للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وكان قد حضر (حرب داحس والغبراء) وحسن فيها بلاؤه وحمدت مشاهده. وحدثت حروب بين (جديلة) و (ثعل) وكان عنترة مع (جديلة) فنصرهم فانتصروا. فشكاه (الثعلبيون) إلى (غطفان) .

ووقائعه كثيرة يشتبه فيها الصحيح بالموضوع.

وكان (عمرو بن معد يكرب) معاصرا لعنترة، وقد روي عنه أنه قال: "لو سرت بظعينه وحدي على مياه (معد) كلها ما خفت أن أغلب عليها، ما لم يلقني حراها أو عبداها. فأما الحران (فعامر بن الطفيل) و (عتيبة بن الحارث بن شهاب) ، وأما العبدان فأسود بني عبس (يعني عنترة) و (السليك بن سلكة) ، وكلهم قد لقيت، فأما (عامر بن الطفيل) فسريع الطعن على الصوت، وأما (عتيبة) فأول الخيل إذا أغارت وآخرها إذا آبت، وأما (عنترة) فقليل الكبوة شديد الجلب، وأما (السليك) فبعيد الغارة كالليث الضاري.

[موت عنترة]

ذكروا لموته أسبابا: فقال (ابن حبيب) و (ابن الكلبي) : "أغار (عنترة) على (بني نبهان) من طيء، فأطرد لهم طريدة وهو شيخ كبير، فجعل يرتجز وهو يطردها. وكان (وزر ابن جابر النبهاني) في فتوة فرماه وقال خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه. فتحامل بالرمية حتى أتى أهله، فقال وهو مجروح:

وإن ابن سلمى عنده ... فاعلموا

دمي

وهيهات لا يرجى ابن سلمى ولا دمي

إذا ما تمشى بين أجيال طيء ... مكان الثريا، ليس بالمتهضم

رماني ... ولم يدهش

بأزرق لهذم،

عشية حلوا بين نعف ومخرم

قال ابن الكلبي: وكان الذي قتله يلقب بالأسد الرهيص.

وذكر (أبو عمرو الشيباني) أنه غزا (طيئا) مع قومه، فانهزمت (عبس) فخر (عنترة) عن فرسه، ولم يقدر من الكبر أن يعود فيركب، فدخل دغلا. وأبصره ربيئة طيء، فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيرا، فرماه وقتله.

وذكر أبو عبيدة أنه كان قد أسن واحتاج وعجز بكبر سنه عن الغارات. وكان له على رجل من (غطفان) دين. فخرج يتقاضاه إياه. فهاجت عليه ريح من صيف، وهو بين (شرج) و (ناظرة) فأصابته وقتلته. والله أعلم.

[قصته]

لم يشتهر أحد من الجاهلية وكثير من أهل الإسلام بين العامة والخاصة اشتهار عنترة، فلا تكاد ترى رجلا أو امرأة أو صبيا أو صبية، عالما أو جاهلا، فقيرا أو غنيا، إلا وهو يعرف اسمه أو يسمع شيئا عنه. وسبب اشتهاره قصته المشهورة التي لم يعب أحد سماعها. والقصة عبارة عن رواية تاريخية وضعت بعد صدر الإسلام، ولم يعرف واضعها، غير أنهم ينسبونه إلى (الأصمعي) - في أوائل القرن الثالث للهجرة - لنه قد ورد اسمه فيها رواية عنه. وأكثر ما ورد عنه إنما هو من قبيل الروايات الخيالية وكثيرا ما تنسب وقائع جرت لغيره له. لذلك قد التبس الصحيح منها بالموضوع. غير أن بعضها صحيح لأنه يقويه ما ورد في كتب التاريخ والأدب. والقصة لم تؤلف دفعة واحدة على ما يظهر، وإنما وضعت شيئا فشيئا حتى بلغت ما هي عليه الآن. وقد جمعت بمصر في أواخر القرن الرابع الهجري في زمن الخليفة الفاطمي (العزيز بالله) . وقد رووا في سبب جمعها وتدوينها أن رجلا يقال له (الشيخ يوسف بن إسماعيل) كان له اتصال بباب (العزيز بالله) . فاتفق أن حدثت ريبة في دار العزيز فلهج بها الناس، فساء العزيز ذلك، فأشار على (الشيخ يوسف) هذا أن يضع للناس ما يلهيهم عما حدث، وكان (الشيخ يوسف) كثير الرواية لأخبار العرب واسع التحديث بها كثير النوادر، وهو يروي روايات كثيرة عن (أبي عبيدة) و (نجد بن هشام) و (جهينة الأخبار) و (الأصمعي) وغيرهم من الرواة المشهورين. فجمع شتات هذه القصة وزاد فيها كثيرا من أخبار العرب ووقائعهم، وأسند روايتها إلى الأصمعي، ووزعها على الناس فأعجبوا بها حتى شغلتهم عن ذلك. وقد قسمها إلى اثنين وسبعين كتابا، وكان يقطع الكلام حيث يشوق القارئ إلى ما بعده، فيضطر إلى البحث عن الكتاب التالي. فإذا وقف عليه انتهى به إلى مثل ما انتهى في الأول، وهكذا حتى يحدوه الشوق إلى إتمام القصة.

الكلام على شعره

<<  <   >  >>