فصول الكتاب

<<  <   >  >>

غريبة: ذكرها الحافظ العلامة المؤرخ عماد الدين بن كشير في تاريخه في ترجمة الوليد ابن عبد الملك ورواها الحافظ ابن عساكر بإسناد رجاله كلهم ثقاب عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر عن أبيه قال خرج الوليد بن عبد الملك يوماً من الباب الأصغر فرأى رجلاً عند المأذنة الشرقية يأكل فوقف عليه فإذا هو يأكل خبزاً وتراباً فقال له ما يحملك على هذا قال القنوع يا أمير المؤمنين فذهب إلى مجلسه ثم استدعى به فقال إن لك لشأنا فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك فقال نعم يا أمير المؤمنين كنت رجلاً جمالاً فبنا أنا أسير من مرج الصفر قاصداً الكسوة إذا رزمني البول فعدلت إلى خربة لأبول فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب فملأت منه غرائري ثن انطلقت أقود برواحلي وإذا بمخلاة فيها طعام فألقيته منها وقلت إني سآتي الكسوة ورجعت لاملأ تلك المخلاة فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد في الطلب ثم رجعت إلى الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام فآليت على نفسي أن لا آكل إلا خبزاً وتراباً قال فهل لك عيال قلت نعم ففرض لهم في بيت المال قال ابن جابر وبلغنا أن الرواحل سارت حتى أتت بين المال فتسلمها خازنه فوضعها في بيت المال.

الباب الحادي والثلاثون

في الوكيرة والأطعمة المشتهاة

الوكيرة طعام البناء كان الرجل إذا فرغ من بنائه بطعم أصحابه يتبرك بذلك قال النبي صلى الله عليه ولسم في أربع في عرس أو خرس أو أعذار أو توكير، قال الشاعر:

خير طعام تشهد العشيرة ... الخرس والأعذار والوكيرة

قال الشيخ محي الدين النواوى رحمه الله في شرح مسلم في كتاب النكاح قال أصحابنا وغيرهم الضيافات ثمانية أنواع الوليمة للعرس والخرس بضم الخاء المعجمة للولادة وقيل فيه الخرص بالصاد المهملة أيضاً والأعذار بكسر الهمزة والعين المهملة والذال المعجمة للختان والوكيرة للبناء والنقيعة لقدوم المسافر يصنع الطعام وقيل يصنعه غيره والعقيقة يوم سابع الولادة والوضيمة بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الطعام عند المصيبة والدبة بضم الدال المهملة الطعام المتخذ ضيافة بلا سبب، قال صاحب زبدة الفكرة في تاريخ الهجرة ولما تكامل بناء القصر الأبلق الذي أنشأه السلطان الملك الناصر لسكناه بقلعة الجبل المحروسة عمل وليمة عظيمة حضرها الغني والفقير من كبير وصغير وخلع على الأمراء التشاريف على قدر مراتبهم وانعم عليهم بالبذل من الموال وكانت عدة الخلع التي خلعت ألفي خلعة وخمسمائة والمال المطلق مائة ألف دينار من العين المصري وذلك سنة أربع عشرة وسبعمائة، وقرأت في بعض المجاميع الأدبية أن الفتح بن أبي حصينة المغربي رحمه الله امتدح نصر بن صالح بحلب فقال له تمن فقال أتمنى أن أكون أميراً فجعله بحلب مع الأمراء ويخاطب بالأمير وقربه وصار يحضر في مجلسه في جملة المراء ثم وهبه أرضاً بحلب قبلى حمام الواساني فعمرها داراً وزخرفها وقرتصها وتمم بنياتها وكمل زخارفها ونقش على دائر الدرابزين:

دار بنيناها وعشنا بها ... في نعمة من آل مرداس

قوم محوا بؤسى ولم يتركوا ... عليّ للأيام من باس

قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس

قال فلما انتهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح بن مرداس فلما أكل الطعام رأى الدار وحسنها وحسن بنيانها ونقوشها ورأى الأبيات وقرأها قال يا أمير كم خسرت على هذه الدار فقال والله يا مولاي ما للملوك علم بل هذا الرجل وليّ عمارتها فلما حضر المعمار قال كم لحقكم غرامة على بناء هذه الدار فقال المعمار غرمنا ألفي دينار مصرية فأحضر من ساعته ألفي دينار مصرية وثوباً أطلس وعمامة مذهبة وحصاناً بطوق ذهب وسرج ذهب ودفع ذلك جميعه إلى الأمير أبي الفتح وقال له:

قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس

قلت: وما أحسن ما ضمن هذا البيت سيدي القاضي شهاب الدين بن حجر يمدح سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن الدمانيني المالكي رحمهما الله:

نسيت أن امدح بدر العلي ... فلم يدع برى وإيناس

قل لبني الدنيا ألا هكذا ... فليصنع الناس مع الناس

<<  <   >  >>