فصول الكتاب

<<  <   >  >>

إياها فتعاظمه جداً ولامه شديداً وقال من يرسل ذا بله وعمي يركب خلاف ما يهوي، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها بديرات مملوءة ذهباً وكان ذلك أعظم ماله لديه وأحبه إليه وقد كان معاوية أطرحه وقطع عنه جميع رواتبه عنده لسوء قوله وتهمته أنه خدعه فلم يزل يجفوه حتى عيل صبره وقل ما في يده ولام نفسه على المقام لديه فرجع إلى العراق وهو يذكر ماله الذي استودعه إياها ولا يدري كيف يصنع فيه وأين يصل إليه وهو يتوقع جحودها لسوء فعله بها ولأنه طلقها على غير شيء أنكره عليها فلما قدم العراق لقي الحسين فسلم عليه ثم قال له قد عرفت ما كان من خبري وخبر أريب وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالاً عظيماً وكان الذي كان ولم أقبضه ووالله ما أنكرت منها في طول صحبتها فتيلا ولا أظن بها إلا جميلا فذاكرها أمري وأحضضها على رد مالي على فإن الله يحسن عليه ذكرك ويحرك به أجرك فسكت عنه فلما انصرف الحسين إلى أهله قال لها قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن إلينا عليك ويحمل النشر عنك في حسن صحبتك وما أنسه قديما من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني وذكر أنه كان استودعك مالاً فأد إليه أمانته وردى عليه ماله فإنه لم يقل إلا صدقاً ولم يطلب إلا حقاً قالت صدق استودعني مالاً لا أدري ما هو وإنه لمطبوع بخاتمه ما حول منه شيء إلى يومه وها هو ذا فادفعه إليه بطابعه فأثني عليها الحسين خيرا وقال ألا أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك ثم لقي عبد الله فقال مال أنكرت مالك وزعمت أنه كما دفعته إليها بطابعك فأدخل يا هذا إليها وتوف مالك منها قال عبد الله أوتأمر من يدفعه إلى قال لا حتى تقبضه منها كما دفعته إليها وتبرئها منه إذا أدته إليك فلما دخل عليها قال لها الحسين هذا عبد الله بن سلام قد جاء يطلب وديعته فأد إليه أمانته فأخرجت إليه البدر فوضعتها بين يديه وقالت هذا مالك فشكر وأثني وخرج الحسين عنهما وفض عبد الله خواتم بدره وحثى لها من ذلك وقال خذي فهذا قليل مني فاستعبرا جميعاً حتى علت أصواتها بالبكاء أسفا على ما ابتليا به فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما للذي سمع منهما فقال أشهد أنها طالق ثلاثاً اللهم قد تعلم أني لم استنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ولكني أردت إحلالها لبعلها فطلقها ولم يأخذ شيئاً مما ساق لها في مهرها فسألها عبد الله أن يصرف للحسين ما ساق لها فأجابته شكراً لما صنعه بهما فلم يقبله الحسين وقال الذي أرجوه من الثواب خير لي فلما انقضت إقراؤها تزوجها عبد الله بن سلام وبقيا زوجين متصافيين إلى أن فرق بينهما الموت وحرمها الله يزيد بن معاوية. نقلتها من تاريخ ابن بدرون.

الباب الحادي والعشرون

في الشعراء المجيدين

وهو مقدمة ونتيجة: أقول: لابد من مقدمة ينتفع بها الطالب لهذا العلم لئلا يخلو كتابنا من ذلك الشعر: قول موزون مقفى بالقصد يدل على معنى والمعنى للشعر بمنزلة المادة واللفظ بمنزلة الصورة وهو يشتمل على أربعة أشياء لفظ ومعنى ووزن وقافية وتهذيبه أن يكون اللفظ سمحا سهل المخارج حلوا عذبا وتهذيب الوزن أن يكون حسناً تقبله النفس والغريزة غير منكسر ولا متزحف وتهذيب القافية أن تكون سلسلة المخارج مألوفة فإن القوافي حوافز الشعر وأن يقصد الكلام الجزل دول الرذل ولا يعمل نظما ولا نثرا عند الملل فإن الكثير معه قليل والخواطر ينابيع وإذا رفق بها جمعت وإذا عنف عليها مرجت وليترنم بالشعر وقت عمله فإنه يعين عليه وقد يتخيل الشاعر الشعر الجيد فيمكنه مرة ولا يمكنه أخرى وإياك وتعقيد المعاني وأجعل المعنى الشريف في اللفظ اللطيف لئلا يتلف أحدهما الآخر ومتى عصى الشعر فاتركه ومتى طاوعك فعاوده وروح الخاطر إذا كل وأعمل في أحب المعاني إليك وفي كل ما يوافقه طبعك فالنفوس تعطي على الرغبة ولا تعطي على الإكراه وأعمل الأبيات متفرقة على ما يجود به الخاطر ثم أنظمها في الآخر وحصل المبدأ والمقطع والخروج فهو أصعب ما في القصيدة فإذا فعلته سهل عليك وأشعرها أولاً وهذبها آخراً فقد قيل عن زهير إنه كان يعمل القصيدة في شهرين ويهذبها في حول ولذلك سمي شعره الحولي المنقح.

<<  <   >  >>