فصول الكتاب

<<  <   >  >>

وَعظم صورته وبديع منظره وَطول خرطومه وسعة أُذُنه، وَطول عمره وَثقل حمله وخفة وَطئه فَإِنَّهُ رُبمَا مر بالإنسان وَلَا يشْعر بِهِ لحسن خطوه واستقامته، ولطول عمره حكى أرسطو أَن فيلاً ظهر أَن عمره أَرْبَعمِائَة سنة وَاعْتبر ذَلِك بِالْمَوْسِمِ. وَبَينه وَبَين السنور عَدَاوَة طبيعية حَتَّى أَن الْفِيل يهرب مِنْهُ، كَمَا أَن السَّبع يهرب من الديك الْأَبْيَض، وكالعقرب وَأَنَّهَا مَتى رَأَتْ الوزغة مَاتَت. وَذكر الْقزْوِينِي أَن فرج الفيلة تَحت بَطنهَا، فَإِذا كَانَ وَقت الضراب ارْتَفع وبرز للفحل حَتَّى يتَمَكَّن من إيتانه فسبحان من لَا يعجزه شَيْء عَن شَيْء. وَلما رد الله سُبْحَانَهُ الْحَبَشَة عَن مَكَّة وأصابهم مَا أَصَابَهُم من النقمَة، أعظمت الْعَرَب قُريْشًا، وَقَالُوا: أهل الله قَاتل عَنْهُم وكفاهم مُؤنَة عدوهم فَجعلُوا يَقُولُونَ فِي ذَلِك الْأَشْعَار، ويذكرون فِيهَا مَا صنع الله تَعَالَى بِالْحَبَشَةِ وَمَا دفع عَن قُرَيْش من كيدهم، ويذكرون الأشرم والفيل ومساقه إِلَى الْحرم وَمَا أَرَادَ من هدم الْبَيْت وَاسْتِحْلَال حرمته.

فصل: ذكر بِنَاء قُرَيْش الْكَعْبَة فِي الْجَاهِلِيَّة

كَانَت الْكَعْبَة قبل أَن تبنيها قُرَيْش وضماً يَابسا لَيْسَ بمدر تبروه العناق، وَكَانَ بَابهَا بِالْأَرْضِ وَلم يكن لَهَا سقف وَإِنَّمَا تدلي الْكسْوَة على الْجدر من خَارج وتربط من أَعلَى الْجدر من بَطنهَا، وَكَانَ فِي بطن الْكَعْبَة عَن يَمِين من دَخلهَا جب يكون فِيهِ مَا يهدي للكعبة من مَال وَحلية كَهَيئَةِ الخزانة، وَكَانَ على ذَلِك الْجب حَيَّة تحرسه بَعثه الله مُنْذُ زمن جرهم، وَذَلِكَ أَنه عدا على ذَلِك الْجب قوم من جرهم فسرقوا مَالهَا وحليتها مرّة بعد مرّة، فَبعث الله تَعَالَى تِلْكَ الْحَيَّة فحرست الْكَعْبَة وَمَا فِيهَا خَمْسمِائَة سنة، ثمَّ لم تزل كَذَلِك حَتَّى بنت قُرَيْش الْكَعْبَة، وَكَانَ قرنا الْكَبْش الَّذِي ذبحه إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام

<<  <   >  >>