فصول الكتاب

<<  <   >  >>

ووجهك أم صبحٌ وفرعك أم دجى ... ولحظك أم عضب الغرارين مرهف

فيا زهرة الدنيا التي ليس تجتنى ... من الصون إلا بالعيون وتقطف

تقاسمك الضدان: شطرٌ مثقلٌ ... يحمل أعباءً، وشطرٌ مخفف

سقى ورعى الله الليالي التي خلت ... فكم ضمني فيها وضمك مطرف

ولهفي عليها أو أموت بحسرةٍ ... وإن كان لا يجدي علي التلهف

أقلبي الذي راع العذول اضطرابه ... فأقصر عني، أم جناحٌ، يرفرف

ضلالٌ رجاء العاذلين إنابتي ... وإن قيدوني جاهلين وعنفوا

وماذا عليهم أن أجود بتالدي ... وأفني طريفي قبل يومي وأتلف

لهم ما أقتنوا فليحرصوا في ادخاره ... ولي كنزٌ شعرٍ لا يبيد ويوسف

هو الجبل الراسي الذي ليس ينتهي ... وبحر الندى الطامي الذي ليس ينزف

[87- أبو محمد النحوي المعروف بالدمعة]

أحد فرسان النحو المعلمين، ورجاله الحفاظ السابقين. وله شعر صالح، ومنه أبيات كتب بها إلى بعض إخوانه:

أتاني كتاب بعد طول تطلع ... فاحبب به عندي كتاباً وأجمل!

كتاب امرئ لم ينقض الناي عهده ... ولم يسل عن ود ولم يتبدل

فجاء مجيء الغيث بعد انقباضه ... وهب هبوب العنبر المتنخل

قررت به عيناً، وإن كان موجعي ... وطبت به نفساً وإن كان معولي

[88- أبو عبد الله محمد بن زيد الطرطائي]

أخذ من كل العلوم بالحظ الوافي، متقدم في علم الأوزان والقوافي. ولم يكن في وقته من يدانيه في ذلك إلا الشيخ العروضي الصقلي، فإنهما كانا في وقتهما فرسي رهان وشريكي عنان. وله مع ذلك شعر صالح، منه قوله:

يكلأ الله من جفاني وجداً ... وسباني بغنجه ثم صدا

إن يكن غاب لم يغب عن ضميري ... عين قلبي تراه قربا وبعدا

حل مني محل روحي منه ... ليته أعقب التجنب ودا

وقال:

عبرتي فيك ما لها من نفاد ... وزفيري ولوعتي في ازدياد

ما وصول الغداة يغري سقيما ... باتصال الأسى وهجر الرقاد

عبدك المحض وده لك تقصي ... هـ لتشفي به قلوب الأعادي

كيف ترضى خلاف حسنك يا من ... حسنه فاق حسن كل العباد

[89- أبو عبد الله محمد بن سدوس النحوي الكاتب]

برع في النحو على أهل زمانه، وكان النظم والنثر طوع عنانه، فمن شعره قوله يعاتب أبا الحسن الكاتب الصقلي من أبيات يقول فيها:

وكنت تراني الرئيس الجليل ... وكنت أراك الرئيس الجليلا

إلى أن قصدت هضاب الإخاء ... فصيرتهن كثيباً مهيلا

تشيع علي الذي لم أقله ... وتسمعه الخلق جيلاً فجيلا

وهبني قد قلته مخطئاً ... أما في المروءة ألا تقولا!

وله يهجو بعض كتاب القاضي أبي الفضل بصقلية:

قل لمن يقضي ويمضي ... ويرى الرأي الجزيلا

أنت كالمسك ولكن ... جئت بالحسن عديلا

لو كما يجهل يدري ... كان الله رسولا

وله:

تطاول هذا الليل حتى كأنما ... هو الدهر لا صبحٌ ينير ولا فجر

وضن علي الطيف بالوصل في الكرى ... فيا عجبا حتى الخيال له هجر!

وله:

يقولون طال الليل جهلا ولم يطل ... ولكن أشواقي إليك تطول

ولي أدمع كالقطر تبكيك كثرةً ... ونوم إذا نام الخلي قليل

[90- أبو بكر محمد بن سهل الكاتب المعروف بالزريق]

أحد كتاب الحساب بالجزيرة. وله نثر ونظم، منه قوله:

لها عندي وإن منع الوصال ... ونادى الكاشحون بنا وقالوا

سرائر لو نطقت بها لقامت ... بحجتها، وإن كثر الجدال

سأصبر ما استطعت على نواها ... فيوشك أن يكون لها نوال

لعل خيالها وهنا طروقٌ ... وهل مجدٍ إذا رق الخيال

وكيف يزورني طيفٌ بليلٍ ... وما للنوم في عيني مجال

وقوله:

أنت المصفى جوهراً حين لا ... يصفو لنا من أحدٍ جوهر

عهد الهوى عندك لا ينقضي ... وذمة الإخوان لا تخفر

لا تمذق الود لذي خلىٍ ... ولا يرى، الدهر، به تغدر

ضرائب الناس وأخلاقهم ... شتى ضروب عندما تخبر

منها الزلال العذب إن ذقته ... يوماً، ومنها الآجن الأكدر

فالخير فيهم ثمدٌ آجن ... والشر فيهم حصرم يزحر

<<  <   >  >>