فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


السؤال والفتوى

الدليل على وجود الله تعالى
(س 11) أحمد أفندي الألفي في ميت سمنود: ما هو الدليل العقلي على
وجود الله سبحانه وتعالى الذي لا يمكن لمشكك أن يشتبه فيه؟
(ج) إن الناس قد اشتبهوا في المشاهدات وغيرها من المحسوسات، وأنكر
السوفسطائية منهم حقائق الأشياء، وطفقوا يشككون الناس في ذلك قائلين: كيف
نثق بما نراه، وقد ظهر لنا الغلط في بعضه، ويجوز على بعض المتساويين ما جاز
على الآخر. مثلاً إننا نرى العود مستقيمًا خارج الماء ونراه معوجًّا في الماء، ونرى
النجم صغيرًا وكلنا يعلم أنه كبير، ويذوق من يسمونه الصفراوي العسل مرًّا ويذوقه
غيره حلوًا، ويرى المحموم أو النائم أمامه أشياء كثيرة يقول من في حضرته: إنها
لا وجود لها. فأمثال هؤلاء إذا كانوا يشكون أو يشككون في وجود الله تعالى لا
ينفع معهم دليل ولا برهان. وأما طالب الحقيقة فهو الذي لا يشتبه في الحق إلا
لعارض يصرفه عن الدليل؛ فإذا نبه إليه تنبه ورجع.
ومن الناس من يسهل تنبيهم وهم أصحاب الأفكار المستقلة، ومنهم من يتعذر
أو يتعسر تنبيهه على حسب بعده من التقليد وقربه من استقلال الفكر. وفي
المشتغلين بالعلم والفلسفة من المقلدين نحو ما في المشتغلين بعلم الدين فإن أحدهم
يسمع أو يقرأ أن فلانًا الفيلسوف، الذي يعجب به قال: إنه لم يثبت عندي دليل
على وجود الله تعالى , فيقول هذا المقلد له: لو كان هناك دليل قطعي لما خفي على
ذلك الفيلسوف. ويكلف نفسه بأن تشك، وترتاب أو تنكر وتفند كل دليل من هذا
القبيل.
ذهب بعض العلماء والحكماء إلى أن معرفة الله تعالى فطرية في البشر لا
حاجة بهم إلى إقامة الدليل عليها لولا ما أحدثته الاصطلاحات العلمية من البحث في
الضروريات والبديهيات كعلم الإنسان وشعوره ووجدانه. واستدلوا على ذلك بأن
جميع أصناف البشر من أرقاهم كالأنبياء والحكماء إلى أدناهم كالقبائل الضاربين في
معامي الأرض وأغفالها كلهم يعتقدون بقوة غيبية وراء الطبيعة سواء منهم من تعلم
شيئًا من صفات ذي القوة , وما يجب له من العبادة ومن لم يتعلم، وبأن المعطلين
نفر قليل يعدون من الشواذ، ويحال شذوذهم على مرض عرض على هذا الشعور
الفطري كما يعرض للإحساس بالحلاوة مرض يمنع من إدراكها، وكما يعرض
لبعض مراكز المخ شيء يحول دون إدراك بعض المعلومات مع سلامة سائر
المدارك، فقد ثبت أن بعض الناس نسي بعض أرقام الحساب، فكان لا يحسن
عملية حسابية هي فيها، ويحسن غيرها، ومثل هذا كثير فلا يقال: إن من
المعطلين من لا يشك أحد بسلامة عقولهم , فإن من الناس من يضعف إدراكه لشيء
واحد وإن كان قويًّا في غيره، ولم يعرف أحد قويت مداركه في كل فرع من أنواع
الإدراك.
وذهب بعضهم إلى أن المسألة نظرية، وأنه لا بد من إقامة البراهين على
إثبات وجود البارئ تعالى؛ لأن الأنبياء والحكماء قد استدلوا وأقاموا الحجج على
ذلك. ونقول جمعًا بين القولين: إن المسألة فطرية في الحقيقة، وإن إقامة الأنبياء
والحكماء الحجج عليها هي لإصلاح فطرة من عرضت لهم الشبه فيها، كما تعرض
في غيرها من الأمور الفطرية والضرورية، ولإزالة غلط المعتقدين بتلك القوة
الغيبية، أو بالله تعالى في بعض صفاته، وفي نسبة المخلوقات إليه؛ إذ أشركوا به
وجعلوا له وسطاء وشفعاء كالملوك الظالمين؛ لذلك قال الله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} (إبراهيم: 10) ... إلخ فأشار أولاً إلى أن الإيمان به
أمر ثابت في الفطرة لا موضع للشك فيه، ثم ذكر بعض صنعه الدال على قدرته،
وانفراده بالتأثير، والتدبير وهو كونه فطر السموات والأرض؛ أي: شق وفصل
بعضها من بعض بعد أن كان الجميع مادة واحدة ... إلخ ما جاء في الآية.
وإنني وجدت أقرب الدلائل تنبيهًا، وإقناعا لعقول المشتغلين بالعلوم العصرية
كما ثبت لي بالتجربة والمناظرات معهم هو أن جميع ما نعرفه من الموجودات
حادث عندهم، حتى إنهم ليقدرون للأرض والشمس والكواكب أعمارًا لقطعهم
بحدوثها، ثم إنهم قاطعون بأن الموجود لا يصدر عن نفسه، ولا عن معدوم كما قال
تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ} (الطور: 35) فتعين أن
يكون لهذه الموجودات كلها مصدر وجودي، ثم إنهم قاطعون بأن مصدر الكائنات
والأصل الذي وجدت منه غير معروف في ذاته , وإنما يجب أن يكون موجودًا ذا
قوة، فالمادي منهم يقول: المادة مع القوة هي أصل الموجودات كلها؛ فإذا سألته:
ما هي المادة التي تعنيها؟ يقول: إن حقيقتها غير معروفة , فكأنه اختلف مع غيره
في التسمية، واتفق الجميع على أن هذه الكائنات كلها قد صدرت عن موجود ذي
قوة حقيقية غير معروفة الكنه , وهو ما عليه المسلمون؛ ولذلك قلنا في المنار: إن
الفلاسفة الأوربين الذين أنكروا إلههم ما أنكروا إلا إله الكنيسة؛ أي: الإله الذي تصفه
الكنيسة بصفات غير معقولة ككونه مركبًا من ثلاثة أقانيم وكون أحدها حل في
أحشاء امرأة فأولدها إلهًا كاملاً، وإنسانًا كاملاً إلى غير ذلك من الصفات التي لا
يقبلها عقل.
هذا الاعتقاد هو الذي صرح به سسل رود الذي قالوا: إنه كان غير مؤمن
بالله، وهو الذي كان يعتقده هكسلي وسبنسر وغيرهم من الفلاسفة الذين نقل عنهم
التعطيل، {وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} (الأحزاب: 4) .
***
البيع في الذمة والسلم
أو المضاربة العصرية
(س 12) محمد أفندي حسن وبعض تجار البورصة بالإسكندرية:
ما قولكم - دام فضلكم - في رجل من المسلمين اشترى من القطن ألف قنطار
مثلاً موصوفة في ذمة البائع بثمن معلوم في شهر المحرم مثلاً، على أن يستلمها
منه في أجل معلوم شهر ربيع الأول كذلك، ودفع بعض الثمن عند التعاقد وأجل
باقيه إلى الاستلام. فهل للمشتري قبل قبض المبيع، وقبل حلول الميعاد أن يبيع
ذلك القطن الموصوف في الذمة، ويكون تمكين البائع للمشتري من البيع في أي
وقت من أوقات الميعاد قبضًا وتخلية، حتى يكون ذلك البيع صحيحًا؛ لأنه معرض
للربح والخسران الذي هو قانون البيع، ويكون ما عليه المسلمون اليوم في تجاراتهم
من المضاربة، وبيع الكنتراتات جائزًا في دين الله تعالى، أم يكون ذلك بيعًا فاسدًا
وعملاً باطلاً مشابهًا للميسر كما يزعمه بعض الناس؟ وإذا كان باطلاً فأي فرق بين
قبضه بنفسه، وبين إذن البائع له بالبيع في أي وقت؟ وما السر في ذلك؟ وأين
اليسر في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ} (البقرة:
185) ، بل هو عين الحرج في البيع والشراء وقد قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78) أم كيف يحرم المسلمون من منفعة هذه
التجارة العظيمة التي تعود على الكثير منهم؟ نطلب من حضرتكم الجواب الموافق
لكتاب الله وسنة رسوله ودينه الصحيح من غير تقيد بمذهب من المذاهب مفصلاً
مبنيًّا، فيه سند الجواز أو المنع على لسان مجلتكم الغراء التي أخذت على عاتقها
خدمة الإسلام والمسلمين؛ لأن الإجابة على هذا السؤال بما يوافق الشرع أعظم
شيء يستفيده التجار المسلمون من أمر دينهم، وكلهم بلسان واحد يطلب من حضرتكم
الإجابة في أقرب وقت على صفحات المنار سواء كانوا بالإسكندرية أو غيرها
وفيهم مشتركون في مجلة المنار الغراء، والكل مشتاق إليها اشتياق الظمآن للماء
ليطمئن الجميع، نسأل الله تعالى أن يعلي شأنكم، ويعضد عملكم , ويجعلكم
ملجأ للقاصدين.
(ج) نهى الكتاب العزيز عن أكل أموال الناس بالباطل؛ أي: بغير حق
يقابل ما يأخذه أحد المتعاوضين، وأحل التجارة، واشترط فيها التراضي فقط،
ومن أكل أموال الناس بالباطل ما ورد في الأحاديث من النهي عن بيع الغرر، وعن
الغش، وعن بيع ما لا يملك لعله لا يقدر عليه، وقد ورد في حديث ابن عمر في
الصحيحين وغيرهما أنهم كانوا يتبايعون الطعام جزافًا بأعلى السوق، فنهاهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يحولوه، وفي رواية: ينقلوه. وقال: (من
ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه) وفي رواية لأحمد: (من اشترى طعامًا بكيل أو
وزن فلا يبعه حتى يقبضه) .
وروى أحمد ومسلم من حديث جابر: (إذا ابتعت طعامًا فلا تبعه حتى
تستوفيه) وهذه الأحاديث خاصة بالطعام، وبالتجارة الحاضرة تدار بين التجار
كما يدل عليه كونهم كانوا يفعلون ذلك في السوق، وأُمروا بالتحويل. وفي حديث
حكيم بن حزام عند أحمد والطبراني قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعًا فما
يحل لي منها وما يحرم؟ قال: (إذا اشتريت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه) وهو عام
ولكن في سنده العلاء بن خالد الواسطي ضعفه موسى بن إسماعيل. وهناك حديث زيد
بن ثابت عند أبي داود وابن حبان والدارقطني والحاكم قال: إن النبي صلى الله
عليه وسلم نهى أن تباع السلع حيث تباع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
وقد خص بعض العلماء النهي بالطعام، واستدلوا على ذلك بأحاديث أخرى تدل
على صحة التصرف بالمبيع قبل القبض، ومن هذه التصرفات ما هو مجمع عليه،
كالوقف، والعتق قبل القبض. وقد علل ابن عباس النهي بأن الشيء الحاضر إذا
تكرر بيعه ولم يقبض؛ كان ذلك بمنزلة بيع المال بالمال - أي: فإن المال ينتقل من
يد إلى يد - والشيء حاضر لا يمس كأنه غير محتاج إليه ولا مراد. رواه الشيخان،
قال مسلم: إنه قال لما سأله طاووس عن ذلك: ألا تراهم يبتاعون بالذهب والطعام
مرجأ، وحاصل هذا التعليل أن النهي لمنع الاحتيال على الربا، ولا بد في التجارة
أن تكون السلع هي المقصودة فيها لا سيما , فإذا كانت حاضرة فما معنى شراء فلان
السلعة الحاضرة بعشر جنيهات وبيعها من آخر بخمس عشرة، وهي حاضرة وهم
حاضرون إلا الحيلة على الربا؟ وأي فائدة للناس في حل مثل هذا اللعب بالتجارة،
وإننا نعلم أن بيع البورصة ليس من هذا القبيل، ولكن أحببنا أن نورد أصل مآخذ
العلماء في تحريم بيع الشيء قبل قبضه؛ ليميز المسلم بين البيوع التي تنطبق
عليها الأحاديث وغيرها.
ثم إن علماء المسلمين كافة يجيزون إرجاء الثمن أو إرجاء القبض، ولكن
أكثرهم يمنع بيع الشيء قبل قبضه مطلقًا؛ فإن احتجوا بالأحاديث المذكورة آنفًا فقد
علمت أنها لا تدل على هذا الإطلاق، وإن قالوا: إن بيع ما في الذمة لا يخلو من
غرَر، وربما يتعذر تسليمه، نقول: إن هذا رجوع إلى القواعد العامة التي وضعها
الدين للمعاملات، وكلها ترجع إلى حديث: (لا ضرر ولا ضرار) فكل ما ثبتت
مضرته، ولم يكن في ارتكابه منع ضرر أكبر منه؛ فهو محرم، وإلا كان حلالاً،
وهذا ينطبق على قاعدة بناء الشريعة على اليسر ودفع الحرج، ولا شك أن في
مبايعات البورصة ما هو ضار وما هو نافع، وتحرير ذلك بعد العلم بأصول الأحكام
التي ذكرناها متيسر للتاجر المتدين.
وقد جاء في الصحيح النهي عن بيع المخاضرة، وهو بيع الثمار والحبوب
قبل بدو صلاحه، وذلك لما كثر تشاكيهم، ودعوى البائعين أن الآفات والجوائح
أصابت الثمر قبل بدو صلاحه، وإنما هذا في ثمر شجر معين؛ لقوله صلى الله
عليه وسلم: (إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ !) والحديث في
البخاري. ولا يدخل في هذا بيع كذا قنطارًا من القطن قبل بدو صلاحه إذا لم يعين
شجر القطن، ويدل على ذلك جواز السلم الذي يدخل في جميع شروطه وأحكامه
المشروحة في كتب الفقه؛ فنذكر حقيقة ما جاء فيه في الأحاديث الصحيحة فيه إنارة
للموضوع؛ فإننا غير واقفين على تفصيل ما يجري في البورصة من البيوع فنكتفي
بالكلام فيها.
روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن من حديث ابن عباس قال: قدم النبي
صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين؛ فقال: (من
أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم) فالكيل المعلوم أو
الوزن المعلوم شرط؛ لأنهم كانوا يسلفون في ثمار نخيل بأعيانها، وفيه غَرَر
وخطر كما علم مما تقدم.
وأما الأجل؛ فقالت الشافعية: إنه ليس بشرط، وإن الجواز حالاً أولى، وهو
الراجح وإن خالفهم الجمهور، وأقل التأجيل عند المالكية ثلاثة أيام. وروى أحمد
والبخاري من حديث عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى، قالا: (كنا
نصيب المغانم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يأتينا أنباط من أنباط
الشام فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزيت إلى أَجَلٍ مُسَمَّى، قيل: أكان لهم
زرع أو لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك) ، وفي رواية لأحمد وأبي داود
والنسائي وابن ماجه (وما تراه عندهم) أي: المسلم فيه، وهو دليل على أنه لا
يشترط في المُسَلَّمِ فيه أن يكون عند المُسَلَّمِ إليه. قال ابن رسلان: وأما المعدوم
عند المسلم إليه وهو موجود عند غيره فلا خلاف في جوازه: وأجاز الجماهير السَلَم
فيما ليس بموجود عند العقد خِلافًا للحنفية، ويدل عليه حديث ابن عباس السابق،
فإن السلف في الثمار إلى سنتين نص فيه؛ إذ الثمار لا تمكث سنتين.
وروى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره) وفي إسناده عطية بن
سعد العوفي قال المنذري: (لا يحتج بحديثه) وإذا كان هذا الحديث غير صحيح
ولا حسن , فلا يوجد حديث غيره يدل على امتناع جعل المسلم فيه ثمنًا لشيءٍ قبل
قبضه أو امتناع بيعه قبل القبض. ثم إن بيعه قبل القبض ليس فيه شيء مما لم
يكن في العقد الأول فيحال عليه الفساد فهو جائز.
فعلم من هذا كله أن بيع ما في الذمة جائز كالحوالة فيه إلا إذا كانت التجارة
غير مقصودة، بل حيلة للربا أو المقامرة، أو كان في ذلك غش أو تغرير، ومنه
أن يبيع الإنسان ويشتري، وليس له مال ولا سلع تجارية، وإنما يخادع الناس فإن
ربح طالبهم، وإن خسر لا يأخذون منه شيئًا. فليحاسب مؤمن بالله نفسه بعد العلم
بأحكام دين الله، والله الموفق والمعين.
***
سادة أصناف البشر
وآية الكرسي
(س 13) محمد أفندي حلمي كاتب سجون حلفا:
جاء في كتاب المخلاة ما نصه: قال صلى الله عليه وسلم: (سيد البشر آدم،
وسيد العرب محمد ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد
الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن،
وسيد القرآن سورة البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي) ثم أورد في هذا الموضوع
فضائل آية الكرسي بكثرة، فهل ذلك حقيقي أرجو منكم إرشادي إلى الحقيقة، ولكم
مزيد الشكر والأجر.
(ج) هذا الحديث تشهد عبارته وأسلوبه والغلو فيه بأنه موضوع، ولكن
المحدثين قالوا: إنه ضعيف. وفي إسناده مجالد بن سعيد قال فيه الإمام أحمد: إنه
ليس بشيء وهو في الديلمي وابن عساكر. وقد ورد في سورة البقرة أحاديث
أمثلها حديث أبي هريرة عند الترمذي: (لكل شيء سنام، وإن سنام القرآن سورة
البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن - آية الكرسي) .
***
قضاء الفوائت في النار
(س14) ومنه: رجل بلغ من العمر نحو ثلاثين سنة وفي خلالها لم
يؤد الصلوات المفروضة عليه , وابتدأ في تأدية الفريضة بعد هذه المدة , هل هو
ملزم شرعًا بأن يعوض ما مضى في الدنيا؟ وإن كان لم يعوضها في الدنيا فهل
يؤديها يوم القيامة؟ أفيدونا بالصريح، ولجنابكم الثواب.
(ج) قضاء الصلوات الفائتة واجب، وما يتناقله العوام والصبيان من أن
من عليه فائتة يقضيها على بلاط جهنم غير صحيح لقوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} (القلم: 42) إلى قوله: {وَقَدْ
كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} (القلم: 43) .
***
القرآن لقضاء الحوائج
(س15) ومنه: ما قولكم - أدام الله النفع بكم للإسلام - فيما هو متبع،
وشائع، ومعلوم لكل إنسان من تلاوة بعض الآيات طلبًا للنجاة، أو السلامة فمنها ما
يقرأ قبل النوم، ومنها ما هو عند ركوب البحر، وللدخول أمام الحكام، وكذا
استعمالها لمداواة بعض الأمراض، مثل: وجع الرأس، والجنون، والحفظ من
الشيطان ... إلخ، وكل هذا عمل بالحديث المتداول بين الناس وهو: (خذ من
القرآن ما شئت) فهل هو صحيح؟ أرجو التكرم بالإفادة , ولكم الفضل.
(ج) لا أذكر أنني رأيت هذا الحديث في الكتب التي يعول عليها، وقد
راجعت عنه الآن في مظانه فلم أجده، وما أظنه إلا من اختراع أصحاب العزائم
والنشرات التي ورد في حديث جابر وغيره أنها من عمل الشيطان. فقد حول
هؤلاء فائدة القرآن إلى غير ما أنزل لأجله من الهداية، وجعلوه آلة لأكل أموال
الناس بالباطل؛ فإنك لتجد الذي يكتب لك ما تتقرب به إلى الحكام عاجزًا عن
التقرب إليهم، والقبول عندهم، وتجد الذي يكتب لك ما تغنى به من أفقر الناس إلا
حيث يروج الدجل، ويبذل المال الكثير في الوسائل الوهمية؛ فإن البارع في
الإيهام والدجل قد يستغني في أمثال هذه البلاد، ولكن ببركة جهل الناس لا بتأثير
عزائمه ونشراته، وكذلك الذين يكتبون لشفاء الأمراض تجدهم أو عيالهم غير
مُمَتعين بالصحة. ولو صح الحديث؛ لكان معناه: (خذ من القرآن ما شئت من
آيات الهداية والعبر لما شئت من أمراض النفس وعلل القلب) ، فإنه كما قال الله:
{وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُور} (يونس: 57) لا شفاء لما يقول الدجالون من أمراض
العظام والجلود.
***
المهدي المنتظر
(س16) ومنه: مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على مر الأعصار أنه
لابد في آخر الزمان من ظهور رجل يؤيد الدين، ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون،
ويستولي على الممالك الإسلامية، ويُسَمَّى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما
بعده من أشراط الساعة الثابتة بعده، وأن سيدنا عيسى - عليه السلام - ينزل من
بعده؛ فيقتل الدجال أو ينزل معه ... إلخ - وإني نظرت ذلك في متن صحيح
البخاري - فرأيت أن أكتب لجنابكم في هذه المسألة لكي تتكرموا علينا بالإفادة
ولحضرتكم الأجر.
(ج) ليس في متن البخاري ذكر صريح للمهدي، ولكن وردت فيه أحاديث
عند غيره منها ما حكموا بقوة إسناده، ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها
كلها. ومن استقصى جميع ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار،
وعرف مواردها ومصادرها؛ يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة، وذلك أنه لما استبد
بنو أمية بأمر المسلمين وظلموا وجاروا وخرجوا بالحكومة الإسلامية عن وضعها
الذي يهدي إليه القرآن وعليه استقام الخلفاء الراشدون، وهو المشاورة في الأمر،
وفصل الأمور برأي أهل الحل والعقد من الأمة، حتى قال على المنبر - مَنْ يُعَد
مِنْ خِيَارِهم - وهو عبد الملك بن مروان: (من قال لي: اتق الله ضربت عنقه) لما
كان هذا، كان أشد الناس تألمًا له، وغَيْرَةً على المسلمين - آل بيت النبي عليه
وعليهم السلام - وكانوا يرون أنهم أولى بالأمر، وأحق بإقامة العدل، فكان من
تشيع لهم يؤلفون لهم عصبية دينية يقنعونها بأن سيقوم منهم قائم مبشر به يقيم العدل،
ويؤيد الدين، ويزيل ما أحدث بنو مروان من الاستبداد والظلم، وعن هذا
الاعتقاد صدرت تلك الروايات، والناظر في مجموعها يظهر له أنهم كانوا ينتظرون
ذلك في القرن الثاني، ثم في الثالث، وكانوا يعينون أشخاصًا من خيار آل البيت
يرجحون أن يكون كل منهم القائم المنتظر فلم يكن. وكان بعضهم يسأل من يعتقد
أنه صاحب هذا الأمر فيجيبه ذاك بأجوبة مبهمة، ومنهم من كان يتنصل ويقول:
إن الموعد ما جاء ولكنه اقترب، ومنهم من كان يضرب له أجلاً محدودًا، ولكن
مرت السنون والقرون، ولم يكن ما توقعوا أن سيكون.
وقد جرت هذه العقيدة على المسلمين شقاءً طويلاً؛ إذ قام فيهم كثيرون بهذه
الدعوى، وخرجوا على الحكام، فسفكت بذلك دماء غزيرة، وكان شر فتنها فتنة
البابية الذين أفسدوا عقائد كثير من المسلمين، وأخرجوهم من الإسلام ووضعوا لهم
دينًا جديدًا، وفي الشيعة ظهرت هذه الفتنة - وبهم قامت - ثم تعدى شرها إلى
غيرهم، ولا يزال الباقون منهم ومن سائر المسلمين ينتظرون ظهور المهدي،
ونصر الإسلام به، فهم مستعدون بهذا الاعتقاد لفتنة أخرى، نسأل الله أن يقيهم
شرها.
ومن الخذلان الذي ابتلي به المسلمون أن هذه العقيدة مبنية عندهم على القوة
الغيبية، والتأييد السماوي؛ لذلك كانت سببًا في ضعف استعدادهم العسكري
فصاروا أضعف الأمم بعد أن كانوا أقواها، وأشدهم ضعفًا أشدهم بهذه العقيدة تمسكًا
وهم مسلمو الشيعة في إيران، فإن المسألة عندهم اعتقادية أما سائر المسلمين فالأمر
عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين. ولو كانوا
يعتقدون أنه يقوم بالسنن الإلهية والأسباب الكونية لاستعدوا لظهوره بما استطاعوا
من قوة، ولكان هذا الاعتقاد نافعًا لهم.
وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المهدي المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به ,
ولو ظهر ونحن له منكرون لما ضره ذلك إذا كان مؤيدًا بالخوارق كما يقولون. وقد
بينا ذلك في كتابنا (الحكمة الشرعية) وفي هذه الأيام ألف أحد علماء الفرس
(زعيم الدولة الدكتور ميرزا محمد مهدي خان رئيس الحكماء) المقيم بالقاهرة كتابًا
في تاريخ البابية يطبع عندنا الآن واسمه (مفتاح باب الأبواب) ، وقد ذكر فيه
أصل هذا الاعتقاد وما ورد فيه وتاريخ من ادعى المهدوية مجملاً , وماذا كان من
أثر ذلك فلينتظر صدوره محبو التفصيل فإن العاقل يستنبط منه ما سكت المصنف
عن استنباطه عمدًا.