للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ مَضَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.

مَسْأَلَةٌ:

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَلَوْ بَاعَ الْمُصَدِّقُ شَيْئًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بمثله أو يقسمه على أهله لا يجزى غيره وَأَفْسَخُ بَيْعَهُ إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ.

إِذَا قَبَضَ السَّاعِي زَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ فَعَلَيْهِ إِيصَالُهَا إِلَى أَهْلِ السُّهْمَانِ وَلَيْسَ لَهُ بَيْعُهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ، مِنْ خَوْفِ طَرِيقٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ لُصُوصٍ أَوْ بُعْدِ مَسَافَةٍ، يخالف أَنْ تُحِيطَ مُؤْنَتُهَا بِثَمَنِهَا فَإِنْ بَاعَهَا لِضَرُورَةٍ كَانَ بَيْعُهُ جَائِزًا إِذَا كَانَ بِثَمَنِ مِثْلِهَا وَإِنْ بَاعَهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ كَانَ بَيْعُهُ بَاطِلًا، وَيَسْتَرْجِعُ مَا بَاعَهُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَإِنْ تَلَفَ لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَزِمَهُ رَدُّ مِثْلِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ لَزِمَهُ أَكْثَرُ قِيمَتِهِ من قوت بيعه إلى وقت تلفه.

[مسألة:]

قال الشافعي رضي الله عنه: " وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ شِرَاءَ صَدَقَتِهِ إِذَا وَصَلَتْ إِلَى أهلها ولا أفسخه ".

قال الماوردي: ولذا كرهت له شراء ما تصدقت بِهِ وَاجِبًا وَتَطَوُّعًا لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُقَالُ لَهُ: الْوَرْدُ فَرَآهُ يُبَاعُ فِي السُّوقِ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " لا تعد في صدقتك ولو أعطيتها نصفين وَدَعْهَا حَتَّى تَكُونَ هِيَ وَنِتَاجُهَا لَكَ يَوْمَ القيامة " ولأن لا يسامح في ثمنها فينقص من ثوابه، ولأن لا يتبعها نفسه فيستراب له فإن ابتاعها كان البيع جايزاً، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا.

وَقَالَ مَالِكٌ: الْبَيْعُ بَاطِلٌ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَنَهْيِ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لَهُ أَنْ يَعُودَ فِي صَدَقَتِهِ.

وَالدَّلَالَةُ عَلَى جَوَازِهِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لخمسةٍ " وَذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ وَلِأَنَّ عَوْدَهَا إِلَيْهِ، بِغَيْرِ المعنى الذي تملكته عَلَيْهِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا لَوْ عَادَتْ إِلَيْهِ مِيرَاثًا، جَازَ لِمَا رُوِيَ أن رجلاً تصدق على أبيه بحديقةٍ فمات فَرَجَعَتْ إِلَيْهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ وَبَلَغَتْ مَحَلَّهَا وَصَارَ ذَلِكَ مِيرَاثًا " وَإِذَا جَازَ عَوْدُهَا إِلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ جَازَ عَوْدُهَا بِالِابْتِيَاعِ وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ قِيَاسًا أَنَّ كُلَّ مَا جَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ إِرْثًا جَازَ أَنْ يَمْلِكَهُ ابتياعاً كسائر الأموال.

<<  <  ج: ص:  >  >>