للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال أحمد بن محمد: كنا بين يدي المأمون فأنشدته مدحاً له، فقال: لئن كانت حقوق أصحابي تجب عليَّ بطاعتهم بأنفسهم، فإن أحمد بن محمد تجب له المراعاة والتفقد بنفسه وصحبته ولأبيه وخدمته ولجده وسبقته، وإنه لعريق في موالاتنا، متصلُ النسب في خدمتنا. فقلت: علمتني والله يا أمير المؤمنين كيف أقول! ثمّ تنحيّت ورجعت فأنشدته " من الكامل ":

ليَ بالخليفة أعظم السبب ... فيه أمنت بوائق العطب

ملك غذتني كفه فأبي ... قبلي وجدي كان قبل أبي

فاختصني الرحمن منه بما ... أسمو به في العجم والعرب

فقال: نظمت أحمد ما نثرناه.

وقال أحمد: دخلت على المأمون في مجلس غاص بأهله، فأنشدته مديحاً فيه، وكان يستمع من الشعراء ماكان فيه نسيب أو وصف ضربٍ من الضروب حتى - إذا بلغ إلى مديحه فأنشد منه المنشد بيتين أو ثلاثة - قال: حسبك ترفعاً! فأنشدته " من الكامل ":

يامن شكوت إليه ماألقاه ... وبذلت من ودي له أقصاه

فأثابني بخلاف ما أملته ... ولربما حرم الحريص مناه

أترى جميلاً إن شكا ذو صبوة ... فهجرته وغضبت من شكواه

يكفيك صمت أو جواب مؤيس ... إن كنت تكره وصلهُ وهواه

موت المحب سعادة إن كان من ... يهواه يزعم أنّ فيه رضاه

فلما صرت إلى المديح قلت " من الكامل ":

أبقى لنا الله الإمام وزاده ... عزاً إلى العز الذي أعطاه

فالله أكرمنا بأنا معشرٌ ... عتقاءُ من نعم العباد سواه

فسرَّه ذلك وضحك وقال: جعلنا الله وإياكم ممن يشكر النعم بحسن العمل.

قال أحمد: قال لي المأمون وبحضرتنا يحيى بن أكتم: ياأحمد، أريد أبياتاً في الخضاب لم يتداولها الناس ولم يُقلْ في معناها. قلتُ: الساعة يا أمير المؤمنين! قال: فاعتزلت ناحية فقلت " من المتقارب ":

إذا ظلم الشيبُ رأس الفتى ... فنازله وهو غضُّ الشباب

فأحسن حالاته ستره ... ليترك أحبابه في ارتياب

فبين مكذبةٍ إن وشى ... إليها به كاشحٌ ذو اغتياب

وبين مصدقهةٍ لم ترع ... بحدة صاحبها في الخضاب

بذلك أوصي بني أربعين ... وخمسين أو نحو هذا الحساب

فان طال عُمرٌ فترك الخضا ... ب أولى بهم لانقضاء التصابي

قال: فاستحسنها المأمون، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، فيها عيب! قال: ماهو؟ قال: لم يمدح أمير المؤمنين فيها! قال: فقلت: إنما أمرني أن أقول في الخضاب. ثمّ قلت " من المتقارب ":

لقد أجمع الناس أنّ الإمام ... لقد بان بالفضل في كلّ باب

وما زال مذ ساس أمر العباد ... يوفقُ في حكمه للصواب

فآراؤه كلُّها حازمٌ ... إذا عيَّ بالرأيِ أهل الخطاب

قليل العقوبة للمذنبيين ... وللمحسنيين جزيلُ الثواب

فبلغه الله آماله ... وصير أعداءه في تباب

وأمكنه من بلاد العدو ... ليحكم فيها بحكم الكتاب

وقد كان همَّ بالخروج إلى بلاد الروم.

[٢٣ - ومن أخبار أبي العباس الفضل بن محمد بن أبي محمد اليزيدي]

كتب إلي أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد وكان يداعبه، فجرت بينهما جفوة " من السريع ":

استحي من نفسك في هجري ... واعرف بنفسي أنت لي قدري

واذكر دخولي لك في كلّ ما ... يجمل أو يقبح من أمري

قد مرّ لي شهرٌ ولم ألقكم ... لا صبر لي أكثر من شهر

قال إبراهيم بن المدُبَّر: اجتمع عندي يوماً الفضل اليزيدي والبحتري وأبو العيناء، فجعل الفضل يلقي على بعض الفتيان نحواً، فقال له أبو العيناء: في أي بابٍ هو من النحو؟ قال: في باب الفاعل والمفعول به. فقال: هذا بابي وباب الوالدة حفظها الله! فغضب الفضل وخرج، ثمّ خرج البحتري من بغداد إلى سُرَّ من رأى وكتب إليّ بشعر وقال " من الخفيف ":

ذكرتنيك روحة للشمول ... أوقدت لوعتي وهاجت غليلي

ليت شعري يا ابن المدبر هل يد ... نيك فرطُ الرجاءِ والتأميل

<<  <   >  >>