فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ما قلت أين الناس؟ إلا قيل لي: ... تحت الثرى وصفائح الأحجار

وعنى النفوس هو الغنى لا مالها ... يا رب مالٍ جالبٍ للعار

وإذا أردت الفقر أين محله ... فاطلبه عند الباخل المكثار

شيئان لا يشغلك شيء عنهما: ... تقوى الإله وصحبة الأخيار

وقوله من أخرى يرثي فيها ولده:

دع الأيام تخطئ أو تصيب ... فما من بعد فقدك ما يريب

نعاف الموت أن يأتي قريباً ... وفي تأخيره ذاك القريب

وتعجبنا مسالمة الليالي ... وفي تلك المسالمة الحروب

وكيف يلذ بالدنيا لبيب ... تخاطبه بفرقتها الخطوب

قضى مني الشباب اليوم نحباً ... وأخشى أنه يقضي المشيب

وهل يرجو العليل شفاء داءٍ ... إذا كان الذي يضني الطبيب

كأن الدهر مطبوع بجهل ... فأعدى من يكون له أديب

رماني الدهر لم يخطئ فؤادي ... وكان به فما ربح الحبيب

وقد ينبي عن الأمل التداني ... وقد يدني من الأجل الهروب

أحين تراءت الآمال فيه ... كمثل الأثر بيديه القضيب

وأعطتني به السلم الأعادي ... وأضحكني به الدهر القطوب

وجاد به على بخل زماني ... وقد يندى لك الصخر الصليب

فأي ذخيرة أعددت فيه ... على علم بحادثة تنوب

وسماه العلي "أبو علي" ... وقد تفضي بلائحها الغيوب

طواني البين فيه على إياس ... وفجعني به الأمل الكذوب

قضيب وما قضيت حقوق بذلٍ ... يصان بها الغريب والقريب

ولم ترقب لأعشار المعالي ... فيألفك المعلى والرقيب

ولم تصبح غداتك في مساء ... كأن الشمس طالعة تغيب

فلو غير الحمام دهاك يوماً ... رماه عنك شبان وشيب

إذا شرعوا العوالي في عوانٍ ... فأحداث تصول بها خطوب

منها:

كأنهم الشموس إذا أضاءت ... ولكن الشموس لها غروب

فإن أجزع فلي قلب جليد ... وإن أصبر فلي قلب كئيب

وإن شقت على ولدٍ جيوب ... فقد شقت عليك أسىً قلوب

يحن لخندق الصحراء قلبي ... كما حنت إلى الأوطان نيب

وما الصحراء لي وطناً ولكن ... بها شخص إلى قلبي حبيب

يطيب الموت بعدك وهو مر ... وأما العيش بعدك لا يطيب

وله:

يا معتباً لو شاء ما أعتبا ... يعذب عندي كلما عذبا

لا تنكرن الموت من لحظه ... ما بين أجفان الظباء الظبا

كأنه من طيب أنفاسه ... نشر الصبا يهدي إلي الصبا

[76- الأمير أبو محمد القاسم بن نزار الكلبي]

كان مقيماً بمصر وتولى شرطتها وله:

عض تفاحة وناولنيها ... آه منها وآه من مهديها

فإن اشتقت منه طيب ثنايا ... هـ أقبل مواضع العض فيها

وله:

إني متى يجفو الحبي ... ب وصلت جفوته ببين

ومنعت عيني أن ترا ... هـ ولو رأته فقأت عيني

وجعلته بفعاله ... في العين مثل قذاة عين

ووضعته دون الحضي ... ض لو أنه في الفرقدين

وقطعته لو كان يش ... به أحمد ابن أبي الحسين

[77- أبو عبد الله محمد بن أحمد، صاحب ديوان الإنشاء]

له نثر ونظم، فمن شعره قوله يرثي الأمير ثقة الدولة يوسف من قصيدة أولها:

حنانيك ما حَيُّ على الدهر يسلم

يقول فيها:

تأمل بعين الفكر تدرك حقائقاً ... من العلم ليست عن ظنونٍ تترجم

إذا حان منك الحين لم تغن رقيةٌ ... ولم يدفع المحتوم عنك منجم

فخذ حذراً من فجأة الموت إنما ... تسير على إثر الذين تقدموا

فلو كان مخلوقٌ من الموت ناجياً ... نجا في رؤوس الشمخ الشم أعصم

يعز علينا أن تؤبن هالكاً ... وعادتنا فيك المديح المنمنم

سقى الله أرضاً حلها قبر يوسفٍ ... من المزن وكافاً يجود ويسجم

وصلى عليه الله من متوسدٍ ... يميمناً لها في كل فضلٍ تقدم

[78- أبو عبد الله محمد بن أحمد الصباغ التميمي]

واسع الكلام، كثير النظام، فمن شعره يمدح إسماعيل بن علي الخزاعي

حنت إلى الصد تبغي طاعة الليل ... لما درت أن قلب الصب في شغل

إذا بدت قلت: غصنُ فوقه قمرٌ ... من تحت ليلٍ على أعلاه منسدل

<<  <   >  >>