للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ كِنَايَاتُ الْقَذْفِ وَمَعَارِيضُهُ لَا تَكُونُ قَذْفًا إِلَّا بِالْإِرَادَةِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَى جَمِيعًا.

وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: أَكْثَرُ الْمَعَارِيضِ قَذْفٌ فِي الْغَضَبِ دُونَ الرِّضَى كَقَوْلِهِ: أَنَا مَا زَنَيْتُ، أَوْ يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ.

حُكِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى مَالِكًا فَقَالَ: مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِ ابْنَ الزَّانِيَةِ، قَالَ: هُوَ قَاذِفٌ، قَالَ: فَإِنْ قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، قَالَ هُوَ قَاذِفٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَكُونُ قَاذِفًا إِذَا قَالَ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ وَإِذَا قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: قَدْ يَأْتِيهِ [الْبَاطِلُ] بِلَفْظِ الْحَقِّ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بقوله تعالى: {وإنا وإياكم لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [سبأ: ٢٤] . فَكَانَ صَرِيحَ الْآيَةِ أَنَّ أَحَدَهُمَا عَلَى هُدًى وَالَآخَرَ عَلَى ضَلَالٍ، وَدَلِيلُهَا فِي مَوْضِعِ الْخِطَابِ وَالتَّعْرِيضِ بِالذَّمِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأُمَّتَهُ عَلَى هُدًى، وَأَنَّ الْمُشْرِكِينَ عَلَى ضَلَالٍ مُبِينٍ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمَعَارِيضِ كُلِّهَا.

وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَدَّ فِي التَّعْرِيضِ بِالزِّنَا، وَلَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ احْتِمَالَ التَّعْرِيضِ يَصْرِفُهُ الْغَضَبُ إِلَى الصَّرِيحِ، لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ أَظْهَرُ مِنَ الِاعْتِقَادِ.

وَدَلِيلُنَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ فَزَارَةَ آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: أَلَكَ إِبِلٌ، قَالَ نَعَمْ: قَالَ مَا أَلْوَانُهَا، قَالَ: حُمْرٌ كُلُّهَا، قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَنَّى تَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ، قَالَ: كَذَلِكَ هَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ)) .

فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هَذَا التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ صَرِيحًا فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا يَكُونُ صَرِيحًا فِي الْغَضَبِ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ غَضَبٌ، قِيلَ حَالُهُ يَشْهَدُ بِغَضَبِهِ لِأَنَّهُ أَنْكَرَ مِنْ زَوْجَتِهِ وَهُمَا أَبْيَضَانِ أَنْ تَلِدَ غُلَامًا أَسْوَدَ يُخَالِفُهُمَا فِي الشَّبَهِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فقال: يا رسول الله إني امْرَأَتِي لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ طَلِّقْهَا، فقال: إن أُحِبُّهَا، قَالَ: أَمْسِكْهَا وَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالْقَذْفِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ قَاذِفًا.

فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: " يَدَ لَامِسٍ "، أُرِيدَ بِهِ مُلْتَمِسٍ، أَيْ طَالِبٍ لِمَا لَهُ لِتَبْذِيرِهَا لَهُ فِي كُلِّ سَائِلٍ وَطَالِبٍ، وَلَمْ يُرِدِ الْتِمَاسَ الْفَاحِشَةِ فَيَكُونُ تَعْرِيضًا، قِيلَ: لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لأمرين:

<<  <  ج: ص:  >  >>