للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

حَدُّ الزِّنَا، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ، وَقَدْ سَقَطَ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ حَدُّ الْقَذْفِ فَإِنِ ادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهَا أَرَادَتْ قَذْفَهُ أَحْلَفَهَا أَنَّهَا مَا أَرَادَتْهُ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ قَذْفَهُ بِالزِّنَا وَلَا تُرِيدَ إِقْرَارَهَا به، فهو أن تقول: زنا بِي قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي وَأَنَا نَائِمَةٌ أَوْ مُسْتَكْرَهَةٌ، فَهُوَ زَانٍ بِي وَأَنَا غَيْرُ زَانِيَةٍ بِهِ، فَهَذَا الْبَيَانُ أَخَفُّ الْأَحْوَالِ فِي حَقِّهَا وأغلظها فِي حَقِّ الزَّوْجِ، فَعَلَيْهَا حَدُّ قَذْفِهِ، وَعَلَيْهِ حَدُّ قَذْفِهَا، وَلَا قِصَاصَ فِي ٧ الْحَدَّيْنِ، وَلَهُ إِسْقَاطُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ نَفْسِهِ بِاللِّعَانِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا حَدُّ الْقَذْفِ بِلِعَانِهَا، فَإِنْ أَكْذَبَهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُرِدِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا أَحْلَفَهَا أَنَّهَا لَمْ تُرِدْهُ، لِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ سُقُوطِ حَدِّ قَذْفِهَا عَنْهُ بِغَيْرِ لِعَانٍ.

(فَصْلٌ)

وَأَمَّا الْوَجْهُ الرَّابِعُ: وَهُوَ أَنْ تُرِيدَ لَا إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَلَا قَذْفَهُ، فَهُوَ أَنْ تَقُولَ: أَرَدْتُ أَنَّهُ أَصَابَنِي بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَنِي فَإِنْ كُنْتُ زَانِيَةً فِيهِ زَنَيْتُ، فَهَذَا أَخَفُّ أَحْوَالِهَا فِي حقها وحق الزوج، فيكون قولها من الْأَمْرَيْنِ مَقْبُولًا، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا وَلَا حَدُّ الْقَذْفِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ قَدْ يَخْرُجُ فِي مُقَابَلَةِ اللَّفْظِ بِمِثْلِهِ وَيُخَالِفُهُ فِي حُكْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: ٤٠] . وَالِابْتِدَاءُ سَيِّئَةٌ وَالْجَزَاءُ لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: ٥٤] . فَالِابْتِدَاءُ مَكْرٌ وَالْجَزَاءُ لَيْسَ بِمَكْرٍ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ الْجَوَابِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ قَدْ يَكُونُ نَفْيًا لِمَا تَضَمَّنَهُ الِابْتِدَاءُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ صَاحِبِهِ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: مَا زَنَيْتُ إِلَّا بِكَ، فَلَمَّا لَمْ تَكُنْ زَانِيًا لَمْ أَكُنْ زَانِيَةً، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِصَاحِبِهِ: دَخَلْتَ الدَّارَ فَيَقُولُ: مَا دَخَلْتُهَا إِلَّا مَعَكَ: يُرِيدُ أَنَّكَ لَمَّا لَمْ تَدْخُلِ الدَّارَ، لَمْ أَدْخُلْهَا، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالْجَوَابِ، وَلِأَجْلِهِمَا جَعَلْنَا الِابْتِدَاءَ صَرِيحًا، وَالْجَوَابَ كِنَايَةً، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُمَا فِي الْأَمْرَيْنِ مَقْبُولًا، وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ أَحْوَالِهَا، ثُمَّ يَنْظُرُ فِي حَالِ الزَّوْجِ فَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ مِنْ هَذَا الوجه أربعة أحوال:

أحدها: أَنْ يُصَدِّقَهَا فِي الْأَمْرَيْنِ، أَنَّهَا مَا أَرَادَتْ إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَلَا قَذْفَهُ بِهِ، فَلَا يَمِينَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا يَلْزَمُهَا حَدُّ قَذْفٍ وَلَا زِنًا، وَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ لَهَا إِمَّا أَنْ يُلَاعِنَ [فَإِنْ لَاعَنَ سَقَطَ حَدُّ الْقَذْفِ عَنْهُ وَوَجَبَ حَدُّ الزِّنَا عَلَيْهَا إِلَّا أَنْ تُلَاعِنَ] ، فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَلْتَعِنُ مِنْهَا وَقَدْ صَدَّقَهَا، قِيلَ: إِنَّمَا صَدَّقَهَا عَلَى أَنْ لَمْ تُقِرَّ بِالزِّنَا، وَلَمْ يُصَدِّقْهَا عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَزْنِ فَلِذَلِكَ الْتَعَنَ.

وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُكَذِّبَهَا فِي الْأَمْرَيْنِ وَيَقُولَ: بَلْ أَرَدْتِ إِقْرَارًا بِالزِّنَا وَقَذْفِي بِهِ. فَلَهُ إِحْلَافُهَا عَلَى الْأَمْرَيْنِ. أَمَّا الزِّنَا فَيَحْلِفُ أَنَّهَا مَا أَرَادَتِ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، وَلَا تحلف

<<  <  ج: ص:  >  >>