للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


الأسئلة والأجوبة
(س١) محمد توفيق أفندي حمزة بالفشن (المنيا) : هل يوجد حديث
صحيح بأن في القرآن لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها وأن منه قوله تعالى: {وَالْمُقِيمِينَ
الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (النساء: ١٦٢) نرجو الرد على ذلك لإزالة الشبهة.
(ج) لم يرد في هذا المعنى حديث صحيح ولا ضعيف ولا موضوع، ولكن
الزنادقة الذين حاولوا العبث بدين الإسلام كما كان يفعل أمثالهم في الأديان الأخرى
لما عجزوا عن زيادة حرف في القرآن أو نقص حرف منه؛ لحفظه في الصدور
والصحف أرادوا أن يشككوا بعض المسلمين فيه بشيء يضعونه عن لسان الصحابة
الكرام فزعم بعضهم أن عكرمة قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان
فوجد فيها حروفًا من اللحن فقال: (لا تغيروها فإن العرب ستغيّرها، أو قال:
ستقرأها بألسنتها، ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد فيه هذه
الحروف) .
وفي لفظ آخر: (أحسنتم وأجملتم، أرى شيئًا من لحن ستقيمه العرب
بألسنتها. ولو كان المملي من هذيل والكاتب من قريش لم يوجد هذا) ، ولما تصدى
المحدثون رضي الله عنهم لنقد الحديث والأثر من جهة الرواية التي راج في سوقها
الطيب والخبيث تبين لهم في هذا الأثر ثلاث علل: الانقطاع، والضعف
والاضطراب؛ فهو لا يعوّل عليه لو كان في الحث على فضائل الأعمال فكيف يلتفت
إليه في موضوع هو أصل الدين الأصيل وركنه الركين؟ ومن يدري إن كان
الساقط من سنده مجوسي أو دهري أو إسرائيلي؟ على أن الكلمة التي نسبت إلى
عثمان تدل على أن اللحن في الرسم، وأنه لم يكن مما يشتبه في قراءته؛ لأنه لا
يحتمل في النطق وجهًا آخر، كرسم الصلاة والزكاة والحياة بالواو مثلاً (الصلوة
الحيوة) . ولكن الموسوسين حملوا ذلك على كلمات قليلة جاءت في المصحف على
خلاف القواعد النحوية التي وضعها الناس لكلام العرب وتحكَّمُون بها عليهم، ومن
ذلك الآية التي أشار إليها السائل وهي قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ مِنْهُمْ
وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ
الزَّكَاةَ} (النساء: ١٦٢) وإنني لأعجب من دخيل في لغة قوم يتحكم عليهم في
شيء يخترعه هو ويجعله أصلاً لها، وأعجب من هذا أن يكون هذا التحكم على
أصح شيء في اللسان فإن الذين يؤولون ما ورد عن بعض سفهاء الأعراب من
الشعر المخالف للقواعد أو يكتفون بأنه صحيح - لأنه هكذا سُمع - يتوقفون في بعض
الكلم من القرآن إذا رأوا أنها على خلاف القياس.
على أن علماء العربية خرجوا تلك الكلمات على ما يوافق قواعدهم من وجوه
مذكورة في كتب التفسير وكتب النحو لا محل لها هنا. وسنفصل القول في مسألة
جمع القرآن في دروس الآمالي الدينية بما يشفي الصدور إن شاء الله تعالى.
***
(س٢) أحمد أفندي الألفي في أبي كبير (شرقية) : ما أقرب الطرق
لمعرفة أحكام العبادات من الكتاب والسنة؟
(ج) الكتاب العزيز لم يفصل القول في صور العبادات، وإنما بين روح
العبادات والمقصود منها، وفيه كيفية الوضوء وذكر الركوع والسجود من أعمال
الصلاة. والسنة بينت صورها وأذكارها. وأصحاب الكتب الستة التي هي أصح
كتب الحديث إنما ألفوا كتبهم لمعرفة الدين منها، فجامع البخاري هو مذهبه الذي
يعتمد عليه في فهم الدين وقد قال بعض العلماء: إن سنن أبي داود كافية فيما
يشترط للاجتهاد من علم السنة.
ويوجد كتاب يسمى (منتقى الأخبار) جمع فيه صاحبه أحاديث الأحكام من
الكتب الستة ومن مسند الإمام أحمد، وقد شرحه الإمام الشوكاني وأورد في شرحه خلاف جمع أئمة المسلمين المشهورين من الصحابة والتابعين مع بيان الترجيح في
الاستدلال.
واسم الشرح (نيل الأوطار) ، فهو أجمع كتاب في أحكام الدين من السنة
وهدي سلف الأمة لمن هو أهل للفهم. والأحاديث الشريفة أسهل فهمًا من كلام
العلماء، ولكن لا يستغنى عن هدايتهم في معرفة ما يحتج به وما يختلف مع غيره.
***
(س٣) ومنه: هل يفيد حفظ القرآن في اكتساب ملكة البلاغة كغيره من الكلام البليغ؟
(ج) لعل سبب السؤال توهم أن القرآن في علو أسلوبه وإعجازه لا يمكن
أن يحتذي بلاغته مَنْ لا يطمع أن يبلغ غايته. والصواب أن لحفظ القرآن مع
فهمه أبلغ التأثير في ارتقاء ملكة البلاغة العربية، ولقد ارتقى به كلام العرب
أنفسهم فكان كلامهم في المنظوم والمنثور بعد الإسلام أعلى منه قبله. فالقرآن أنفع
الكلام في ارتقاء اللغة كما أنه أنفعه في إصلاح الأرواح وتهذيب النفوس وإكمال
العقول. ولا يستلزم نفعه في ارتقاء البلاغة إمكان التسلق إلى درجته، والجري إلى
غايته، وإن لنا لعودة إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى.
***
(س٤) ع. ا. ر. في الإسكندرية: لا يخفى ما رسخ في أوهام العوام من
مسألة كرامات الأولياء والخروج في فهم حقيقتها عن الحد الذي نبهت عليه شريعتنا
السمحة، وبثغرنا واحد من هؤلاء الدجالين الجهلاء المنتحلين لأنفسهم على الغيب،
وله سبحة طويلة ينظر فيها عند سؤاله من العامة فيخبرهم بما يحصل لهم في غد
من الحوادث فيصدقونه، والمنتبهون منهم إن سألوا بعض العلماء عن ذلك جوزوه
بدعوى أنه كرامة من غير توضيح ما هي الكرامة ومن يكرم الله بها من عباده
المتقين غير الدجالين الذين هم عن صلاتهم ساهون.
ولما كان للإسلام والمسلمين صوًى و (منار) كمنار الطريق الذي
يتخذونه نبراسًا لهم ودليلاً إن هم تاهوا في بيداء الحيرة وقبور الضلال، فقد أرسلت
بهذه السور إليكم ملتمسًا من بحر علمكم وواسع حكمتكم أن توضحوا بعدد المنار المقبل
(وإن كان سبق توضيح) : هل ورد في الشرع ما يجيز لأحد من الناس التهجم على
غيب علم الله الذي ستره عن عباده وإخبار الناس بما يصيبهم من خير أو شر؟ فإن
ضل أو استشعر من الخبط والخلط قال: (السبحة تايهة السبحة تايهة) فالمرجو أن
توضحوا لنا ذلك بمناركم المنير وتزيلوا هذه الغيوم المتلبدة على العقول.
(ج) لم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يدل على جواز
هذه الدعوى لأحد، بل ورد ما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام قد أمروا بأن
يتنصلوا منها: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ
إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} (الأنعام: ٥٠) ، {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ
أَعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ
يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: ١٨٨) ، {قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ
إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النمل: ٦٥) والآيات في هذا المعنى كثيرة.
واستشكل بعضهم نفي علم الغيب عن النبي مع أنه أخبر بكثير منه، وأحسن جواب
أجابوه ما تؤيده الآيات كقوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إليَّ} (الأنعام:
٥٠) فنقول فيما أخبر به من ذلك كما قال الله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى *
إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} (النجم: ٣-٤) وأما المنفي فهو ما يتعلق بمصالح
الدنيا وما يكون من أمر الناس فيها واستشهدوا له بالحديث الصحيح الوارد في
تأبير النخل وقوله لما خرج خلاف ما قاله عليه السلام: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)
وفي رواية لمسلم: (إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإن كان من أمر
دينكم فإلي) فالحديث يدل على أن الله تعالى لم يعط الأنبياء معرفة الغيب في
مصالح الناس في دنياهم، وإنما جعل علم الدنيا كسبيًّا يعلمه الناس بالبحث والجد.
أما هؤلاء الدجالون من أصحاب السبح ونحوهم فلا تزال بضاعتهم تروج ما
دام هذا الجهل فاشيًا في جميع طبقات الأمة، ولا ينفع في الجاهل المُقَلِد الأعمى دليل
ولا برهان. وراجعوا مقالات (كرامات الأولياء) في ص٤٠١ و٤١٧ و ٤٤٩
و٤٨١ و ٥٤٥ من مجلد المنار الثاني.