فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

سفر ابْن الْخَطِيب إِلَى مراكش وأعمالها وزيارته لأوليائها ورجالها وَالسَّبَب فِي ذَلِك

كَانَ ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله عِنْدَمَا حصلت لَهُ هَذِه النكبة وخلصه الله مِنْهَا بانتقاله إِلَى بِلَاد العدوة قد عَن لَهُ رَأْي فِي التزهد والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى واغتنام بَقِيَّة الْعُمر فِيمَا يعود نَفعه فِي العاجل والآجل ورفض السُّلْطَان وأسبابه وَترك مَا يلجئه للوقوف بِبَابِهِ فتلطف فِي اسْتِئْذَان السُّلْطَان أبي سَالم رَحمَه الله وَطلب مِنْهُ الْإِذْن فِي الذّهاب إِلَى جِهَات مراكش وَالْوُقُوف على آثَار الأقدمين بهَا والتطارح على أوليائها والمثول بأعتابها والتعلق بأذيالها والتمسك بأسبابها جاعلا ذَلِك مِفْتَاح الْعُزْلَة والتخلي عَن الدولة فَأذن لَهُ وَكتب إِلَى الْعمَّال بإتحافه والاعتناء بِهِ فتباروا فِي ذَلِك كَمَا يفصح عَنهُ بعض شعره الْآتِي وَجعل طَرِيقه على مَدِينَة سلا فَتَأمل أحوالها وَرَآهَا أوفق لمراده فِي الْعُزْلَة فأضمر الاستيطان بهَا عِنْد عوده من وجهته وَلما دخل مَدِينَة أنفى وَهِي الدَّار الْبَيْضَاء مر بهَا على دَار عَظِيمَة تنْسب إِلَى وَالِي جبايتها عبو من بني الترجمان قَارون قومه وغني صنفه وَكَانَ قد هلك قبل ذَلِك فَقَالَ ابْن الْخَطِيب

(قد مَرَرْنَا بدار عبو الْوَالِي ... وَهِي ثَكْلَى تَشْكُو صروف اللَّيَالِي)

(أقصدت رَبهَا الْحَوَادِث لما ... رشقته بصائبات النبال)

(كَانَ بالْأَمْس واليا مستطيلا ... وَهُوَ الْيَوْم مَا لَهُ من وَالِي)

وَأَظنهُ فِي هَذِه الوجهة خَاطب شيخ الْعَرَب مبارك بن إِبْرَاهِيم بن عَطِيَّة ابْن مهلهل الخلطي وَنَصّ مَا خاطبه بِهِ

(ساحات دَارك للضياف مبارك ... وبضوء نَار قراك يهدي السالك)

(ونوالك المبذول قد شَمل الورى ... طرا وفضلك لَيْسَ فِيهِ مشارك)

(قل للَّذي قَالَ الْوُجُود قد انطوى ... والبأس لَيْسَ لَهُ حسام فاتك)

(والجود لَيْسَ لَهُ غمام هاطل ... وَالْمجد لَيْسَ همام باتك)

(جمع الشجَاعَة والرجاحة والندى ... والبأس والرأي الْأَصِيل مبارك)

(للدّين وَالدُّنْيَا وللشيم الْعلَا ... والجود إِن شح الْغَمَام السافك)

<<  <  ج: ص:  >  >>