للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال: نزلنا بالميدان الأخضر في الزمان الأنضر والربيع في ريعانه والزهر في زهوه والروض في ضوعه وضوئه فضربت سرادقات السلطان في صدر الميدان وضربت خيمتي عن يمينها على العادة في البستان، ولقد أسفت على تلك المستنزهات كيف تشعثت وأيدي التعدي بها قد تشبثت. ثم للعساكر على كثرتها من بعيد بالبلد أحاطت واشتطت في حب الكريهة واستشاطت، وفي كل غدوة وعشية وكرب إلى كروب وهبوب إلى وثوب وتاج الملوك موقد نارها وخايض تيارها والسلطان لاشفاقه على الرجال الإسلام وأبطال الشام (٢١٣ب) يأمرهم بالكف وينهاهم عن الزحف والشباب يشبون الضرام ويحبون الأقدام فأصابت تاج الدين طعنة لم يكترث بها وفكت ركبته وقلت ركبته وقضت بفلول شبا شبابه ودبول جني جنانه ومؤول رتبته إلى ترابه.

المنزلة الثانية: ثم رأى السلطان أن مقامه في الميدان الأخضر لا يقضي بتضييق حصر ولا يفضي إلى تحقيق نصر فصبحنا بعد أيام على عوم الرحيل وازماع التحويل وعبرنا بمن معنا من العساكر على بيوت الحاضر ولما وصلنا إلى جبل جو شن ضربنا عليه الخيام وأطلنا به المقام وأحضر السلطان بنائين وصناعا وأمر بحفر أساس لقصر يبنيه ونصر يحييه وقال: نحن نتصرف في البلاد والأعمال ونقطعها للرجال ونترك حلب على ما بها من الحال وأمر بترك القتال والإعفاء عن النزال وسكنا ماكثين وركنا لابثين ولرسل الترهيب باعثين وفي عقد الترغيب نافثين ونذكر أننا من عباد الله الصالحين الذين جعلهم الله للأرض وارثين ولقد صفت حلب بحلبها وضنت ببيضها ويلبها وسمع شفاه شفاهها وقطع فحسن أفواهها والسلطان يحمل ويحلم ويتغابى وهو يعلم ويعاود الاستمالة ويواعد بالإقالة وكان عماد الدين صاحب حلب للسوء عايفا وبعواقب الأمر عارفا راغبا في التحدي بالإتحاد والاعتداد بالاعتضاد أماطة للبلاء عن البلاد فأفكر ووجد عليه في كل شهر ما ينفقه ثلاثين ألف دينار على الأجناد وكان يعتمد على رأي الأمير حسام الدين طمان وهو قديما يوالي السلطان ويؤثر المرافقة والموافقة ويحب في مضمار الولاء المسابقة فأشار على عماد الدين بما كشفه من ضميره ووعده إذا سفر فيه بإذكاء الغرس وتثميره وتسهيل الصعب وتيسيره فخرج ليلا من باب السر سرا وبر بالحضور وأحضر برا وقد قر بقربه السلطان وخلا لخلابه وشفي عتابه بأعتابه وسامه أصحاب الأسد الحادر من غابه وأعطاه يمينه مع سطر يمينه في كتابه فعاد الأمير طمان مطمئن الجنان مرجحن الميزان وأفضي إلى مخدومه بسر مكتوبه فأصبحنا بكرة ببكر الفتح وقد جليت وراية النصر قد أعليت وعروس القلعة قد حليت والأبواب قد فتحت والاراب قد نجحت وعرف الأمراء فمنهم من خجل ومنهم من وجل فأرسل إليهم السلطان واستزال روعهم وخوفهم واستزاد طوعهم وشوقهم ومدح لجاجهم وحمد ارتياحهم وشفع انكسارهم بجبرهم وقرضهم على صبرهم وحدثهم بما طيب النفوس بعد الحادث الذي شيب الرعوس وأزال ببشره العبوس وأوجد النعمى وأعدم البوس

[ذكر نكتة قال ومدح القاضي محي الدين بن الزنكي السلطان بأبيات منها]

وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشر بفتوح القدس في رجب

فوافق فتح القدس كما ذكره فكأنه من الغيب ابتكره ففي صفر سنة تسع وسبعين كان فتح حلب وكان فتح القدس سنة ثلاث وثمانين في رجب.

قال: ويشبه هذا أنني في سنة اثنتين وسبعين طلبت من السلطان جارية من سبى الأسطول المنصور بأبيات هي:

يومل المملوك مملوكة ... تبدل الوحشة بالإنس

تخرجه من ليل وتواسيه ... بطلعة تشرق كالشمس

فوجدة الغربة قد حركت ... سواكن البلبال والمس

فلا تدع يهدم شيطانه ما ... ما أحكم التقوى من الأس

فوقع اليوم بمطلوبه مما ... سبى الأسطول بالأمس

وإنني آمل بعدها بكرايم ... السبى من القدس

<<  <   >  >>