<<  <   >  >>

وقال بعض أهل العصر، وهو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن يونس المصري في نحو أبيات البحتري الأول:

سقى الغيثُ أخيافَ اللوى كلّما سقى ... بصوبٍ من المزنِ الكنهورٍِهامل

إذا ضربتْ ريحٌ جمانَ سحابةٍ ... غدا وهو حليٌ للرياض العواطلِ

به خفق برقٍ ليس بين جوانحٍ ... وسواس رعدٍ ليس بين مفاصلِ

إذا كاد درُّ القطر يلمسُ نبتهُ ... تلقَّاه درُّ النَّورِ بين الخمائل

وكان أبو الحسن لطيف الصنع، رهيف الطبع، متصرفاً في العلوم، مختصاً بأحكام النجوم، أنشدني له بعض المصريين يصف قينة:

غنَّت فأخفتْ صوتها في عودها ... فكأنَّما الصوتان صوتُ العودِ

غيداءُ تأمر عودها فيطيعها ... أبداً ويتبعها اتّباعَ ودودِ

أندى من النُّوّارِ صبحاً صوتها ... وأرقُّ من نشرِ الثَّنا المعهودِ

فكأنَّما الصوتان حين تمازجا ... ماء الغمامة وابنة العنقودِ

وأنشدني له في غلام يهواه قوله:

يجري النسيمًُ على غلالةِ خدِّه ... وأرق منهُ ما يمرُّ عليهِ

ناولته المرآة ينظر وجههُ ... فعكستُ فتنة ناظريهِ إليه

جملة من النظم والنثر فقي وصف النَّوْر والزهر

كتب علي بن العباس الرومي إلى علي بن عبد الله بن المسيب:

أدركْ ثقاتكَ إنَّهم وقعوا ... في نرجس معه ابنةُ العنب

ريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم درٌّ على ذهب

فهم بحالٍ لو بصرت بها ... سبَّحتَ من عجبٍ ومن عجب

في روضةٍ شتويةٍ رضعت ... درَّ الحيا حلباً على حلب

واليوم مدجونٌ فحرَّتهُ ... فيهِ بمطَّلعٍ ومحتجبِ

ظلَّت تسايرنا وقد بعثتْ ... ضوءاً يلاحظنا بلا لهب

هذا في وصف الشمس كما قال ابن المعتز بالله:

تظلًّ الشمسُ ترمقنا بطرفٍ ... خفيٍّ لحظهُ من خلف ستر

تحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبى ... كعنينٍ يحاول فتقَ بكرِ

وكان ابن الرمي لهجاً بالنرجس، مفضلاً له على الورد، وله في ذلك شعر كثير وقد عارضه وناقضه [في ذلك] جماعة من البغداديين وغيرهم فما شقوا غباره، ولا لحقوا آثاره.

وصنّف بعض الظرفاء كتاباً في الترجيح بينه وبني معارضيه، فحكم له على مناقضيه.

وكان كسرى أنوشروان يقول: "النرجس ياقوت أصفر بين در أبيض على زمرد أخضر"، أخذه بعض المحدثين فقال:

وياقوتهٍ صفراءَ في رأس درَّةٍ ... مركَّبةٍ في قائم من زبرجدِ

كأنَّ بهيَّ الدُرِّ عقدُ نظامها ... بغير فريدٍ قد أطافَ بعسجدِ

كأنَّ بقايا الطلِّ في جنباتها ... بقيةُ رشحٍ فوق خدٍّ مورَّدِ

وإنما ذهب أنوشروان إلى معارضة أردشير بن بابك في قوله: "الورد در أبيض، وياقوت أحمر، على كراسي زبرجد أخضر، بوسطه شذر من ذهب أصفر، له رقة الخمر، ونفحات العطر".

أخذه محمد بن عبد الله بن طاهر فقال:

كأنَّهنَّ يواقيتُ يطيفُ بها ... زمرُّدٌ وسطهُ شذرٌ من الذَّهبِ

فاشرب على منظرٍ مستظرفٍ حسنٍ ... من خمرةٍ موةٍ كالجمر في اللَّهبِ

وقال ابن بسام:

أما ترى الوردَ يدعو للورودِ على ... حمراءَ صافيةٍ في لونها صهبُ

مداهنٌ من يواقيتٍ مركَّبةٍ ... على الزبرجدِ في أجوافها ذهبُ

خاف الملالَ إذا طالت إقامته ... فصار يظهر أحياناً ويحتجبِ

وقال ابن الرومي:

خجلتْ خدودُ الوردِ من تفضيلهِ ... خجلاً تورُّدها عليه شاهد

لم يخجلِ الوردُ المورَّدُ لونه ... إلاّ وفاخرهُ الفضيلة عائد

للنرجسِ الفضلُ المبينُ إذا بدا ... للناظرين طريفهُ والتالدُ

?فصلُ القضيّة أنّ هذا قائدٌ ... زهر الربيعِ وإنَّ هذا طاردُ

شتّان بين اثنين هذا موعدٌ ... يتسلُّب الدُّنيا وهذا واعدُ

وإذا احتفظتَ به فأمتع صاحبٍ ... بحياتهِ لو أنَّ حيّاً خالدُ

ينهى النديمَ عن القبيحِ بلحظهِ ... وعلى المدامةِ والسَّماعِ مساعدُ

اطلبْ بعفوك في الملاح سميَّهُ ... أبداً فإنك لا محالةَ واجدُ

والوردُ إن فتَّشت فردٌ في اسمه ... ما في الملاحِ له سميٌّ واحد

هذي النجومُ هي التي ربتهما ... بحيا السحابِ كما يربَّي الوالدُ

<<  <   >  >>