للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>

الدِّمَاء كَانَت عُيُون العزائم تتفجر من صخور الصَّبْر يثبت الله بمشهدها المستيقنين ويقذف بهَا الرعب فى أنفس المرتابين فَكَانَت تسيل لمنظرها نفوس أهل الريب وهى ذوب مَا فسد من طباعهم فتجرى من مناحرهم جرى الدَّم الْفَاسِد من الْمَقْصُود على أيدى الْأَطِبَّاء الحاذقين ليميز الله الْخَبيث من الطّيب وَيجْعَل الْخَبيث بعضه على بعض فيركمه جَمِيعًا فى جَهَنَّم أُولَئِكَ هم الخاسرون تألبت الْملَل الْمُخْتَلفَة مِمَّن كَانَ يسكن جَزِيرَة الْعَرَب وَمَا جاورها على الْإِسْلَام ليحصدوا نبتته ويخنقوا دَعوته فَمَا زَالَ يدافع عَن نَفسه دفاع الضَّعِيف للأقوياء وَالْفَقِير للأغنياء وَلَا نَاصِر لَهُ إِلَّا أَنه الْحق بَين الأباطيل والرشد فى ظلمات الأضاليل حَتَّى ظفر بِالْعِزَّةِ وتعزز بالمنعة وَقد وطىء أَرض الجزيرة أَقوام من أَدْيَان أُخْرَى كَانَت تَدْعُو إِلَيْهَا وَكَانَت لَهُم مُلُوك وَعزة وسلطان وحملوا النَّاس على عقائدهم بأنواع من المكاره وَمَعَ ذَلِك لم يبلغ بهم السعى نجاحا وَلَا أنالهم الْقَهْر فلاحا

ضم الْإِسْلَام سكان القفار الْعَرَبيَّة إِلَى وحدة لم يعرفهَا تاريخهم وَلم يعْهَد لَهَا نَظِير فى ماضيهم وَكَانَ النبى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قد أبلغ رسَالَته بِأَمْر ربه إِلَى من جاور الْبِلَاد الْعَرَبيَّة من مُلُوك الْفرس والرومان فهزءوا وامتنعوا وناصبوه وَقَومه الشَّرّ وأخافوا السابلة وضيقوا على المناجر فَبعث إِلَيْهِم الْبعُوث فى حَيَاته وَجرى على سنته الْأَئِمَّة من صحابته طلبا للأمن وإبلاغا للدعوة فاندفعوا فى ضعفهم وفقرهم يحملون الْحق على أَيْديهم وانهالوا بِهِ على تِلْكَ الْأُمَم فى قوتهم ومنعتها وَكَثْرَة عَددهَا واستكمال أهبها وعددها فظفروا مِنْهَا بِمَا هُوَ مَعْلُوم وَكَانُوا مَتى وضعت الْحَرْب أَوزَارهَا وَاسْتقر السُّلْطَان للفاتح عطفوا على المغلوبين بالرفق واللين وأباحو لَهُم الْبَقَاء على أديانهم وَإِقَامَة شعائرها آمِنين مُطْمَئِنين ونشروا حمايتهم عَلَيْهِم يمنعونهم مِمَّا يمْنَعُونَ مِنْهُم أهلهم وَأَمْوَالهمْ وفرضوا عَلَيْهِم كفاء ذَلِك جُزْءا قَلِيلا من مكاسبهم على شَرَائِط مُعينَة كَانَت الْمُلُوك من غير الْمُسلمين إِذا فتحُوا مملكة اتبعُوا جيشها الظافر بِجَيْش من الدعاة إِلَى دينهَا يلجون على النَّاس

<<  <   >  >>