للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


العقيدة الإسلامية
(كتاب يحتوي على ذكر شهادات علماء أوروبا وأشهر كتابها بفضل الدين
الإسلامي في نشر المدنية وارتقاء العمران، مع بيان الأساسات الجوهرية التي بني
عليها الدين المبين، وتطبيقها على القواعد العقلية والأصول الفلسفية) .
هذا عنوان كتاب ألفه بالإنكليزية الشيخ عبد الله كويلبام، شيخ المسلمين
ورئيسهم في ليفربول من بلاد الإنكليز، وقد عربه الفاضل محمد أفندي ضيا
المصري، وأهدانا نسخة منه تصفحناها فألفيناها جديرة بالمطالعة، ولكن عنوان
الكتاب أكبر منه، فإنه وإن بين الكثير من الأسس الجوهرية التي بني عليها هذا
الدين، لم يستوفها مع التطبيق الذي يشعر به العنوان، ومما يحسن ذكره في تقريظ
هذه العقيدة: أنها تتكلم عن الإسلام من الوجوه التي تستلفت نظر الأوروبيين وسائر
أبناء التمدن العصري إليه، من ذكر محاسنه وفوائده للنوع الإنساني، وتأثيره في
سوق من يأخذ به على حقه للمدنية الصحيحة، والجواب عن انتقاد متمدني العصر
على بعض أحكامه: كالطلاق وتعدد الزوجات، وبمثل هذا ينبغي أن يدعى إلى الدين
في هذه الأيام، لا بمثل كتب العقائد التي يتداولها طلاب العلم: كحواشي السنوسية
والجوهرة التي تبحث عن مزايا الدين وفوائده وتأثيره في سعادة أهله، بناءً على أن
هذا ليس من أصول العقائد، لكنها تذكر أن خوارق العادات تقع من كل صنف أو
على يد كل صنف من أصناف البشر، حتى الكفار والفساق وتسمى كل نوع من تلك
الأنواع باسم، ولم يرد شيء من ذلك في كتاب الله ولا سنة رسوله وسيرة أصحابه
وسائر سلف الأمة الصالح، وإنما هو تقسيم لاح في ذهن بعض المؤلفين الذين لا
يؤخذ بقولهم في فروع الدين فضلاً عن أصوله وعقائده، التي اختُلف في صحة
إيمان المقلد فيها، ولو للأئمة المجتهدين.
ومما نقله في هذه العقيدة عن علماء أوروبا في وصف الإسلام، مسألة حقيقة
بأن يلتفت لها طلاب العلم، بل والعلماء المسلمون، وهي أن دين الإسلام سهل
قريب من الفهم يمكن لكل إنسان أن يتناوله من طرف الثمام مع التعقل والإذعان في
مدة قليلة جدًّا، وإنما أستلفت لهذه المسألة أهل العلم مع أنها لا نزاع فيها؛ لأن كتبهم
وتآليفهم التي يتداولونها اليوم قد جعلت السهل حزنًا والقريب بعيدًا، وصار تناول
الدين الذي كان يأخذه الأعراب من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مجلس واحد
يحتاج فيه إلى سنين طويلة، فعسى أن يضعوا لنا كتبًا سهلة العبارة، خالية من
الحشو والأبحاث الغريبة والمسائل المبنية على الفرض واحتمال الوقوع، لأجل
تعليم الناس الدين بها، فإن أكثر منتحلي علوم الدين - إن لم نقل كلهم - في عجز
عن إلقاء الدروس الدينية من غير كتب يقرءون بها، والكتب كما تعلم، فالحاجة إلى
غيرها شديدة، وما ينتقد به على هذه العقيدة أنها تنقل مسائل دينية عن علماء أوروبا
مخالفة لما عليه المسلمون، وتقر أصحابها عليها، مثل: الجزم بأن سيدنا إبراهيم
عليه الصلاة والسلام كان يعبد النجوم، كما يلوح لغير العالم بدين الإسلام من آيات
سورة الأنعام، ومثل: نقله عن بعض كتب التاريخ الإفرنجية أن النبي عليه الصلاة
والسلام كان شاعرًا، وعبارته المنقولة هي: وهكذا انتهت حياة الرجل الوحيد في
تاريخ العالم الذي جمع في آن واحد بين شاعر ونبي، ومتشرع ومؤسس لدين
ومملكة، ومثل: نقله أن أكثر القرآن منزل بالنثر المسجع، وليس كذلك، ومثل:
نقله عن بعضهم في القرآن أنه يثبت انقلاب هذه الأرض القاحلة على بغتة أرضًا طيبة
تجري من تحتها الأنهار، وهو ناجم عن عدم فهم القرآن. هذا ما سنح لنا الآن،
وربما نطالع العقيدة ثانية بدقة وإمعان، ونوفيها حقها في التقريظ والانتقاد، ونختم
الكلام بالثناء على حضرة المترجم، ونستلفته إلى العناية بتصحيح الترجمة في طبعة
ثانية، ونحث أبناء العربية على الإقبال على هذه العقيدة كما أقبل عليها أهل اللغات
الأجنبية.