فصول الكتاب

<<  <   >  >>

واستمر فيها حتى ألم بذكر المقصورة فقال يصفها:

طورا تكون بمن حوته محيطة ... فكأنها سوراً من الأسوار

وتكون طوراً عنهم مخبية ... فكأنها ستر من الأستار

وكأنما علمت مقادير الورى ... فتصرفت لهم على مقدار

فإذا أحست بالإمام يزورها ... في قومه قامت إلى الزوار

يبدو فنبدو ثم تخفى بعده ... كتكوّن الهالات بالأقمار

فطرب المنصور لسماعها وارتاح لاختراعها والتفت إلى الجراوي وكان يعلم قلة تلسيمه لأبي بكر وكثرة غضبه منه فقال سلم له الجر ثم أنشده إذا لم تستطع شيئا فدعه قال أبو عبد الله بن عياش فخرج أبو بكر بن مجير والشعراء يومئذ يلومونه إن لم تكن أول منشد لا تخفى أشعارهم وتستر أعوارهم.

السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي الآمدي:

وحصن قد أناف برأس هضب ... منيف ذاهب في الجو سامي

تنفس في مرآة الأفق حتى ... كسا فولادها صدأ الغمام

محيي الدين بن عبد الظاهر يصف الجامع الأموي في ليلة نصف شعبان وإيقاده حيث لا تلمع الأعين مصباحا وتود أنها لا ترى لتلك الليالي صباحا إذ تمنطقت أركانه في اللهب بمناطق الذهب وبدت أشعتها في صفائه كما يبدو في الكأس وحاشاه الحبب لاسيما في ليلة النصف التي كم رفرف عليها النعيم وكم خدها إلا من النسيم:

كم للناس فيها لاح بدر ... يروق العين منظره الوسيم

بدا وبدا الوقود فقلت بدر ... لخدمته ترجلت النجوم

كم أضاء بوجهه ديحور وكم انعكست أشعة تلك الأضواء على وجهه المنير فكانت نورا على نور:

في خده للورى ربيع ... ونصف شعبان في فؤادي

أو كما قال الآخر:

وحلت مناطق خصره فكأنه ... شعبان كل حلاوة في نصفه

من كلام الأخ الحبيب أبي بكر بن حجة وأوميت بعد ذلك إلى الجامع الأموي فإذا هو لأشتات المحاسن جامع وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع وتمسكت بأذيال حسنه لما نشقت تلك النفحات الشحرية وتشوقت إلى النظم والنثر لما نظرت تلك الشذور الذهبية وآنست من جانب طوره نارا فرجع إلى ضياء حسي واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زهى بالبساط والكرسي وقت هذا ملك فاز من وقف في خدمته خائفا وشقي من لم يدس بساطه ويأتيه طائعا ومن الكلام الفاضلي قلعة تحسر العيون أن تتقضاها ويتوعر الأمل أن يترقاها قد ضربت فوق الجبل جرائها ولبست قبة النجوم ويحق فإنها ما برحت جيرانها وتطلعت للناظرين سحابة إلا أنها عزت أن تكون السماء عنانها.

الباب الثامن والأربعون في الحنين إلى الأوطان وتذكر من بها من القطان

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوتا فارتاع فقيل له في ذلك فقال ظننت أن ساكنا أزعج من منزله، وجاء أيضا حب الوطن من الإيمان وقال ابن عباس (لو قنع الناس بأرزاقهم قناعتهم بأوطانهم ما اشتكى أحد الرزق وكانت العرب إذا سافرت أخذت معها من تربة بلدها تستنشق ريحها وتطرحه في الماء إذا شربته وهكذا كان المتفلسف من البرامكة إذا سافر أخذ معه من تربة مولده في جراب يتدواى به ولما غزا اسفندبار بلاد الخرز اعتل بها فقيل له ما تشتهي قال شربة من دجلة وشميما من تراب اصطخر فأتي به بعد أيام بماء وقبضة من تراب وقيل له هذا من ماء دجلة ومن تربة أرضك فشرب واشتم بالوهم فنقه من علته.

القاضي الفاضل:

بالله قل للنيل عني أنني ... لم أشف من ماء الفرات غليلا

وسل الفؤاد فإنه لي شاهد ... أن كان طرفي بالبكاء بخيلا

قال الأصمعي:

يا قلب كم خلفت ثم بثنية ... وأظن صبرك أن تكون جميلا

<<  <   >  >>