فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَأما السُّلْطَان أَبُو الرّبيع فَإِنَّهُ لما سَار عَن طنجة دخل حَضْرَة فاس حادي عشر ربيع الأول من سنة ثَمَان وَسَبْعمائة فَأَقَامَ بهَا سنة المولد الْكَرِيم وَفرق الْأَمْوَال واستقامت الْأُمُور وتمهد الْملك وَعقد السّلم مَعَ صَاحب تلمسان أبي حمو مُوسَى بن عُثْمَان بن يغمراسن وَأقَام وادعا بِحَضْرَتِهِ مجتنيا ثَمَرَة ملكه وَكَانَ فِي أَيَّامه غلاء إِلَّا أَن النَّاس انفتحت لَهُم فِيهَا أَبْوَاب المعاش والترف حَتَّى تغَالوا فِي أَثمَان الْعقار فبلغت قيمتهَا فَوق الْمُعْتَاد حَتَّى لقد بيع كثير من الدّور بفاس بِأَلف دِينَار من الذَّهَب الْعين وتنافس النَّاس فِي الْبناء فاتخذوا الْقُصُور المشيدة وتأنفوا فِيهَا بالزليج والرخام وأنواع النقوش وتناغو فِي لبس الْحَرِير وركوب الفاره وَأكل الطّيب واقتناء الْحلِيّ من الذَّهَب وَالْفِضَّة واستبحر الْعمرَان وَظَهَرت الزِّينَة والأمور كلهَا بيد الله تَعَالَى

نكبة الْفَقِيه الْكَاتِب أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين واستئصال بني وقاصة الْيَهُودِيين بعد ذَلِك

كَانَ الْفَقِيه الْكَاتِب أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن أبي مَدين شُعَيْب بن مخلوف من بني أبي عُثْمَان إِحْدَى قبائل كتامة المجاورين للقصر الْكَبِير وَكَانَ بَيته بَيت الْعلم وَالدّين واتصلوا خدمَة بني مرين أَيَّام دُخُولهمْ الْمغرب واستيلائهم عَلَيْهِ وَكَانَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا من خَاصَّة السُّلْطَان يُوسُف بن يَعْقُوب وَجعل بِيَدِهِ وضع الْعَلامَة على الرسائل وفوض إِلَيْهِ فِي حسبان الْخراج وَالضَّرْب على أَيدي الْعمَّال وتنفيذ الْأَوَامِر بِالْقَبْضِ والبسط فيهم واستخلصه لمناجاته والإفضاء إِلَيْهِ بسره وَلما هلك السُّلْطَان يُوسُف وَولي بعده السُّلْطَان أَبُو ثَابت ضاعف رُتْبَة هَذَا الرجل وشفع لَدَيْهِ حَظه ومنصبه وَرفع على الأقدار قدره ثمَّ ولي بعده أَخُوهُ أَبُو الرّبيع فسلك فِيهِ مَذْهَب سلفه واضطلع أَبُو مُحَمَّد بن أبي مَدين بِأُمُور دولته وَكَانَ بَنو وقاصة الْيَهُود حِين نكبوا أَيَّام السُّلْطَان يُوسُف يرَوْنَ أَن نكبتهم كَانَت بسعاية أبي مُحَمَّد فيهم وَكَانَ خَليفَة الْأَصْغَر مِنْهُم قد أفلت من تِلْكَ النكبة كَمَا ذَكرْنَاهُ

<<  <  ج: ص:  >  >>