للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

- فَأَمَّا أَمَانُ الذِّمِّيِّ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَائِلٌ إلَيْهِمْ لِلْمُوَافَقَةِ فِي الِاعْتِقَادِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ بِالْأَمَانِ النَّظَرَ لِلْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ هُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ نُصْرَةِ الدِّينِ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِمْ فِي الْقِتَالِ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِعَانَةِ بِالْكِلَابِ، أَوْ كَأَنَّ ذَلِكَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي قَهْرِ الْمُشْرِكِينَ، حَيْثُ يُقَاتِلُهُمْ بِمَنْ يُوَافِقُهُمْ فِي الِاعْتِقَادِ. وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يَتَحَقَّقُ فِي تَصْحِيحِ أَمَانِهِمْ بَلْ فِي إبْطَالِهِ.

- قَالَ: فَأَمَّا أَمَانُ الْغُلَامِ الَّذِي رَاهَقَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ فَعَقَلَ الْإِسْلَامَ وَوَصَفَهُ. فَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي قَوْلِ (٦٧ ب) أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَفِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -. جَائِزٌ. لِأَنَّهُ يَصِحُّ إسْلَامُهُ إذَا كَانَ عَاقِلًا. وَمَنْ صَحَّ إيمَانُهُ صَحَّ أَمَانُهُ بَعْدَ إيمَانِهِ. وَهَذَا لِأَنَّ الْأَمَانَ نُصْرَةُ الدِّينِ بِالْقَوْلِ. فَإِذَا اُعْتُبِرَ قَوْلُ مِثْلِهِ فِي أَصْلِ الدِّينِ فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَقُولُ فِي مَعْنَى الْخَيْرِيَّةِ وَالنَّظَرُ فِي الْأَمَانِ إنَّهُ مَسْتُورٌ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا مَنْ اعْتَدَلَ، وَاعْتِدَالُ الْحَالِ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ هُوَ لَا يَمْلِكُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ الْخَيْرِيَّةَ فِي الْأَمَانِ لِمَنْ يَكُونُ مَالِكًا لِلْقِتَالِ مُبَاشِرًا لَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونًا فِي الْقِتَالِ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يَقُولُ: يَصِحُّ أَمَانُهُ لِكَوْنِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ. وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِنَا كَانَ يَقُولُ: لَا يَصِحُّ أَمَانُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَدِلِ الْحَالِ، فَلَا يَتِمُّ مَعْنَى النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَمَانِهِ. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.

<<  <   >  >>