للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


مطل قراء الجرائد

المشتركون في الجرائد هم خواص الأمة في الفكر والعلم، أو المتشبهون
بالخواص، وأعني بالعلم علم الحياة الاجتماعية وما يتعلق به فإنه أعلى العلوم،
وأصحاب الجرائد التي يُقصد بها ترقية الأمة في حياتها الاجتماعية هم أعلم الناس
بحال الأمة، وبدرجة ترقي الفكر فيها، وقوة الحياة أو ضعفها في أفرادها،
الكثيرون من هؤلاء الخواص يبذلون كل يوم ما يقدرون على بذله في السفاسف،
ويصعب على أحدهم أن يبذل في السنة جنيهًا أو نصف جنيه قيمة الاشتراك في
الجريدة أو المجلة التي يعتقد منفعتها، ويشهد بفائدتها، فإذا خرج منه شيء لا
يخرج إلا نكدًا بعد إلحاح في الطلب ومراوغات في الهرب، ومنهم من يعتذر
بأعذار جديرة بالعظة والاعتبار، من أغربها معرفة صاحب الجريدة أو ادعاء
صحبته، يقول أحدهم: إنني لا أدفع قيمة الاشتراك في هذه الجريدة؛ لأنني عرفت
صاحبها وصار لي معه صحبة، فهل يحكم هؤلاء على صاحب الجريدة بأن يتخذ
نفقًا في الأرض فيتوارى به عن الناس لكيلا يعرفوه، وأن يقابلهم مقابلة سوأى إذا
هو رآهم لئلا يصحبوه، فيكون بذلك جديرًا بأن يُعْطَى حقه، ويُعَانَ على عمله،
قلما تروج جريدة في هذه البلاد إذا لم يكن لصاحبها أصدقاء كثيرون ينوهون
بجريدته، ويرغِّبون الناس فيها، فإن لم يفعلوا هذا فليسوا بأصدقاء، وليت شعري
كيف يرضى إنسان أن يسن سنة يحرم بها صديقه من منافع كثيرة، بل يؤذيه بها
ويضره ليوفر على نفسه شيئًا قليلاً من المال، لا يبخل به كريم النفس على غير
صديق بغير حق؟ أعني بهذه السنة كون الصديق لا يدفع قيمة الاشتراك، فإذا كان
لي مائة صديق في مصر فصاحب السنة يوجب علي أن أخسر مائة اشتراك في كل
سنة لأجل أن يوفر هو على نفسه قيمة اشتراك واحد! ! ! أظن أنه لا توجد لغة
ولا عُرف يجيزان أن يسمى مثل هذا صاحبًا أو صديقًا، وإن فرضنا أنه يسعى في
نشر الجريدة وترويجها فكيف به إذا كان لا يفعل؟
ومن الناس من يمتنع من دفع الاشتراك؛ لأنه كبير يجب التقرب إليه بتقديم
الجريدة مجانًا، وكذلك العلماء قلما يوجد فيهم من يدفع قيمة الاشتراك. والفقراء ربما
يعجزون وهم أقرب إلى العذر الحقيقي، فإذا كان العالم والكبير والصديق لا يؤدون
هذا الحق، فمن ذا الذي يؤديه؟ إنهم لا يتفكرون في هذا؛ لأن الأمة في طفولية
فكبيرها صغير، وعاقلها أفين، وهي لما تعرف معنى الحياة القومية الاجتماعية
ومقوماتها، والحقوق الإنسانية وواجباتها، إلا قليلاً من أهل الفضل والمروءة،
يؤدون الحقوق ويسعون في سبيل المنافع القومية، ولكن إذا لم يقدروا على جذب
الجماهير فيا سوء العاقبة وبئس المصير.