فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قَالَ وقفت على قبر الْمُعْتَمد بن عباد فِي مَدِينَة أغمات فِي حَرَكَة أعملتها إِلَى الْجِهَات المراكشية باعثها لِقَاء الصَّالِحين ومشاهدة الْآثَار سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة وَهُوَ بمقبرة أغمات فِي نشز من الأَرْض وَقد حفت بِهِ سِدْرَة وَإِلَى جنبه قبر اعْتِمَاد حظيته مولاة رميك وَعَلَيْهِمَا أثر التغرب ومعاناة الخمول من بعد الْملك فَلم تملك الْعين دمعها عِنْد رُؤْيَتهمَا فأنشدت فِي الْحَال

(قد زرت قبرك عَن طوع بأغمات ... رَأَيْت ذَلِك من أولى الْمُهِمَّات)

(لم لَا أزورك يَا أندى الْمُلُوك يدا ... وَيَا سراج اللَّيَالِي المدلهمات)

(وَأَنت من لَو تخطى الدَّهْر مصرعه ... إِلَى حَياتِي لجادت فِيهِ أَبْيَات)

(أناف قبرك من هضب يميزه ... فتنتحيه حفيات التَّحِيَّات)

(كرمت حَيا وَمَيتًا واشتهرت علا ... فَأَنت سُلْطَان أَحيَاء وأموات)

(مارئي مثلك فِي مَاض ومعتقدي ... أَلا يرى الدَّهْر فِي حَال وَلَا آتٍ)

وَلما انكفأ ابْن الْخَطِيب رَحمَه الله رَاجعا من سفرته هَذِه وانْتهى إِلَى سلا أَقَامَ بهَا منتبذا عَن سُلْطَانه رافضا للْملك وأسبابه طول مقَامه بالمغرب على مَا نذكرهُ إِن شَاءَ الله

بَقِيَّة أَخْبَار ابْن الْخَطِيب بسلا حرسها الله

قد قدمنَا أَن ابْن الْخَطِيب كَانَ قد عزم على التخلي عَن الدُّنْيَا والانقطاع إِلَى الله تَعَالَى وَأَنه اخْتَار أَن يكون مقَامه بسلا لكَونهَا يَوْمئِذٍ أعون لَهُ على مُرَاده من غَيرهَا حَسْبَمَا يُؤْخَذ ذَلِك من مَوَاضِع من كَلَامه من ذَلِك أَنه لما وصف أَمْصَار الأندلس وَالْمغْرب فِي مقاماته الْمَشْهُورَة وصف مَدِينَة سلا بقوله العقيلة المفضله والبطيحة المخضله وَالْقَاعِدَة المؤصله وَالسورَة المفصله ذَات الوسامة والنضارة والجامعة بَين البداوة والحضارة مَعْدن الْقطن وَالْكتاب والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان والوادي المتعدد الأجفان الْقطر الْأمين عِنْد الرجفان والعصير الْعَظِيم الشَّأْن والأسواق السارة حَتَّى برقيق الحبشان اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا

<<  <  ج: ص:  >  >>