للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


تحريم تحليل المطلقة ثلاثًا
وبدع المحللين

(س٢) عوض أفندي محمد الكفراوي بزفتى: لما كنتَ الرجل الوحيد الذي
يذبُّ عن الدين جئتُك راجيًا الإجابة عن السؤال الذي تجده بهذه الصحيفة وهو: هل
يجوز في أعمال المحلل للمطلقة ثلاثًا: أن يكون عالمًا بذلك؟ وإن كان يجوز فهل
العادة التي اتخذها المأذونون في صيغة العقد صحيحة، وهي أن يقول الرجل:
(بالتقاء الختانين تكون الزوجة مطلّقة) فهل يجوز العقد بذلك أم لا؟ ثم إنه يوجد
في أكثر البنادر رجال مخصوصون للتحليل لا كسب لهم إلا منه، فتجد الرجل يتزوج
المرأة للتحليل ثم يتزوج بعد أختها أو خالتها أو عمتها لهذه الغاية. فما قولكم في ذلك
وفي سكوت المحكمة عليه؟ أفيدونا مأجورين.
(ج) اعلم أن المطلقة ثلاث مرّات لا تحل لمَن طلقها إلا إذا تزوجت غيره
زواجًا صحيحًا شرعيًا ثم اتُّفِق إن مات زوجها الثاني أو طلقها، وهذا التحليل
المعروف ليس بزواج شرعي؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن فاعله
واللعنة لا تكون على سنة من سنن الدين والفطرة وإنما تكون على الكبائر من
المعاصي وليس بزواج عرفي؛ إذ لا يقول الناس في المحلل إنه متزوج. وقد روي
عن كثير من أئمة السلف القول بأن العقد المقصود به التحليل غير صحيح وجوزه
بعض الفقهاء بالرأي مع الكراهة الشديدة إذا لم يشترط في العقد أن يطلق أو نحو
ذلك من الشروط الفاسدة والقول بالجواز غير سديد، وما أَمْرُ فاعله برشيد، ولا
يليق بمحاسن الشريعة الإلهية أن تُنسب إليها هذه الفضيحة الشيطانية، وإننا نبدأ
أولاً بما جاء في (الزواجر) من حكاية الجواز وعدمه ثم نبين مفاسد هذه البدعة
الذميمة فنقول:
قال الفقيه ابن حجر الهيتمي في الجزء الثاني من (الزواجر) ما نصه:
(الكبيرة الستون والحادية والستون والثانية والستون بعد المائتين)
(رضاء المطلق بالتحليل وطواعية المرأة المطلقة عليه ورضاء الزوج المحلل
به) : أخرج أحمد والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبركم بالتَّيْس المستعار) قالوا:
بلى يا رسول الله قال: (هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له) قال الترمذي:
والعمل على ذلك عند أهل العلم، منهم عمر وابنه وعثمان رضي الله عنهم وهو
قول الفقهاء من التابعين. وأبو إسحق الجوزجاني عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحلل فقال: (لا، إلا نكاح رغبة،
لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله عز وجل ثم تذوق العُسيلة) وروى ابن المنذر
وابن أبي شيبة وعبد الرزَّاق والأثرم عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى
بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك فقال: كلاهما زانٍ، وسأل
رجل ابن عمر فقال: ما تقول في امرأة تزوجتها لأحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم
فقال له ابن عمر: لا، إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها وإنا
كنا نعد هذا سِفاحًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسئل عن تحليل
المرأة لزوجها فقال: ذلك هو السفاح، وعن رجل طلق ابنة عمه ثم ندم ورغب
فيها فأراد أن يتزوجها رجل ليحلها له فقال: كلاهما زانٍ وإن مكثا عشرين سنة أو
نحوها إذا كان يعلم أنه يريد أن يحلها، وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن
طلق امرأته ثلاثًا ثم ندم فقال: هو عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له
مخرجًا، قيل له: فكيف ترى في رجل يحلها؟ فقال: مَن يخادع الله يخدعه.
(تنبيه) عَدُّ هذا كبيرة هو صريحُ ما في الحديثين الأولين من اللعن وهما
محمولان عند الشافعي رضي الله عنه على ما إذا شرط في صلب نكاح المحلل أنه
يطلق بعد أن يطأ أو نحو ذلك من الشروط المفسدة للنكاح وحينئذٍ التحليل كبيرة
فيكون كل من المطلق والمحلل والمرأة فاسقًا لإقدامهم على هذه الفاحشة وعلى ذلك
يحمل إطلاق غير واحد من الشافعية أن التحليل كبيرة؛ إذ هو بدون ذلك مكروه لا
حرام فضلاً عن كونه كبيرة ولا عبرة بما أضمروه ولا بالشروط السابقة على
العقدة. وأخذ جماعة من الأئمة بإطلاق الحديثين فحرّموا التحليل مطلقًا منهم
من ذكرناه من الصحابة والتابعين والحسن البصري فقال: إذا همّ أحد الثلاثة
بالتحليل فقد أفسد العقد، والنخعي فقال: إذا كانت نيّة أحد الثلاثة: الزوج الأول أو
الزوج الآخر أو المرأة التحليل فنكاح الآخر باطل، ولا تحل للأول، وابن المسيب
فقال: مَن تزوج امرأة ليحلها لزوجها الأول لم تحل له، وتبعهم مالك والليث
وسفيان الثوري وأحمد وقد سئل عمن تزوج امرأة وفي نفسه أن يحلها للأول ولم تعلم
هي بذلك فقال: هو محلل وإذا أراد بذلك التحليل فهو ملعون.ا. هـ كلام
(الزواجر) .
أما مفاسد هذه البدعة الذميمة وفضائحها فهي كثيرة وقد فصل القول فيها ابن
القيم في كتابه (إعلام الموقعين) أحسن تفصيل في سياق الكلام على تغير الفتوى
واختلافها باختلاف الزمان والمكان والأحوال عقيب المثال السابع من أمثلة ذلك
التغير والاختلاف وهو ما ورد في صحيح مسلم وغيره من أن الطلاق الثلاث باللفظ
الواحد كان يجعل طلقة واحدة في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومدة خلافة
أبي بكر وصدر من خلافة عمر ثم لما رأى عمر رضي الله عنه اختلاف الحال
بكثرة هذا الطلاق المخالف للسنة رأى من المصلحة أن يمضيه على الناس ليرجعوا
عنه فأمضاه. ويقول المصنف وسبقه إلى ذلك شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره
أن الزمان قد اختلف الآن وصار من المصلحة جعل الثلاث باللفظ الواحد واحدة كما
كان في الصدر الأول وقد بيّنوا ذلك، وأوضحوه بما ليس من غرضنا ذكره إلا ما كتبه
ابن القيم في مفسدة واحدة من مفاسد الطلاق الثلاث في عصره وهذه العصور وهي
مفسدة التحليل. قال بعد ما تقدمت الإشارة إليه في المثال:
فصل
إذا عرف هذا فهذه المسألة مما تغيرت الفتوى بها بحسب الأزمنة كما عرفت
لما رآه الصحابة من المصلحة؛ لأنهم رأوا مفسدة تتابع الناس في إيقاع الثلاث لا
تندفع إلا بإمضائها عليهم فرأوا مصلحة الإمضاء أقوى من مفسدة الوقوع، ولم يكن
باب التحليل الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعله مفتوحًا بوجه ما؛
بل كانوا أشد خلق الله في المنع منه، وتوعد عمر فاعله بالرجم وكانوا عاملين
بالطلاق المأذون فيه وغيره.
وأما في هذا الأزمان قد شكت الفروج فيها إلى ربها من مفسدة التحليل وقبح
ما يرتكبه المحللون مما هو رمد؛ بل عمى في عين الدين، وشجى في حلوق
المؤمنين، من قبائح تشمت أعداء الدين به، وتمنع كثيرًا ممن يريد الدخول فيه
بسببه [١] بحيث لا يحيط بتفاصيلها خطاب، ولا يحصرها كتاب؛ يراها المؤمنون
كلهم من أقبح القبائح، ويعدّونها من أعظم الفضائح، قد قلبت من الدين رسمه،
وغيرت منه اسمه، وضمخ التيس المستعار فيها المطلقة بنجاسة التحليل، وزعم
أنه قد طيبها للحليل، فيا لله العجب أي طيب أعادها هذا التيس الملعون، وأي
مصلحة حصلت لها ولمطلقها بهذا الفعل الدون، أتُرى وقوف الزوج المطلق أو
الولي على الباب، والتيس المعلون قد حل إزارها وكشف النقاب. وأخذ في ذلك
المرتع، والزوج أو الولي يناديه لم يُقدّم إليك هذا الطعام لتشبع، فقد علمت أنت
والزوجة، ونحن والشهود والحاضرون، والملائكة الكاتبون، ورب العالمين،
أنك لست معدودًا من الأزواج، ولا للمرأة وأوليائها بك رضى ولا فرح ولا ابتهاج،
وإنما أنت بمنزلة التيس المستعار للضراب، الذي لولا هذه البلوى لما رضينا وقوفك
على الباب، فالناس يظهرون النكاح ويعلنونه فرحًا وسرورًا، ونحن نتواصى
بكتمان هذا الداء العضال ونجعله أمرًا مستورًا، بلا نثار ولا دف ولا خوان ولا
إعلان، بل بالتواصي (بهس) و (مس) والإخفاء والكتمان، فالمرأة تُنكح لدينها
وحسبها ومالها وجمالها، والتيس المستعار لا يسأل عن شيء من ذلك فإنه لا مسك
بعصمتها؛ بل قد يدخل على زوالها، والله تعالى جعل كل واحد من الزوجين سكنًا
لصاحبه وجعل بينهما مودة ورحمة ليحصل بذلك مقصود هذا العقد العظيم، وتتم
بذلك المصلحة التي شرعه لأجلها العزيز الحكيم.
فَسَلِ التيس المستعار: هل له من ذلك نصيب، أو هو من حكمة هذا العقد
ومقصوده ومصلحته أجنبي غريب، وسله هل اتخذ هذه المصابة حليلة وفراشًا
يهوي إليه، ثم سلها هل رضيت به قط زوجًا وبعلاً تعول في نوائبها عليه، وسل
أولي التمييز والعقول هل تزوجَتْ فلانة بفلان، وهل يعد هذا نكاحًا في شرع أو
عقل أو فطرة إنسان؛ وكيف يلعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً من
أمته نكح نكاحًا شرعيًا صحيحًا، ولم يرتكب في عقده محرمًا ولا قبيحًا وكيف
يشبهه بالتيس المستعار، وهو من جملة المحسنين الأبرار، وكيف تعيّر المرأة به
طول دهرها بين أهلها والجيران، وتظل ناكسة رأسها إذا ذُكِرَ ذلك التيس بين
النسوان؟ !
وَسَلِ التَّيْسَ المُستعارِ: هل حدّث نفسه وقت هذا العقد الذي هو شقيق النفاق
بنفقة أو كسوة أو وزن صداق، وهل طمعت المصابة منه في شيء من ذلك، أو
حدثت نفسها به هنالك، وهل طلبت منها ولدًا نجيبًا، واتخذته عشيرًا وحبيبًا، وسل
عقول العالمين وفِطرهم هل كان خير هذه الأمة أكثرهم تحليلاً، أو كان المحلل
الذي لعنه الله ورسوله أهداهم سبيلاً؟ !
وسل التيس المستعار ومن ابتُليت به: هل تجمَّل أحد منهما بصاحبه كما
يتجمل الرجال بالنساء والنساء بالرجال، أو كان لأحدهما رغبة في صاحبه بحسب
أو مال أو جمال، وسل المرأة هل تكره أن يتزوج عليها هذا التيس المستعار أو
يتسرَّى، أو تكره أن تكون تحته امرأة غيرها أخرى أو تسأل عن ماله وصنعته،
أو حسن عشرته وسعة نفقته، وسل التيس المستعار: هل يسأل قط عمّا يسأل عنه
مَن قصد حقيقة النكاح، أو توسل إلى بيت أحمائه بالهدية والمحمولة والنقد الذي
يتوسل به خاطب المِلاح، وسله: هل هو أبو يأخذ أو أبو يعطي، وهل قوله عند
قراءة (أبي جاد) هذا العقد خذي نفقة هذا العرس أو (حطي) [٢] وسله: هل
تحمل من كلفة هذا العقد خذي نفقة هذا العقد أو حطي وسله عن وليمة عرسه هل
أولم ولو بشاة، وهل دعا إليها أحدًا من أصحابه فقضى حقه وأتاه، وسله: هل
تحمل من نفقة هذا العقد ما يتحمله المتزوجون، أم جاءه كما جرت به عادة الناس
الأصحاب والمهنئون، وهل قيل له: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير
وعافية، أم لعن الله المحلل والمحلل له لعنة تامة وافية.
فصل
ثم سل مَن له أدنى إطلاع على أحوال الناس: كم من حرة مصونة أنشب فيها
المحلل مخالب إرادته فصارت له بعد الطلاق من الأخدان، وكان بعلها منفردًا
بوطئها فإذا هو والمحلل فيها ببركة التحليل شريكان، فلعَمر الله كم أخرج التحليل
مخدرة من سترها إلى البغاء، وألقاها بين براثن العشراء والحرفاء، ولولا التحليل
لكان منال الثريا دون منالها، والتدرع بالأكفان دون التدرع بجمالها، وعناق القنا دون
عناقها، والأخذ بذراع الأسد دون الأخذ بساقها، وسل أهل الخبرة: كم عقد المحلل
على أم وابنتها، وكم جمع ماؤه في أرحام ما زاد على الأربع وفي رحم الأختين،
وذلك محرم باطل في المذهبين، وهذه المفسدة في كتب مفاسد التحليل لا ينبغي أن
تُفرد بالذكر، وهي كموجة واحدة من الأمواج ومَن يستطيع عد أمواج البحر، وكم
من امرأة كانت قاصرة الطرف على بعلها فلمّا ذاقت عُسيلة المحلل خرجت على
وجهها فلم يجتمع شمل الإحسان والعفة بعد ذلك بشملها، وما كان هذا سبيله فكيف
يحتمل أكمل الشرائع وأحكمها تحليله، فصلوات الله وسلامه علي مَن صرّح بلعنته،
وسمّاه بالتيس المستعار مِن بين فسّاق أمته، كما شهد به علي بن أبي طالب كرم الله
وجهه وعبد الله بن مسعود وأبو هريرة وجابر بن عبد الله وعقبة بن عامر وعبد
الله بن عباس وأخبر عبد الله بن عمر أنهم كانوا يعدونه على عهد رسول الله صلى
الله وآله وسلم سِفاحًا.

(المنار)
وههنا أورد المصنف الأحاديث التي رواها هؤلاء الصحابة الكرام في لعن
المحلل وفي تسميته بالتيس المستعار وبحث في إسناد واحد منها قد أعله بعضهم
وبيَّن هو حسنه ومنها ما رواه الحاكم في (صحيحه) من حديث ابن أبي مريم
حدثنا أبو غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله
عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها أخ له من غير مؤامرةٍ بينه ليحلها لأخيه هل
تحل للأول؟ قال: (لا، إلا نكاح رغبة كنَّا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم) قال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، والسفاح
هو الزنا جهرًا. ثم قال المصنف:
* * *
فصل
فسل هذا التيس هل دخل في قوله تعالي: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ
أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: ٢١) ، وهل
دخل في قوله تعالى: {وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن
يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} (النور: ٣٢) ؟ وهل دخل في قوله صلى الله
عليه وآله وسلم: (من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر
وأحصن للفرج) ؟ وهل دخل في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تزوجوا
الودود الولود؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) ؟ وهل دخل في قوله: (أربع
من سنن المرسلين: النكاح والتعطر والختان) وذكر الرابعة؟ وهل دخل في قوله
صلى الله عليه وآله وسلم: (النكاح سنتي فمَن رغب عن سنتي فليس مني) ؟
وهل له نصيب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم
الناكح يريد العفاف والمُكاتب يريد الأداء) وذكر الثالث؟ أم حقَّ على الله لعنته
تصديقًا لرسوله فيما أخبر عنه؟ وسله: هل يلعن اللهُ ورسولُه مَن فعل مستحبًّا أو
جائزًا أو مكروهًا أو صغيرًا؟ أم لعنته مختصة بمَن ارتكب كبيرة أو ما هو أعظم
منها كما قال ابن عباس: (كل ذنب خُتم بلعنة أو غضب أو عذاب أو نار فهو
كبيرة) ؟
وسله: هل كان في الصحابة محلل واحد أو أقر رجل منهم على التحليل؟
وسله لأي شيء قال عمر بن الخطاب: لا أوتَى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما؟
وسله كيف تكون المتعة حرامًا نصًا مع أن المستمتع له غرضٌ في نكاح الزوجة إلى
وقت، لكن لمّا كان غير داخل على النكاح المؤبد كان مرتكبًا للمحرم فكيف يكون
نكاح المحلل الذي إنما قصده أن يمسكها ساعة من زمان أو دونها ولا غرض له في
النكاح ألبتة؛ بل قد شرط انقطاعه وزواله إذا أخبثها بالتحليل، فكيف يجتمع في
عقل أو شرع تحليلُ هذا وتحريمُ المتعة، هذا مع أن المتعة أُبيحت في أول الإسلام
وفعلها الصحابة وأفتى بها بعضهم بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟
ونكاح المحلِّل لم يبح في ملة مِن الملل قط ولم يفعله أحد من الصحابة ولا أفتى به
واحد منهم!)
(ثم قال المصنف) : (وليس الغرض بيان تحريم هذا العقد وبطلانه وذكْر
مفاسده وشرِّه فإنه يستدعي سِفرًا ضخمًا نختصر فيه الكلام؛ وإنما المقصود أن هذا
شأن التحليل عند الله ورسوله وأصحاب رسوله فألزمهم عمر بالطلاق الثلاث إذا
جمعوها ليكفوا عنه إذا علموا أن المرأة تحرم به وأنه لا سبيل إلى عودها بالتحليل.
فإنه لما تغيّر الزمان وبعد عهد الناس بالسنة وآثار القوم وقامت سوق التحليل ونفقت
في الناس فالواجب أن يرد الأمر إلى ما كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم وخليفته من الإفتاء بما يعطل سوق التحليل أو يقللها ويخفف شرها. وإذا
عرض إلى مَن وفقه الله وبصَّره بالهدى وفقَّهه في دينه مسألة كَوْنِ الثلاث واحدة
ومسألة التحليل ووازن بينهما تبيّن له التفاوت وعلم أي المسألتين أولى بالدين،
وأصلح للمسلمين.
فهذه حجج المسألتين قد عُرضت عليك وقد أهديت إن قبِلتها إليك، وما أظن
عمى التقليد إلا يزيد الأمر على ما هو عليه ولا يدع التوفيق يقودك اختيارًا إليه،
وإنما أشرنا إلى المسألتين إشارة يطَّلع العالِم على ما وراءها وبالله التوفيق اهـ.