فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فصل فِيمَا يخْتَص الْعلَّة من الْوُجُوه الْمفْسدَة لَهَا

اعْلَم أَن الْعلَّة قد يدل على فَسَادهَا قَول الْأمة وَقد يدل على فَسَادهَا الاستنباط مِثَال الأول أَن يقيس الْإِنْسَان قَلِيل الْبر فِي ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ على قَلِيل الذَّهَب وَالْفِضَّة بعلة أَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره وَذَلِكَ أَن القائسين أَجمعُوا على أَن الْمحرم من الْبر محرم لعِلَّة وَاحِدَة وَهِي إِمَّا كيل أَو غَيره وَلم يقل أحد إِن الْمحرم من الْبر لَهُ عِلَّتَانِ وَلَا قَالَ إِن الْبر فرع على غَيره فتعليل قَلِيل الْبر بِأَنَّهُ يثبت الرِّبَا فِي كَثِيره مجمع على فَسَاده

وَأما مَا يدل على فَسَادهَا من جِهَة الاستنباط فوجوه مِنْهَا أَن يكون تعليلا بِالِاسْمِ وَمِنْهَا اخْتِلَاف موضوعها مَعَ الحكم وَمِنْهَا عدم التَّأْثِير وَمِنْهَا الْقلب وَمِنْهَا النَّقْض وَمِنْهَا الْكسر وَمِنْهَا أَن تعَارض الْعلَّة بعلة فِي الأَصْل أَو تعَارض جملَة الْقيَاس بِقِيَاس أما التَّعْلِيل بِالِاسْمِ فضربان احدهما أَن يُعلل مُعَلل تَحْرِيم الْخمر لِأَن الْعَرَب تَسْمِيَة خمرًا وَهَذَا تَعْلِيل فَاسد لِأَنَّهُ يبعد أَن يكون لتسمية الْعَرَب إِيَّاه بذلك تَأْثِير فِي تَحْرِيمه وَالْآخر أَن يُعلل تَحْرِيمه بِجِنْسِهِ نَحْو أَن يُعلل تَحْرِيمه بِكَوْنِهِ خمرًا وَهَذَا غير فَاسد لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون لكَونه خمرًا تَأْثِير فِي التَّحْرِيم وكما يجوز التَّعْلِيل بذلك كَذَلِك يجوز التَّعْلِيل بِصفة من الصِّفَات أَو بِحكم من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة فَيجْعَل الحكم الشَّرْعِيّ عِلّة فِي ثُبُوت حكم آخر شَرْعِي لِأَنَّهُ لَا يمْتَنع أَن يكون بعض الاحكام أَمارَة فِي ثُبُوت بعض آخر بِأَن يكون بَينهم تعلق يَقْتَضِي ذَلِك وَأما اخْتِلَاف الْوَضع فنحو أَن يُعلل الْإِنْسَان حكما من الْأَحْكَام بِحكم آخر شَرْعِي وَيكون أحد الْحكمَيْنِ مُبينًا على التَّخْفِيف وَالْآخر مَبْنِيا على التَّغْلِيظ فَيجوز أَن يَجْعَل ذَلِك أَمارَة تَقْتَضِي أَن لَا يعْتَبر أَحدهمَا بالاخر وَلقَائِل أَن يَقُول إِنَّه لَا يمْتَنع أَن يكون أَحدهمَا مُعْتَبرا بِالْآخرِ إِذا دلّ الدَّلِيل على ذَلِك وَكَذَلِكَ لَا يمْتَنع أَن يُقَاس الْفَرْع على الأَصْل

<<  <  ج: ص:  >  >>