فصول الكتاب

<<  <   >  >>

كأنه يعشق شمس الضحى ... فانظره في الصبح وعند المغيب

إذا تجلت يتجلى لها ... حتى إذا غاب سناها يغيب

يدنو إليها شاخصاً طرفه ... ولا يتحاشى نظرات الرقيب

لا يبتغي وجهاً سوى وجههاً ... فعل محب مخلص في حبيب

وقال ابن حمديس:

اشرب على بركة نيلوفر ... محمرة الأوراق خضراء

كأنما أزهارها أخرجت ... ألسنة النار من الماء

وقال ابن تميم وأجاد:

لينوفر لما تلبَّس ماؤه ... ثوباً فتاه على النجوم بثوبه

لحظته أعينها فنكس رأسه ... خجلاً وغاص من الحيا في ثوبه

وقال أيضاً:

غدا اللينوفر المصفر يحكى الن? ... ?نجوم فلا يغادرها شبيهاً

تغوص العين فيه إذا تجلى الن? ... ?نهار وفي ظلام يغوص فيها

وقال أيضاً:

ولينوفر كالزهر شكلاً ومنظراً ... محاسنه فيها اللواحظ ترتع

وكل نجوم لكن الفرق بينهما ... تغيب صباحاً وهو في الليل يطلع

وقال ابن حجة:

لينوفر الليل مذ أبدى تلونه ... أحمر وأزرق من ساسينا وشكا

قلنا له ذاك لون واحد وبه ... يسمو وأنت بليد وهو فيه ذكا

الباب السادس عشر

في الروضات والبساتين

أجمع جوابو أقطار الأرض على أن منتزهاتها أربعة سفد سمرقند وشعب بوان ونهر الأبلة وغوطة دمشق، قال أبو بكر الخوارزمي قد رأيتها كلها فضل الغوطة على الثلاث كفضل الأربع على غيرهن كأنها الجنة صورت على وجه الأرض فإما السفد فهو نهر تحف به قصور وبساتين وقرى مشتبكة العمائر ما مقداره اثنى عشر فرسخاً في مثلها، وأما شعب بوان فبقعة من نواحي كورة سابور يكون مقدارها فرسخين قد ألحقتها الأشجار ظلالها وجاست الأنهار خلالها وهذا الشعب لبوان بن أبراج أفريدون وفيها يقول المتنبي:

مغاني الشعب طيباً في المعاني ... بمنزلة الربيع من الزمان

ولكن الفتى العربي فيها ... غريب الوجه والبدن واللسان

ملاعب جنة لو سار فيها ... سليمان لسار بترجمان

غدونا نغض الأغصان فيه ... على أعرافها مثل الجمان

فسرت وقد حجبن الشمس عني ... وجئن من الضياء بما كفاني

وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيراً تفر من البنان

لها ثمر يشير إليك منه ... باشربة وقفن بلا أوان

وأمواه تصل بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني

إذا غنى الحمام الورق فيها ... أجابتها الأغاني والقياني

ومن بالشعب أحوج من حمام ... إذا غنى وناح إلى البيان

وقد يتقارب الوصفان جداً ... وموصوفاً هما متباعدان

تقول بشعب بوان حصاني ... اعن هذا تسير إلى الطعان

أبوكم آدم قد سن هذا ... وعلمكم مفارقة الجنان

وأما نهر الأبلة وهو من أعمال البصرة وطوله أربع فراسخ وعلى جانبيه بساتين كأنها بستان واحد قد حط على خط مستقيم وكأن نخله غرس في يوم واحد.

وأما الغوطة وهي من خير دمشق فإنها ناحية يكون طولها ثلاثين ميلاً وعرضها خمسة عشر ميلاً مشتبكة القرى والضياع لا يكاد أن يقع للشمس على أرضها شعاع للالتفاف أشجارها واكتثاف أزهارها.

وللشعر في وصفها قصائد كثيرة أضربنا عن ذكرها لتردد العلل فيما يختار منها إذ كلها حسان لو جمعت لحفيت من تسطيرها الأقلام وكلت البنان، وقد روي في بعض الأخبار عن كعب الأحبار أنه قال: غوطة دمشق بستان الله في أرضه، وقال جمال الدين بن نباتة كتبها المملوك ومنظر الروض قد شاق ودمع الغيث قد رقا ووجه الأرض قد راق والغصون المنعطفة قد أرسلت أهواء القلوب بالأوراق وحمائمها المترنمة قد جذبت القلوب بالأطواق والورد قد أحمر خده الوسيم وفكت أزراره من أجياد القضيب أنامل النسيم وخرجت أكفه من أكمامه بأخذ البيعة على الأزهار بالتقديم.

وقال مجير الدين بن تميم:

كيف السبيل بلثم من أحبته ... في روضة للزهر فيها معرك

ما بين منثور وناظر نرجس ... مع أقحوان وصفه لا يدرك

وهذا يشير بأصبع وعيون ذا ... ترنو إليّ وثغر هذا يضحك

<<  <   >  >>