للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

متعاكفان على تعاطف وائتلاف، ومتعارفان على تهارج واختلاف.

فعلقا فتى ألحم بينهما بسحره الألفة، وأماط فيما بينهما حجاب الكلفة.

وبقيا سنين متلازمين تلازم الدليل بالمدلول، والعلة بالمعلول.

ومتصلين أتصال الأرواح بالأشباح، والمساء بالصباح.

حتى اكتسى خد الفتى بالعذار، وطلع الشيب في عوارضهما متهماً بالإنذار.

هناك تيقظ الفرفوري من سناته، وعدى عما كان فيه هناته.

وكتب إلى الشاهيني:

ولَّما أن بدا شَيبٌ بفَوْدِى ... خلُصتُ من الصبابِة باحْتيالِ

وصرَّفتُ المحبة كيف شاءتْ ... كأن الحبَّ لم يخطُر ببالِي

فأحسنُ ما يقال بأن قلبي ... سلَا يسلُو سلُوًّا فهْو سالِي

فكتب إليه قصيدة هز بها إلى رعى حقوقه، واستدفاع عقوقه.

وموافقته فيما إليه جنح، متيمنا بما إليه طير رشاده سنح.

سيما وقد تبين الرشد من الغي، وصار النشر إلى الطي.

والقصيدة المذكورة، ومن أحاسن أشعاره المشهورة.

إلا أنها طويلةٌ جداً، فاقتصرت من وابلها على الطل، واكتفيت عن أكثرها بالأقل.

ومطلعها:

أقصيدتي مُورِي بجَهْدك مُورِى ... وتيمَّمي خِدْنَ العُلى الفُرْفُورِي

يا ألْفَ مولايَ ولستُ بقائِلٍ ... غيرَ الصوابِ لصاحبي وسميرِي

مالي أراك مُفرِّطاً في صُحْبتي ... فكأنني عِقْد بكفِّ صغيرِ

خفِّض عليك فلستَ أوَّلَ قاذفٍ ... من جوِّ شاهِقَةٍ لجوْف شَفِيرِ

أوَ قد زعمتَ بأنني مُتهالكٌ ... في إثْرِ روض ليس بالمَمْطورِ

ما الروضُ فيما قد حويْتَ مُحتَّمٌ ... كّلا ولا للغْيرِ فضلُ خَضِيرِ

هيَ دِمْنةُ خضراءُ لم يأنَسْ بها ... رِيم وليس سَرابُها بعَبيرِ

أنَّي تقول ولا أَخالُك قائلا ... العَيْرُ عَيْرِى والنَّفِيرُ نفيرِي

صدقتْ بناتُ الفكر فيما ألَّفتْ ... إن العَباءةَ عندكم كحَبِيرِ

ما للفِراسةِ لم تُصدَّق فيكمُ ... والألْمَعيَّةِ لم تُعَنْ بنَصِيرِ

ومنها، وهو محل الشاهد:

فوَ حقِّ سَلْوتِيَ التي قد أصبحتْ ... بَرْداً على كبدي لكل عَسِيرِ

هذا فؤادي مِلْءُ صدري حُزْنُه ... وافَى بِجَفْن في السُّلُوِّ قريرِ

ومَناكِبى أمْسَتْ تلائم مضْجعي ... ثم ارْعَويتُ فما استعنْتُ زفيرِي

وغدوتُ أضحك مِلْءَ فِيَّ تعجبُّباً ... حين استمَرَّ على البِعاد مَرِيرِي

وتصافحتْ يُمْنايَ باليَسَر التي ... قد كانتا في غِلِّ خيرِ خبيرِ

وتبدَّلتْ عيْنَايَ أحسن مَنظراً ... وهي الصحائفُ في دُجًى وبكُورِ

لّلِه أنتَ وما صنعتَ فإنما ... أنْقذْتني من هُوَّةٍ وسعيرِ

وكذاك ينْجُو ذو الصداقِة في الهوى ... وكذا بذنْبٍ ينْثنِي مغْفورِ

[ولده عبد الوهاب]

المفتى بحَقّ، والسامي على رُتبةٍ هو بها أحَقّ.

فقيهُ المذهب النُّعْمانِي، ومن توفَّرتْ له في الشهرة الأمانِي فأُشير إليه بالجلال، وأُثْنِىَ عليه بكرم الخلال.

لم يزل يصل في الجد الليلة باليوم، ويعتاض في الاشتغال السهر من النوم.

وينفق من الزاد، فيخزن في الفؤاد.

والعلم كما عرفت بعيد المرام، لا يرى في المنام، ولا يورث عن الآباء والأعمام.

حتى بلغ مبلغا يقصر عنه أمل المتطلع، وحل محلاً تنقطع دونه رغبة المتطمع.

ونزل من القلوب بمنْزلةٍ هي المُصافة بين الماء والرَّاح، وأوْرد العيونَ الرياضَ وأورد القرائحَ القَراح.

فللنَّواظِر فيه مَرْتَع، وللخواطر منه مُتمتَّع.

وله الأيادي البيض، والطول الطويل العريض.

بارَتْ يداه السُّحْبَ فارْتجعتْ ... عنها ووابلُ وَدْقها وَشَلُ

فالرعْد في أحْشائِها قَلِقٌ ... والبرقُ في حافاتها خَجِلُ

ثم ولى الإفتاء فأديت أمانةٌ إلى أهلها، وجاءته النعم تترى ولكن على مهلها.

فلم يلبث تضمنه ضريحه، وسفت عليه ريحه.

<<  <  ج: ص:  >  >>