<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وقد حسرت عن واضح الفرق فاحم ... كخطي ظلام خط بينهما صبح

وقد ملح بعض أهل العصر، وهو أبو محمد بن مطران، في وصف تمام الشعر، مع ما أضاف إليه من حسن المشي، وملاحة النظر بقوله:

ظباء أعارتها المها حسن مشيها ... كما قد أعارتها العيون الجآذر

فمن حسن ذاك المشي جاءت فقبلت ... مواطئ من أقدامهن الضفائر

ومن ألفاظ أهل العصر في وصف الليل والنجوم وما يقارب ذلك ويتعلق به: ليلة قص جناحها، وضل صباحها، ليال ليست لها أسحار، وظلمات لا تتخللها أنوار، ليل اكتحل بمراود الرق، وتقلب على مراقد القلق، النجوم شهود سهوده. طرف برعي النجوم مطروف، وفراش بشعار الهم محفوف، كأنه على النجوم رقيب، وللظلام نقيب، توقد الشفق في ثوب الغسق، تفتحت أزاهير النجوم، ونورت حدائق الجو، فأذكى الفلك مصابيحه، وطفت النجوم في بحر الدجى، ليلة كغراب الشباب، وحدق الحسان، وذوائب العذارى.

ليلة كأنها في لباس بني العباس، ليلة قد حلك إهابها، كأن الفجر يهابها، هرم الليل، وشمطت ذوائبه، تقوس ظهره وتصرم عمره. باح الصباح بسره، وخلع الليل ثيابه. وحدر الصبح نقابه. ولت مواكب الكواكب، وتناثرت عقود النجوم. ووهى نطاق الجوزاء. وانطفأ قنديل الثريا.

قال بعض الرواة: خرجت في بعض أسفاري، فوردت على ماء من مياه طيئ، وقد انتجعه قوم حلول بجنباته، فبينا أنا أدور به، إذا بامرأة ورجل، قد تخليا، فعلمت أنهما في عتاب، فوقفت عليهما، وسلمت، فردا علي السلام، وأمسكا عن حديثهما، فقلت: خذا في شأنكما فإني رجل ذو علاقة، ولعل بعض ما يمر يصادف بعض ما أجد، فيسلي قليلاً، فقال لها: بالله أنشديه بعض ما تفاوضنا في يومنا، فأنشدتني:

إذا قربت داري كلفت وإن نأت ... أسفت فلا للقرب أسلى ولا البعد

وإن وعدت زاد الهوى بانتظارها ... وإن بخلت بالوعد مت من الوجد

ففي كل حب لا محالة فرجة ... وحبك ما فيه سوى محكم الجهد

فقلت: أحسن والله ما شاء، فهل أجبت عن قوله، قالت: نعم [والله] وأنشدت:

إذا كان لا يسليك عمن تحبه ... فراق ولا يشفيك طول تلاق

فهل أنت إلا مستعير حشاشة ... لمهجة صب آذنت بفراق

فقلت: أسعدكما لله بالألفة، وأمتعكما بالمحبة، وحباكما بجميل الصحبة وانصرفت.

قال الأصمعي: دخلت على الرشيد وعنده جماعة يتذاكرون رقيق الشعر، فأحسن مجلسي، ثم قال: يا أصمعي ما ترى في شعر فتى من أهل بغداد، يزعم الناس أنه من أرق شعرائنا شعراً، وهو الذي يقول:

تاهت علينا لأن تمت محاسنها ... خود تكلم في أعطافها الفتن

همت بإيناسنا حتى إذا نظرت ... إلى المراة نهاها وجهها الحسن

ما كان هذا جزائي من محاسنها ... أغرت بي السوق حتى شفني الشجن

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنه شاعر فطن، أراد معنى فأصابه، ولقد أنشدني ابن الخياط أبياتاً استحسنتها في الغزل، وهي:

يا خود أسهرني ذكرى خيالكم ... بعد الهدوء فأشجاني وما طرقا

وحارب الشوق ماء العين فانهزمت ... عساكر الدمع حتى حلت الحدقا

فالدمع مستوفز مني على وجل ... إذا تهب له ريح الهوى استبقا

كسوت قلبي من الأحزان أجنحة ... فإن دعاه هواكم دعوة خفقا

قال [الرشيد] : أحسن، فما فعل؟ قلت: هو حي، فأمر له بعشرة آلاف درهم، والأول للعباس بن الأحنف.

وقال علي بن يحيى المنجم:

ومن طاعتي إياه يمطر ناظري ... إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا

كأن جفوني تبصر الوصل هارباً ... فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا

قال محمد بن أنس للقاسم بن صبيح، وما زلنا في سمر نصول فصوله بتشوقك، فيذهب ذكرك ملل السامر، ونعسة الساهر، فقال القاسم: مثلك من ذكر وليه فأطراه، واعتذر إليه فأرضاه، ولو آذنتموني لكنت كأحدكم مسروراً بما به سررتم، مفيضاً فيما أنتم أفضتم.

وذم رجل رجلاً فقال: دعواته ولائم، وأقداحه محاجم، وكؤوسه محابر، ونوادره بوادر.

[فقر للنبيذيين]

ما جشمت الدنيا بأظرف من النبيذ. الراح ترياق سم الهم. بيد الكاس تعرك أذن الوسواس

<<  <   >  >>