فصول الكتاب

<<  <   >  >>

فلا عدمت التنبيه من مولانا على هذا المنهاج ولا فقدت آداب ألفاظه الممدوحة التي ما لها منهاج ولا حرمت عند الحمام هذا النصير ولا عاقنى عند إرادة التخليق بمطالبها تقصير ولا زلت أمحو بها أية ليل الشعر وأخلع بها بعد ثياب البدن ثياب الوضر وأتنعم بها حسنا لها من جامها في كل ناحية من وجهها قمر ولا يخفى أن الرأس تروى الآن عن الأشعث بن أبي الشعثاء أخباره والجسد كأنما كانت على أب وزير المعتصم أطماره فالأولى أن يلقى ويعتاض عنها بما هو أبقى ومولانا أجل ساع في إسداء المعروف وأفعال بر أعيذها بالأسماء الحسنى ما اشتملت عليه من الحروف لا زال بحر إحسانه الطهور سالما من الخوض وخزائن فضائله الجمة محروسة الجناب بجاه صاحب الحوض.

فصل: فيما ورد في ذمها قال الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بئس البيت الحمام تكشف فيه العورات وترتفع فيه الأصوات ولا يقرا فيه آيه من كتاب الله، ودخل بعض الأمراء مع الرقاشى الحمام فقال ذمه يهتك الأسرار ويؤلف الأقذار ويذهب الوقار، فقال أمدحه يذهب القشافة ويعقب النظافة ويفش التخمة ويطيب النغمة.

قيل ويكره الحمام بين العشاءين وقريب من المغرب قال الزمخشرى ويكره أن يعطى الرجل امرأته أجرة الحمام لنه يكون معينا لها على المكروه وقال أيضاً الحزم ترك الحمام إذ لا يخلو من عورة مكشوفة ولا سيما من تحت السرة إلى العانة.

ومن آدابه أنه إذ دخله رفع رجله اليسرى عند الدخول وقال بسم الله الرحمن الرحيم أعوذ بالله من الرجس والنجس والخبيث المخبث من الشيطان الرجيم وذكر السمعاني في كتاب الحمام عن مجاهد عن على أنه كان يغتسل من مس الإبط والحجامة وماء الحمام، وبسنده إلى فرقد السبخى أنه قال ما دخل نبي الحمام قط ولا أكل قوما ولا بصلا ولا كراثا.

الوصف قال بعضهم:

وحمام سوء وخيم الهواء ... قليل المياه كثير الزخام

فما للقيام به من قعود ... ولا للقعود به من قيام

حنياته عطفات القسى ... وقطراته صائبات السهام

وقال شعرا:

حمامنا من ضيقها تشتكي ... كأنها صدر وقد أخرجوه

فهي لظى نزاعة للشوا ... وماؤها كالمهل يشوى الوجوه

وقال ابن شرف القرواني:

كأنما حمامكم فقحةال ... تن والظلمة والضيق

كأنني في وسطها فيشة ... ألوطها والعرق الريق

وقال ابن رشيق: وأنت أيضاً أعور أصلع ... فصادف التشبيه تحقيق

الباب السابع والعشرون

في النار والطباخ والقدور

النار مؤنثة من ذوات الواو لأن تصغيرها نويرة والجمع نور وأنوار ونيران انقلبت الواو ياء الكسرة ما قبلها وليس في الأرض شجرة إلا وتقدح منها النار إلا العناب، وهي على أنواع عند العرب نار القرى وهي اعظم النيران ونار السلامة توقد للمسافر إذا قدم سالما غانما، ونار الزائر والمسافر وذلك انهم إذا لم يحبوا الزائر والمسافر أن يرجع أوقدوا خلفه ناراً وقالوا أبعده الله وأسحقه ونار الحرب يوقدونها على مكان عال لمن بعد عنهم ونار الصيد يوقدونها للظباء فتغشى أبصارهم ونار الأسد كانوا يوقدونها إذا خافوه لأنه إذا رآها حدق إليها وتأملها ولم يستطع الهجوم على ما حولها ونار الحلف لا يعقدون إلا عليها يطرحون فيها الملح والكبريت فإذا استشاطت قالوا هذه النار قد تهددتك ونار تهددتك ونار الغدر كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له ناراً بمنى أيام الحج وقالوا هذه غدرة فلان ونار الفداء كانت ملوكهم إذا سبوا قبيلة وطلب منهم الفداء كرهوا أن يعرضوا النساء نهاراً لئلا يفتضحن ونار الوسم التي يسمون بها الإبل لتعرف أبل الملوك فترد الماء أولا ونار الحرتين كانت ببلاد عبس تسطع من الحمرة بالليل فبعث الله خالد بن سنان وهو أول نبي بعث من ولد إسماعيل وقد قدمت ابنته على النبي صلى الله عليه وسلم فبسط لها رداءه وقال بنت نبي ضيعه قومه فحفر لتلك النار بئراً فأدخلها فيها والناس ينظرون ثم اقتحم فيها حتى غيبها وخرج منها، وقد بالغ مهيار الديلمى في وصف نار القرى:

ضربوا بمدرجة الطريق خيامهم ... يتقارعون على قرى الضيفان

ويكاد موقدهم يجود بنفسه ... حب القرى حطبا على النيران

وقال أبو طاهر البغدادي:

خطرت فكاد الورق يسجع فوقها ... أنّ الحمام لمغرم بالبان

<<  <   >  >>