فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وللشيخ برهان الدين القيراطي ملغزاً فيه:

أهواءنا المختلفة ... قد أصبحت مؤتلفة

في شامخ بأنفه ... على العوالي أنفه

وذي جناح لم يطر ... ولك طير ألفه

جناحه طول المدى ... يبدي علينا رفرفة

كم من كئيب عاشق ... أهدى له مشرفه

ولا يزال مرسلاً ... لنجوه ملطفه

في الريح ضاع قول من ... على هواه عنفه

عليله الصحيح كم ... شفى قلوباً دنفة

وروحه لطيفة ... وذاته منحرفة

عن قلبه الدين أرى ... حب الهوى قد صرفه

ولم يكن مع الهوى ... أعطافه منعطفه

هواه تحت طوعه ... كيف يشاء يصرفه

كم عممت غمامة ... هامته المنكشفة

ما زال غير ساكن ... ساكنه مذ ألفه

وكلما لاح له ... من الهواء التقفه

فنى الوليد ذاته ... بذاته مؤتلفه

سكانها سميها ... في الغرب يبدي حيفه

فيه تشتي عصبة ... قد اصبحت مصيفه

ببدر ذو الرشد ولا ... ينسبه إلى السفه

حمدت مع تبذيره ... وبذله تصرفه

وكل ما أسرف في ... بلد شكرنا أسرفه

ونصفه مع جبل ... ملك سطاه متلفه

تصحيف ثلثيه جلت ... فض حديثه الشفة

وثلثه حر فإن بلل ... حرف فدع من حرفه

أنفاسه كم أودعت ... محاسناً مستلطفة

كم رنحت من غصن ... ذي قامة مهفهفة

معلتة وهو الصح? ... ?يح عند من قد عرفه

وثوبه البيض لا ... يزال يبدي صلفه

آخره مصنف ... لعالم قد صنفه

وبيت سلطان غدا ... يصون فيه تحفه

يكنى بسدسي لفظه ... عصابة مستنكفة

وسدسه أرى السما ... والأرض والماء يألفه

فاكشف معمى قلبه ... فمثلكم من كشفه

نهار ذهنكم محى ... من الظلام سدفه

يجري لحل المشكلا ... ت لم يخف توقفه

وبحركم در وما ... صادفت فيه صدفة

وللرقاب قلدت ... هباتك المؤلفة

كل البرايا نكرة ... وأنت فيهم معرفة

وخذ عروساً شنفت ... مذ جليت مشنفة

زهير لو بان له ... زهر جلاها قطفة

أغشى سناء طرفها ... إذا لاح طرف طرفه

حديقة حاسدها ... يرعد مثل السفعه

الباب التاسع

في النسيم ولطافة هبوبه

وإنما ذكرت النسيم لأنه من لوازم الباذهني، والنسيم الريح الطيبة ونسيم الريح أولها حين تقبل بلين قبل أن تشتد، ومنه الحديث "بعثت في نسيم الساعة" أي حين ابتدأت وأقبلت.

وما أحسن قول بعضهم * نسيم الريح بسيب الروح * قال أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي الرياح المعروفة أربع: الصبا: وهي تسلي عن الكروب، والجنوب وهي تجمع السحاب، والشمال: وهي تعصره وتفرقه، والدبور، وهي تهدم البنيان وتقلع الشجر وهي المذكورة في القرآن الريح العقيم وريح عاصف وريح صرصر.

وكل موضع جرى فيه ذكر الريح المراد بها الدبور والمراد بها العقوبة، وكل موضع جرى فيها ذكر الرياح في القرآن فإنه يرجع إلى الثلاثة التي تقدم ذكرها فيراد به الرحمة.

وقيل: الرياح ثمان أربع من الجهات الأربع، وأربع تسمى النكب لميلها، وتنكيبها عن الجهات الأربع فالشمال من ناحية الشام وذلك عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق فهبوبها من تحت بنات نعش، ويقابلها الجنوب وهي باردة يابسة صافية من الكدر تشد الأعضاء وتسد المسام وتحصر الحرارة في الباطن فينهضم الغذاء وتصفو بها كدورة الروح الحيواني الذي في القلب من الأبخرة الدخانية وتديم الصحة وتقوي حواس الدماغ وذلك إن وصلت إلى الجسم باعتدال وهي قليلة الهبوب ليلاً؛ لذلك تقول العرب في أحاديثها أن الجنوب قالت للشمال إن لي عليك فضلاً لأنني أسري وأنت لا تسري، فقالت الشمال إن الحرة لا تسري.

وكان المتوكل بيت مال يسميه بيت مال الشمال فكلما هبت شمالاً تصدق بألف درهم وسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه قول سحيم عبد بني الحسحاس:

وهبت شمالاً آخر الليل سحرة ... ولا ثوب إلا درعها وردائيا

فما زال بردي طيبا من نباتها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا

فقال عمر: إنك مقتول، فاتهم بعد ذلك بامرأة فقتل.

<<  <   >  >>