت السائل مقام المتعنّت المتجانِف، ورددته ردّ المستبهم الجاهل! ولكان أقصى ما في وسعك، وغاية ما عندك أن تقول: موقعُه في القلب ألطف، وهو بالطّبع أليق؛ ولم تعْدم مع هذه الحال معارضاً يقول لك: فما عبتَ من هذه الأخرى؟ وأي وجهٍ عدَل بك عنها؟ ألم يجتمع لها كيت وكيت!! وتتكاملُ فيها ذيه وذيه!! وهل للطاعن إليها طريق! وهل فيها لغامز مغمز يحاجُّك بظاهر تحسّه النواظر! وأنت تحيله على باطن تحصِّله الضمائر!

كذلك الكلام: منثوره ومنظومه، ومجمَلُه ومفصّله؛ تجد منه المُحكَم الوثيق والجزل القوي، والمصنّع المُحكم، والمنمّق الموشّح؛ قد هُذِّب كل التّذيب، وثُقِّف غاية التّثقيف، وجهِد فيه الفِكْر، وأتعب لأجله الخاطر، حتى احتمى ببراءته عن المعائِب، واحتجر بصحّته عن المطاعن، ثم تجد لفؤادِك عنه

<<  <   >  >>