للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الْغَانِمِينَ، وَيَكُونُ الَّذِي اسْتَأْسَرَهُ فِي فِدَائِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْغَانِمِينَ سَوَاءً كَمَا يَكُونُ الْغَانِمُ لِلْمَالِ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءً.

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ كَانَ فِدَاءُ أَسْرَى بَدْرٍ بِأَخْذِهِ مَنِ اسْتَأْسَرَهُمْ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَقَدْ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَأَنْفَذَتْ فِي جُمْلَةِ فِدَائِهِ قِلَادَةً كَانَتْ لَهَا جَهَّزَتْهَا بِهَا خَدِيجَةُ، فَلَمَّا أَبْصَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَرَفَهَا وَرَقَّ لَهَا، وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا مَالَهَا فَافْعَلُوا فَلَوْلَا حَقُّهُمْ فِيهِ لَتَفَرَّدَ بِالرَّدِّ وَلَمَا سَأَلَهُمْ فعنه ثلاثة أجوبة:

أحدهما: أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ اسْتِطَابَةً لِقُلُوبِهِمْ وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ فِيهِ نَافِذًا.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ حُكْمُ الْأَسْرَى وَالْغَنَائِمِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ حَقٌّ لِجَمِيعِهِمْ لَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ فَاسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ فِيهِ.

وَأَمَّا الْفِدَاءُ وَالْأَسْرَى: فَهُوَ لِمَنْ كَانَ فِي أَيْدِي قَوْمِهِ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَهُمْ مُشْفِقُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسْرَى وَمُفْتَدُونَ لَهُ بِمَنْ فِي أَيْدِيهِمْ فَيُفَادِي بِهِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَالْأَوْلَى أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَادَى كُلَّ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُفَادِيَ كُلَّ رَجُلٍ إِلَّا بِرَجُلٍ جَازَ وَلَوْ دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ أَنْ يُفَادِيَ رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِرَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَلَ، فَهَذَا حُكْمُ الْفِدَاءِ

(فَصْلٌ)

: وَأَمَّا الْمَنُّ بِغَيْرِ الْفِدَاءِ، فَهُوَ فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُ ميلا إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوْ طَاعَةٌ فِي قَوْمِهِ يَتَأَلَّفُهُمْ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يُمَنُّ عَلَيْهِ كَمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ فَعَادَ مُسْلِمًا فِي عَدَدٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَظْهِرَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ بِأَنْ لَا يَعُودَ إِلَى قِتَالِهِ، كَمَا شَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - على أبي عزة الجحمي، فَلَمْ يَفِ بِهِ وَعَادَ لِقِتَالِهِ، وَظَفِرَ بِهِ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ.

فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي الْأَسْرَى عَبْدٌ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُمَنَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مَالٌ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِمْ غَنَائِمُهُمْ وَلَمْ يُحْتَجْ إِلَى اسْتِرْقَاقِهِ، لِأَنَّهُ مُسْتَرَقٌّ، وَكَانَ الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهُ بَيْنَ الْغَنَائِمِ مَعَ الْأَمْوَالِ، وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلَهُ إِنْ خَالَفَ عَاقِبَتَهُ، وَيُعَوِّضَ الْغَانِمِينَ عَنْهُ، لِأَنَّهُ مَالٌ بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَهُ مِنَ الْأَحْرَارِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَدِيَ بِهِ أَسْرَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَوِّضَ عَنْهُ الْغَانِمِينَ وَسَنَذْكُرُ مَنْ أَسْلَمَ.

(فَصْلٌ)

: فَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ هَذَا الْأَسِيرَ فَلَا يَخْلُو حَالُ قَتْلِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِ الْإِمَامِ فِيهِ أَوْ يَكُونَ قَبْلَهُ.

فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ نُفُوذِ حُكْمِ الْإِمَامِ فِيهِ، فَلَا يَخْلُ حُكْمُهُ مِنْ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أحكام:

<<  <  ج: ص:  >  >>