للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

بَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ وَبَيْعُ كِتَابَتِهِ وَبَيْعُ رَقَبَتِهِ وجوابات فيه

[مسألة]

قال الشافعي رضي الله عنه: (وَبَيْعُ الْمُكَاتَبِ وَشِرَاؤُهُ وَالشُّفْعَةُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ وَالْأَجْنَبِيِّ سَوَاءٌ) .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، الْمُكَاتَبُ مَالِكٌ لِتَصَرُّفِ نَفْسِهِ بِالْمَبِيعِ، وَالشِّرَاءِ، وَالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَمَالِكٌ لِمَا بِيَدِهِ مِنْ كُلِّ مَا مَلَكَهُ بِتَصَرُّفِهِ، لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ رَفَعَتْ عَنْهُ يَدَ السَّيِّدِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنِ اسْتِخْدَامِهِ، وَأَمَّا مِلْكُهُ لِكَسْبِهِ فَلِأَنَّ فِي ذمته مال لَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إِلَّا مِنْ مِلْكِهِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ السَّيِّدُ مَعَ بَقَاءِ الْكِتَابَةِ مِنْ أَخْذِهِ وَتَمَلُّكِهِ وَإِذَا صَارَ بِمَا بَيَّنَّا مَالِكًا لِتَصَرُّفِهِ وَلِكَسْبِهِ، فَعَلَيْهِ فِيهِمَا لِلسَّيِّدِ حَقُّ الْحَجْرِ حَتَّى لَا يَسْتَهْلِكَهَا فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَلَا يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ الْحَجْرِ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْمِلْكِ، ثُمَّ هَذَا الْمِلْكُ مُرَاعًى يَسْتَقِرُّ بِالْأَدَاءِ، وَيَزُولُ بِالْعَجْزِ.

فَصْلٌ

فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا فَكُلُّ عَقْدٍ مِنْ بَيْعٍ وَسَلَمٍ وَإِجَارَةٍ وَأَخْذٍ بِشُفْعَةٍ وَأَرْشِ، جِنَايَةٍ وَرَدٍّ بِعَيْبٍ، نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَالْأَجْنَبِيِّ نَفَذَ الْحُكْمُ فِيهِ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ، وَكَانَ لُزُومُهُ بَيْنَهُمَا كَلُزُومِهِ مَعَ الْأَجْنَبِيِّ، لِأَنَّهُ فِيمَا سِوَى الْكِتَابَةِ جَارٍ مَجْرَاهُ، فَعَلَى هَذَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ مِنْهُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْ سَيِّدِهِ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَأْخُذَ أَرْشَ الْجِنَايَةِ مِنْهُ، وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَمْوَالِ إِلَّا كَالْأَجَانِبِ.

فَصْلٌ

وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ قَدْ أَجَّرَ عَبْدَهُ ثُمَّ كَاتَبَهُ، فَتَكُونَ الْكِتَابَةُ بَاطِلَةً، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ بِالْإِجَارَةِ مُسْتَحِقَّ الْمَنْفَعَةِ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِالْكِتَابَةِ مَالِكًا لَهَا، فَتَنَافَى اجْتِمَاعُهُمَا، فَثَبَتَتِ الْإِجَارَةُ لِتَقَدُّمِهَا، وَبَطَلَتِ الْكِتَابَةُ لِتَأَخُّرِهَا وَلَوْ كَاتَبَهُ ثُمَّ أَجَّرَهُ صَحَّتِ الْكِتَابَةُ وَبَطَلَتِ الْإِجَارَةُ إِثْبَاتًا لِأَسْبَقِ الْعَقْدَيْنِ فِي الْحَالَيْنِ، فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ فَلَا يَجُوزُ كِتَابَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَنَافِعَهُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ بِعَقْدِ الرَّهْنِ مُعَرَّضٌ لِلْبَيْعِ الَّذِي تَمْنَعُ مِنْهُ الْكِتَابَةُ، فَصَارَا مُتَنَافِيَيْنِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، فَبَطَلَتْ كتابته بها.

[مسألة]

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (إِلَّا أَنْ الْمُكَاتَبَ مَمْنُوعٌ مِنَ اسْتِهْلَاكِ مَالِهِ وَأَنْ يَبِيعَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَلَا يَهَبُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) .

<<  <  ج: ص:  >  >>