للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

منعّمةٌ لو يدرج الذرُّ بينها ... وبين حواشي بردها كاد يجرح

وما نظرت عيني إلى ذي بشاشةٍ ... من الناس إلا أنت في العين أملح

ثم بكى حتى غشي عليه، فأفاق وهو يقول:

ما أعيف النهدي لا در رده ... وأزجره للطير لا طار طائره

رأيت غراباً ساقطاً فوق بانةٍ ... ينتّف أعلى ريشه ويطايره

فقال غرابٌ اغترابٌ من النوى ... وبانة بينٌ من حبيب تعاشره

ثم لم يزل باكياً حتى أدركه الموت ولم ير ضاحكاً بعدها، وقيل فيه من الشعر:

تنادى الطائران ببين سلمى ... على غصنين من غربٍ وبان

فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني

أخذه أبو الشيص فقال:

أشاقك والليل ملقي الجران ... غرابٌ ينوح على غصن بان

أحصُّ الجناح شديد الصياح ... يبكي بعينين ما تدمعان

وفي نعبات الغراب اغترابٌ ... وفي البان بينٌ بعيد التداني

ولآخر:

أقول يوم تلاقِينا وقد سجعت ... حمامتان على غصنين من بان

الآن أعلم أن الغصن لي غصصٌ ... والبان بينٌ قريبٌ عاجلٌ داني

فقمت تخفضني أرضٌ وترفعني ... حتى وثبت وهذا السير إزكاني

ولآخر:

أقول وقد صاح ابن دأية غدوةً ... بوشك النوى لا أخطأتك الشوابك

أفي كل يومٍ رائعي منك روعةٌ ... ببينونة الأحباب عرسك فارك

فلا بضت في خضراء ما عشت بيضةً ... وضاقت برحبيها عليك المسالك

[محاسن الشعر في هذا الفن]

لبعضهم:

وقالوا عقابٌ قلت عقبى لهم من النوى ... دنت بعد شحطٍ منهم ونزوح

وقالوا حمامٌ قلت حُمَّ لقاؤها ... وعادت لنا ريح الوصال تفوح

وقالوا دمٌ دامت مودة بيننا ... وطلحٌ فنيلت والمطيُّ طلوح

وقالوا تغنّى هدهدٌ فوق أيكةٍ ... فقلت هدىً تغدو بنا وتروح

وحكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج يتصيد ومعه عديّ بن زيد فمرّ بآرامٍ، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:

أيها الركب المخبو ... ن على الأرض تمرون

فكما كنتم فكنا ... وكما نحن تكونون

قال: أعد. فأعاد، فرجع كئيباً وترك صيده. قال: ثم خرج معه خرجة أخرى فوقف على آرام بظهر الكوفة، فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: فإنها تقول:

رُبّ ركبٍ قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال

ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالاً بعد حال

فانصرف وترك صيده.

عبد الله بن مسلم قال: حدثت عن معاوية أنه سأل عبيد بن شرية الجرهمي عن أعجب شيء رآه فقال: نزلت بحيّ من قضاعة في الجاهلية فأخرجوا جنازة لرجل من بني عذرة فخرجت معهم حتى إذا واروه تنحيت جانباً وعيناي تذرفان ثم تمثلت بأبيات من شعر كنت رُوّيتها قبل ذلك الزمان:

استقدر الله خيراً وارضينّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير

وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرّمس تعفوه الأعاصير

يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور

حتى كأن لم يكن إلا تذكُّره ... والدهر أيتما حالٍ دهارير

قال: وإلى جانبي رجل يسمع ما أقول، فقال: أتدري من قائل هذه الأبيات؟ قلت: لا والله. قال: والذي يُحلف به أنه لصاحب هذا القبر وهذا ذو قرابته أسرّ الناس بموته وأنت الغريب تبكي عليه! فعجبت مما ذكره في شعره والذي صار إليه من قوله كأنه نظر إلى نفسه بعد موته.

قال: ولما بعث أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى حيّ من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالساً على شراب له وهو يغني بهذه الأبيات:

ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريبٌ وما ندري

<<  <   >  >>