للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فقلت في نفسي: ضُممت إلى من أريد أن أتعلم منه.

وكان يقال: ينبغي للعاقل أن يحفظ لسانه كما يحفظ موضع قدمه، وقيل: من لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه. وقال الشاعر:

عليك حفظ اللسان مجتهداً ... فإن جل الهلاك في زلله

ولآخر:

وجرح السيف تدمله فيبرا ... وجرح الدهر ما جَرح اللسان

جراحات الطعان لها التئامٌ ... ولا يلتام ما جرح اللسان

ولآخر:

وجرح اللسان كجرح اليد

ولآخر:

وجرح السيف يأسوه المداوي ... وجرح القول طول الدهر دامي

[مساوئ جناية اللسان]

أحمد بن إبراهيم الهاشمي قال: لما عفا أبو العباس السفاح عن سليمان بن هشام بن عبد الملك وعن ابنيه قرّبهم وأدناهم وبسطهم حتى كانوا يسمرون عنده بالليل، وكان سليمان إذا دخل ثنيت له وسادة وكذلك لابنيه وربما طرحت لهم نمارق ونصبت لهم كراسي، فإنهم عنده ذات ليلة أو ذات يوم إذ دخل إليه أبو غسان الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل متلثم أناخ راحلته وقال: استأذن لي على أمير المؤمنين. فقلت: ضع عنك ثياب سفرك.

فقال: لا أحط رحلي ولا أسفر عمتي حتى أنظر إلى وجه أمير المؤمنين. فقال أبو العباس: فهل سألته من هو؟ قال: قد فعلت فذكر أنه سديف مولاك. فقال: سديف سديف! ائذن له فدخل رجل أحم طويل يتثنى عليه ممطر حرٍ ومعه محجن يتوكأ عليه، فلما نظر إلى أبي العباس سفر عن وجهه ثم سلم ودنا وقبل يده ثم انصرف إلى خلفه. فقام مقام مثله وأنشده:

أصبح الملك ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس

لا تقيلن عبد شمسٍ عثارا ... واقطعن كلّ رقلة وغراس

ولقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي

أنزلوها بحيث أنزلها الل ... هـ بدار الهوان والإتعاس

واذكروا مصرع الحسين وزيدٍ ... وقتيلاً بجانب المهراس

والقتيل الذي بحران أمسى ... ثاوياً بين غربةٍ وتناسي

نعم شبل الهراش مولاك لولا ... آودٌ من حبائل الإفلاس

فقام سليمان بن هشام فقال: يا أمير المؤمنين إن مولاك هذا مثل بين يديك يبعثك على قتلي وقتل ابني ويحدوك على طلب ثأرك منا، وقد بلغني أنك تريد اغتيالي. فقال أبو العباس: والله ما كان عزمي أن أقتلك ولا أن أسيء بك ولا أطالبك بشيء مما طالبت به أهل بيتك، فأما إذ وقع في خلدك إني أغتالك فيا جاهل من يحول بين وبينك وبين قتلك حتى أغتالك؟ ثم أمر بقتله وقتل ابنيه.

فقال سليمان لقاتله أبي الجهم: إنك قد أمرت بأمر لا بد لك من إنفاذه وحاجتي إليك أن تقدم ابني حتى أحتسبهما، ففعل.

وخرج سديف وقد وصله العباس بخمسة آلاف دينار وهو يقول: قد قرّت العينان واشتفت النفس فلله الحمد والشكر! وحكي عن شيرويه بن أبرويز أن رجلاً من الرعية وقف له يوماً وقد خرج من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل ساسان من جبريته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان يأخذ بالإحنة، ويقتل بالظن، ويخيف البريّ، ويعمل بالهوى.

فقال شيرويه لبعض حجابه: احمله إلي. فحمل. فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: كنت في كفاية العيش. قال: فكم رزقك بما سمعت اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء. قال: فهل وترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ قال: لا. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك مادة رزقك ولا وترك في نفسك، وما للعامة والوقوع في الملوك وهم رعية؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: حق ما يقال: الخرس خير من البيان بما لا يجب. وقال بعض الشعراء في مثله:

يا ليت أني لا أموت بغصتي ... حتى أرى رجلاً يقول فيصدق

احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكّل بالمنطق

ولآخر:

لعمرك ما شيءٌ علمت مكانه ... أحق بسجنٍ من لسان مذلل

على فيك مما ليس يعنيك قوله ... بقفلٍ شديدٍ حيث ما كنت فاقفل

ولآخر:

إذا الأمر أعيا اليوم فانظر به غداً ... لعل عسيراً في غدٍ يتيسر

ولا تعد قولاً من لسانك لم يرض ... مواقعه من قبل ذاك التفكر

<<  <   >  >>