للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وجنيتم ثمر الوقائع يانعا ... بالنصر من ورق الحديد الأخضر

ومنها

لا يأكل السرحان شلو طعينهم ... مما عليه من القنا المتكسر

وبعض الناس يمغلط في هذا البيت ويقول: هو بالذم أشبه منه بالمدح، لأنه وصفهم بأنهم لكثرة ما يجتمعون على الواحد من أعدائهم، يكسرون القنا في الطعان عليه حتى يقتلوه، فيجتمع عليه من الرماح المكسرة ما يمنع السرحان من أكله وليس الأمر كذلك، لأن الطعين المراد به أنه من الممدوحين أنفسهم، والمعنى: أنه إذا مات منهم طعين لا يموت إلا بعد أن يجتمع عليه من الأعداء خلق كثير. فالطعين من الممدوحين لا من عدوهم وهذا في غاية المدح.

أليس له تلك القصيدة الفائية، وما فيها من تشبيه الكواكب حتى انتهى إلى ذكر السهى فقال:

كأنّ سهاها عاشقٌ بين عوّدٍ ... فآونةً يبدو وآونة يخفى

وهي مشهورة وكلها جيد.

أليس له القصيدة الدالية التي أولها:

إمسحوا عن ناظري كحل السّهاد ... وانفضوا عن مضجعي شوك القتاد

أو خذوا مني ما أبقيتم ... لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد

ومنها في وصف الدروع:

كل رقراق الحواشي فوقه ... كعيونٍ من أفاعٍ أو جراد

فعلى الأجساد وقدٌ من سنا ... وعلى الماذيّ صبغٌ من جساد

أليس له الفائية الأخرى التي يقول فيها:

ولقد هززت غصونها بثمارها ... وهصرتهنّ مهفهفا فمهفهفا

فرددتها من راحتيه مرّةً ... وشربتها من مقلتيه قرقفا

ما كان أفتكني لو اخترطت يدي ... من ناظريك على رقيبك مرهفا

أليس له القصيدة الكافية التي أولها:

فتكات طرفك أم سيوف أبيك ... وكؤوس خمرك أم مراشف فيك

أجلاد مرهفةٍ وفتك محاجرٍ ... لا أنت راحمةٌ ولا أهلوك

منها:

منعوك من سنة الكرى وسروا فلو ... عثروا بطيفٍ طارقٍ ظنّوك

ودعوك نشوى ما سقوك مدامةً ... لما تمايل عطفك اتّهموك

وله أشياء مليحة.

وأما تخلصاته فمن أحسن ما يكون ولكن المعري تحامل عليه. وأما أبو الطيب فمن سعادته أنه شرح ديوانه ما يقارب الأربعين فاضلا. منهم الواحدي وحسبك ومنهم الإمام فخر الدين، وللشيخ تاج الدين الكندي رحمه الله حواش على ديوانه أحسن من حواشي الأصداغ في هوامش الوجنات، تشتمل على فوائد جمة وقواعد مهمة، من غريب لغة واعراب ومعنى ليس لها نظير. وقد سردت من شرح ديوانه في ترجمته في كتاب الوافي بالوفيات.

وقال الوزير المغربي في كتاب أدب الخواص وقد قال: المتنبي، وإخواننا المغاربة يقولون المتنبه.

قلت أنا: وهذا تحريف حسن من المغاربة، وما يليق أن يطلق عليه المتنبي. وكان الشيخ تاج الدين يروي لأبي الطيب بيتين يتصل سندهما به وليسا في ديوانه وهما:

أبعين مفتقرٍ إليك نظرتني ... فأهنتني وقذفتني من حالق

لست الملوم أنا الملوم لأنني ... أنزلت آمالي بغير الخالق

وعلى الجملة فقد رزق أبو الطيب من السعادة في شعره ما لم يرزقه غيره. وممن عابه وحط عليه الصاحب بن عباد في كراريس لطيفة، ومنهم ابن وكيع في المنصف وقال ابن شرف القيرواني في أبكار الأفكار وهو أجور من سدوم. والوحيد المغربي حط عليه وعلى ابن جني حطا بالغا ومنهم الحاتمي في رسيلة لطيفة، ورسالة أخرى أملاها الحاتمي في معايبه، وهي مجلدة لطيفة، وله الموازنة بينه وبين أبي تمام وللجرجاني رحمه الله كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه، ما خلا فيها من التمالي عليه، ومنهم الناصح ابن الدهان في رسالة سماها الرسالة السعيدية في المآخذ الكندية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كان الإنسان كالقدح، لقال الناس ولولا. وما لمن يعيب جيده جواب إلا ما قاله هو في وصف قصديته:

بذي الغباوة من انشادها صمم ... كما تضر رياح الورد بالجعل

[حول وصل همزة القطع وقطع همزة الوصل]

قال في المعاظلة اللفظية أيضاً: ومن هذا القسم وصل همزة القطع وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل.

ثم أورد قول أبي تمام:

<<  <   >  >>