فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وقابلنا من وجهه وشرابه ... بشمسين في جنحى دجى الليل والشعر

وغنى فصار السمع كالطرف أجدا ... بأوفر حظ من محاسنه الزهر

وأتبعنا في وجنتيه بمثل ما ... تمرج كفاه من الماء والخمر

سرور سكرنا منه لاصحو إذ دعا ... إليه ولم نشكر إليه من السكر

كأن الليالي نمن عنه فبعدما ... تنبهن يبكين الوفا إلى العذر

مضى وكأنما كنت فيه مناماً ... فحدثت عن طيف الخيال إذا يسر

وهل يحصل الإنسان من كل ما به ... تسامحه الأيام إلا إلى الذكر

زلم أزل على أتم قلق وأعظم حسرة وأشد تأسف على ما سلبت من عظيم النعمة بفراق الفتى لا سيما ولم أحصل منه حقيقة ولا يقين بر يؤدياني إلى الطوع في لقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق وأنا في جملته فما بدأت بشيء قبل المصير إلى الراهب وقد كنت حفظت اسمه فخرج إلي مرعوباًولا يعرف السبب فلما رآني استطار فرحا وأقسم لا يخاطبني إلا بعد نزول والمقام عتده يومي ذلك ففعلت فلما جلسنا للمحادثة قال ما لي أراك لا تسألني عن صديقك قلت والله مالي فكر منصرف عنه ولا أسف يتجاوز ما حرمته منه ولا سررت بعودي إلى البلد إلا من أجله ولذلك بدأت بقصدك فاذكر لي خبره فقال أما الآن فنعم هذا فشى من أولاد عظماء مصر جليل القدر عظيم النعمة كان قد ضمن من سلطانه بمصر ضياعاً بمال كثير فخاسر به ضمانه لعقود السعر وأشرف على الخروج مننعمته فاستتر ولما اشتد البحث عنه خرج متخفياً إلى أن ورد دمشق بزىء تاجر وكان استتاره عند بعض اخوانه ممن له عادة بخدمته فأتيت عنده يوماً إذ ظهر لي وقال لصديقه أريد الإنتقال إلى هذا الراهب إن كان مأموناً فذكر لهصديقي مذهبي وأظهرت له السرور بما رغب فيه من الأنس بي وأنا لا أعرفه غير أن صديقي قد أمرنيبخدمته وحصل على ذلك في قلايتي وواصل الصوم فلما كان بعد أيام جاءنا الرسول من عند صديقنا وهو الغلام والخادم قد لحقا به ومعهما سفاتج وعليهما ثياب رثة فلما نظرت إلى الغلام قال يا راهبقد حل الفطر وجاء العيد ووثب إليه واعتنقه وجعل يقبل عينيه ويبكي ووقف على السفاتيج وأنقذها مع درج رقعة منه إلى صديقه فلما كان بعد يومين حمل إليه ألفي دينار وقال له ابتع لنا ما نستعمله في هذه الضيعة فابتاع آلة وفرشاً ولم يزل مكبا على ما رأيت أإلى أن ورد عليه كتاب أهله بتدبير حاله مع سلطانه وأخذ خط السلطان بحطيطة المال وطيب قلبه وتحقق رضى السلطان فلما عزم على المسير قال لغلامه سلم جميع مابقى معك من نفقتنا إلى الراهب ليصرفه في مصالح الدير وسار وماله حسرة غيرك ولا أسف إلا عليك يقطع جميع الأوقات بذكرك ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال وأجلها ما بخل بتفقدى وخف بعض ما عندي من الحزازة بما عرفت من حقيقة خبره وأتممت يومي عند الراهب وكان آخر العهد منه ومن الغلام والسلام.

الباب الرابع والعشرون في الجوارى ذات الألحان قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إن كان أجود منه وذلك مع الروية وقال أفلاطون: غناء الملاح تحرك فيه الشهوة والطرب وغناء القباح يحرك فيه الطرب لا الشهوة وقد قيل أحسن الناس غناء من تشبه بالنساء من الرجال ومن تشبه بالرجال من النساء وما أحسن قول القائل:

جائت بوجه كأنه قمر ... على قوم كأنه غصن

غنت فلم تبق فيّ َجارحة ... إلا تمنيت أنها أذن

وقال يزيد بن الوليد: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة وينقص الحياء ويبدي العورة ويزيد في الشهوة وإنه لينوب عن الخمر ويصنع بالعقل مايصنع به السكر وإن كان ولا بد فجنبوه النساء فإن الغناء داعية الزنا وقال بعضهم في جارية عواده:

وكأنه في حجرها ولد لها ... تحنو عليه عند كل أوان

أبدا تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركت له أذنا من الآذان

وقال ابن تميم فيها أيضاً:

ومهات قد راضت العود حتى ... عاد بعد الجماخ وهو ذلول

خاف من عرك أذنه إذ عصاها ... فلهذاكما تقول يقول

وقال آخر فيها وأجاد:

أشارت بأطراف لطف كأنها ... أنابيب در قمعت بعيق

ودارت على الأوتار حسا كأنها ... بنان طيب في محبس عروق

وقال ابن حجاج فيها وأجاد:

<<  <   >  >>