للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأمَّا الثعالبُ فيُبْنَى حُكْمُها علَى حِلِّها، وفيها رِوايَتان، كذلك يُخَرَّجُ في جُلودِها؛ فإن قُلْنا بتَحْرِيمها فحكمُ جلودِها حكمُ جلودِ بقيَّةِ السباع، وكذلك السَّنانيرُ البَرِّيَّة، فأمَّا الأهليَّةُ فمُحَرَّمةٌ، وهل تطْهُرُ جلودُها بالدِّباغِ؟ يُخَرَّج علَى روايَتيْن.

فصل: إذا قُلْنا بطهارِة الجلودِ بالدِّباغِ لم يطْهُرْ منها جِلْدُ ما لم يكنْ طاهِرًا في الحياةِ، [ويطْهُر ما كان طاهرًا حالَ الحياةِ] (٢٣)، نَصَّ أحمدُ علَى أنه يطْهُر.

وقال بعضُ أصحابِنا: لا يطْهُر إلَّا ما كان مأكولَ اللحم. وهو مذهبُ الأَوْزَاعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاق؛ لأنه رُوِىَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: "دِبَاغُ اْلأَدِيمِ ذَكَاتُه (٢٤) ". فشَبَّهَ الدَّبْغَ بالذَّكاة، والذَّكاةُ إنما تَعْمَلُ في مأكولِ اللحم، ولأنه أحدُ المُطَهِّرين للجِلْدِ، فلم يُؤَثِّرْ في غيرِ مأكولٍ كالذَّبْح (٢٥).

وظاهرُ كلامِ أحمد أن كلَّ طاهرٍ في الحياةِ يطْهُرُ بالدَّبْغِ؛ لِعُموم لفظِه في ذلك، ولأن قولَه عليه السلام: "أيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" يتَناوَلُ المَأْكُولَ وغيرَه، وخرج منه ما كان نَجِسًا في الحياة؛ لأنَّ (٢٦) الدَّبْغ إنما يُؤثِّر في دَفْعِ نجاسةٍ حادثةٍ بالموتِ، فيَبْقَى فيما عَداهُ علَى قَضِيَّةِ العُموم.

وحديثُهم يَحْتَمِلُ أنه أراد بالذَّكاةِ التَّطْييبَ، مِن قولهم: رائحةٌ ذَكيةٌ، أي: طيِّبة، وهذا يُطَيِّبُ الجميعَ، ويدُلُّ علَى هذا: أنه أضاف الذَّكاةَ إلى الجِلْدِ خاصَّةً، والذي يخْتَصُّ به الجلدُ هو تَطْيِيبُه وطَهارتُه، أمَّا الذَّكاةُ التي هي الذبحُ، فلا تُضافُ إلَّا إلى الحيوان كلِّه, ويحْتَمِلُ أنه أراد بالذَّكاةِ الطهارةَ، فسَمَّى الطهارةَ ذَكاةً، فيكونُ اللفظُ عَامًّا في كلِّ جِلْدٍ، فيتناوَل ما اخْتَلفْنا فيه.


(٢٣) سقط من: م.
(٢٤) أخرجه النسائي، في: باب جلود الميتة، من كتاب الفرع والعتيرة. المجتبى ٧/ ١٥٣، ١٥٤. والإمام أحمد، في: المسند ٣/ ٤٧٦، ٥/ ٦, ٧. وبنحوه في المسند ١/ ٢٧٧، ٣٧٢، ٣/ ٤٧٦، ٥/ ٦.
(٢٥) في م: "الذبح".
(٢٦) في أ، م: "لكون".

<<  <  ج: ص:  >  >>