<<  <   >  >>

[دفاع المؤلف عن أبي الطيب]

وقد تفقدت ما أنكرَهُ أصحابُك من هذا الديوان، بعد الأبيات التي حالُها من امتناع المحاجة فيها، وتعذّر المخاصمة عليها ما وصفْت فوجدته أصنافاً، منها ألفاظ نُسبَت الى اللّحن في الإعراب، وادُّعي فيها الخروج عن اللغة، ومعان وصِفَت بالفساد والإحالة، وبالاختلال والتناقض، واستِهلاك المعنى؛ وأخرى أنكِر منها التقصير عن الغرض، والوقوفع دون القصد. وأعيَب ما فيها ما عيبُه من باب التعقيد والعويص واستهلاك المعنى وغُموض المراد؛ ومن جهة بُعدِ الاستعارة، والإفراط في الصنعة، وقد حكيْت في كل باب منها ما علِقتُه من كلام أصحابك، وما قابلهم به خصومُك، ورأيت السّلامة في أن أقتصر من هذه الوساطة على حُسن التبليغ، وحسن التأدية، وتقريب العبارة، وجمع المتفرِّق، ثم أقف منكما حجْزةً، وأخرُج عنكما صفراً؛ قد أدّيتُ عن كل فريق ما تحملتُه، وسلمتُ من الميل فيما تكلّفته.

وكما لا أحكم على خصمك بالخطأ في كل ما يذكره، فكذلك لا أبعدُك من الصواب في أكثر ما تصفه. وجملة القول في هذه الأبيات وأشباهها أنه لو وُفّي فيها التهذيب حقه. ولم يُبخَس التّثقيف شرطَه لانقطعت عنها ألسُن العيب؛ وانسدّت دونها طرُق الطعن، ولدخَلتْ في جملة أخواتها، ولجرتْ مجرى أغيارها؛ ولاستغنت عن تكلّف البحث والتّنْقير؛ واستغنى خصمك عن تمحّل الحجج والمعاذير. لكنا لم نجد شاعراً أشمل للإحسان والإصابة والتنقيح والإجادة شعره أجمع، بل قلّما تجد ذلك في القصيدة الواحدة، والخطبة الفردة؛ ولا بد لكل صانع من فترة، والخاطر لا تستمر به الأوقات على حال؛ ولا يدوم في الأحوال على نهج. وقد قدمنا لك في صدر هذه الرسالة من شعر أبي نواس وأبي تمام وغيرِهما ما مهّدنا به الطريق الى هذا القول،

<<  <   >  >>