تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا
<<  <   >  >>

قال أبو عثمان الجاحظ: وممن لا يسكر أبو عبد الله العميّ، وإن بني عبد الملك الزيات دعوني مرة ليعجِّبوني منه ولا ينبِّهوني على هذه الخاصية التي فيه، لأكون الذي ينبه عليه، فدخلت على رجل فدمٍ ضخم، غليظ اللسان، عليه من الكلام مئونة شديدة حتى تظن أن كلامه كلام مهموم أو مجنون، فشرب القوم شرب الهيم، وكنت كأني من النظارة، فما زال العمِّي يشرب رطلاً بعد رطل، ولسانه تنحل عُقده وذهنه يصفو وكدره يذهب، فأقبلت على القوم أُعجبهم منه، فقالوا لولا مكان هذا العجب ما عنَّيناك اليوم وعرَّغوني أنه كثير المنازعة عند القضاة، ولكن بعد أن يشرب عشرة أرطال، فإذا فعل ذلك قطع الخصم اللحن بحجته واستمال رأي القاضي القطوب المنعقد.

قال الشاعر:

وجدت أقلَّ الناس عقلاً إذا انتشى ... أقلهم عقلاً إذا كان صاحيا

يزيد حسا الكأس السفيه سفاهةً ... ويترك أخلاق الكرام كما هيا

وقد رأينا أسفه الناس صاحياً أحل الناس سكران، ورأينا أحسن الناس خلقاً وأرزنهم حلماً، حتى إذا دخل رأسه رطل نبيذ صار أخف حلماً من فراشه، وأكثر نزقاً من جرادة، وإن المثل بهما يضرب. وكان محمد بن سليمان، إذا كان على البصرة، سقى سائر الحيوان الشراب ليختبر سكرها، فوجدها في اختلاف أحوالها كاختلاف الناس في أحوالهم، فزعم أنه لم يجد في جميع الحيوان شيئاً أملح سكراً من الظبي، وقال ابن ميَّادة:

ولقد سبقت العاذلات بقهوةٍ ... حمراء مثل سخينة الأوداج

تدع الغوِّي كأنه، في نفسه، ملكٌ يُعصِّبُ رأسه بالتاج

ويظل يحسب كل شيءٍ حولَهُ ... تحت العِراق يُشَدُّ بالأحداج

وسكر رجل فجعل يبكي بكاءً شديداً فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لأن طالوت قتل جالوت ظلماً ولم أحضر لنصرته.

ومررت يوماً بحسن المصري وقد انصرف من عند أحمد بن الدهَّان الكاتب، فلما كان ببعض الطريق غلب عليه السكر فسقط ونام فتقيأ وملأ لحيته وثيابه، فجاءَ كلب فجعل يلحس فمه، ففتح عينيه وقال له: خدمك بنوك وبنو بنيك، فلما فرغ منه رفع رجله وبال عليه، وأمرتُ من يحمله إلى داره.

وقال بعض العلماء حرَّم الله عز وجل السكر الذي يزول معه العقل، وكذلك هو في كل شريعة لأن كثيراً من الناس يأتي في سكره من السخف والقبائح والأحوال الدنيئة ما لا يرضى به لنفسه عاقلٌ، كزوال العقل، وبطلان الفهم، وهما أشرف ما في الإنسان مع استرخاء الجوارح، وخدر الأعضاء، حتى إن السكران أن لا يملك دفعاً لمكروه عن نفسه، ومن ضيّع أشرف ما فيه وأبطله وأصار نفسه إلى هذه الحال فقد عرَّض نفسه للتلف إذ كان لو أراده أحدٌ بكيدٍ ما قدر على دفعه، ولو قصده بكل مكروه ما أمكنه أن يمنع نفسه منه، ثم هو مع ذلك يضيع فرائضه وما أخذه الله عليه أن يفعله، وقد ألزمه الله تلك الفرائض ونهاه أن يُدخل على نفسه ما يقطعُهُ عما أمره به فقال عزَّ وجلَّ: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. يعني: لا تشربوا ما يكون السكر منه وزوال عقولكم ولا يمكنكم أن تُصلوا وتقيموا قراءتكم وسائر فرائض الصلاة الواجبة عليكم تأديباً منه لعباده وإرادة للمحافظة على الصلاة والقيام بما أوجبه الله علينا منها.

والسكران عند العرب هو الذي أزال الشرابُ عقله، ومنه سكرْتُ النهر أي سددت مجراه.

ركب المأمون يوماً فإذا بثُمامة بن أشرس سكران، فتوارى ثمامة عنه، فقصده المأمون حتى وقف عليه، وقال

ثُمامة؟ قال: إي والله، قال: سكران؟ قال: لا والله، قال: أفتعرفني؟ قال: إي والله، قال: فمن أنا. قال: لا أدري والله، قال: عليك لعنة الله، قال: تترى إن شاء الله، فضحك ثم أمر بتشييعه إلى منزله.

وقال الرَّقاشي: حدُّ السكر أن يُعزِبَ عنك الهموم ويظهر منك المكتوم.

قال البلاذري: كان ابن هرمة، مغرىً بالنبيذ، فمرَّ يوماً على جيرانه، وهو شديد السكر حتى دخل منزله، فلما كان من الغد، دخلوا عليه فعاتبوه على الحالة التي رأوه عليها، فقال: أما علمتم أني في طلب مثلها منذ دهرٍ، فما قدرت عليها، أما سمعتم قولي:

أسأل الله سكرة قبل موتي ... وصياح الصبيان يا سكران

قال: فنفضوا ثيابهم وخرجوا وقالوا: ليس يفلح هذا أبداً.

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير