فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


نظام الحب والبغض
تابع ويتبع

حب القوة.. رابطة المدنية
(تمهيد ثان) البر وطن البشر، يسبحون فيه كما تسبح الحيتان في البحر.
يوجد في الأرض بران عظيمان: أحدهما عُرف قديمًا، والآخر عرف أخيرًا (سنة
898هـ - 1492م)
البر القديم قطع ثلاث كبرى: أوربا في الغرب الشمالي، وأفريقية في
الغرب الجنوبي، وآسيا في الشرق من الشمال إلى الجنوب: والبر الجديد قطعة لا
شرقية ولا غربية.
وفي البحار قطع متجاورات من الجزائر صغيرة وكبيرة تتبع في اصطلاح
المقسمين لواحد من هذه البرور، إلا الجزائر التي تقع في الأوقيانوس الجنوبي فإنها
تحسب قطعة وحدها. على أنه حيث كان البر مهما عظمت مساحته فهو جزيرة في
البحر. وإذا كانت البرور كلها جزائر فأول بشر في أية جزيرة وجد؟ وكيف انتقل
البشر من جزيرة إلى أخرى؟ وفي أي الجزائر حدثت له مراقي المدنية؟ فلبيان
هذه المسائل حررت هذا التمهيد الثاني:
يلهج كثيرون بقولهم: إن آسيا مهد البشر، ولكن لا دليل على ذلك، بل لا
دليل على أن هذا النوع وجد بادىء بدء في البر القديم مطلقًا، كما لا دليل على أنه
وجد بادىء بدء في البر الجديد. وإنما لهج الناس بهذه القولة؛ لأن ما حفظه التاريخ
يدل على قدم سكان آسيا، ويدل على أن سكان أوربا أتوها مهاجرين من جهات
آسيا.
وفريق من الحكماء تقدست أفكارهم عن الجمود فراموا نبأ عن البشر قبل
العهد الذي حدثت فيه صناعة الكتابة، ولم يعبأوا بكثير من أساطير الأولين. ومنهم
من أوحى إليهم الروح الطاهر أن يستهدوا بطبقات الأرض فاهتدوا بها إلى معرفة
أنواع من الحيوانات كانت فبادت. وهدوا إلى معرفة العهد الذي وجد فيه الإنسان.
فمن هؤلاء يرجى أن نقتبس المعرفة في هذه المسألة. فسائلوهم إن حرصتهم على
هذه المعرفة، ولكن أوصيكم لا تقنعوا منهم بجواب مجرد عن الدليل، واعلموا أنه
لا يتم لهم دليل حتى يثبتوا أنهم نقبوا في كل جزيرة في كل طبقاتها. أما الآن فلتبق
هذه المسألة مجهولة لدينا، والله بكل شيء عليم.
ومن الناس من يزعمون أن البشر ينتهون إلى أصول متعددة وجدت في
جزائر متعددة وهو وَهْمٌ نَاجم من عدم التدقيق، ومن جمود الفكر على بعض
المحسوسات، وما أقبح جمودًا ينتهي بصاحبه إلى جهل يظنه علمًا. ويصرفه عن
علم يخاله جهلاً.
وإننا قدَّمنا إشارات نافعة إلى كيفية تحكم الحاجات على الإنسان مع مشاركة
فطرته لها بالتحكم، ومنها علمتم كيف تحدث له الصنائع والأعمال، على قدر
الحاجات والآمال.
والآن نبني على ما قدمنا فنقول: إن من فطرة الإنسان، وجملة خواصه
الحرص على ادخار الزوائد عن حاجته، وإن الحرص يحمله أن لا يقف موقفًا
واحدًا في اجتلاب المكسوبات والمدخرات، ففريق الرُّحَّل يحتاجون في توفير
الحيوانات المأسورة والاستكثار منها إلى التنقل الدائم في المراعي، ومتى كثروا
وكثرت أموالهم تلك؛ يحتاج كل طائفة منهم إلى ديار واسعة يتنقلون فيها في
الصيف والشتاء والاعتدالين، ولا يزالون يستولون على الديار ويتقاتلون من أجلها
حتى تضيق بهم؛ ويحتاج الأضعفون منهم أن يرحلوا إلى ديار لا ديَّار فيها من
الأقوين.
وفريق المقيمين يحتاجون في توفير الحبوب، والمعادن، والمصنوع من
المعادن إلى المبادلات الدائمة؛ فلا تزال طوائف منهم يضربون في الأرض يبتغون
أن يبدل بعضهم من بعض ما صنعوا وملكوا، ومتى كثروا وكثرت أموالهم - كثرت؛
على هذه النسبة - مقراتهم، ثم اضطروا أن يتغالبوا على أحسن الديار وأوسعها
ليتخذوا فيها أوطانهم. ولا يزالون يتغالبون حتى يضطر الأضعفون للرحيل إلى ديار
أخرى يتخذونها وطنًا. وعلى هذا الوجه حدث ما نسميه القُرى أو البلاد , وتباعدت
بينها المسافات، وصار السفر للمقيمين ضربًا من اللوازم يقوم به طوائف منهم
على نسبة اقتسام الأعمال، وكثرة الأموال والآمال.
فافرضوا على هذا الوجه أن طائفة من الأضعفين القريبين من البحار ضايقهم
الأقوون من جيرانهم حتى اضطروهم إلى الرحيل، ولم يبق أمامهم إلا الموت أو
تجربة الحياة على متن ما كانوا قد جربوه فرأوه يطفو في البحر (وهم جيرته) من
ألواح الأخشاب، فأي الأمرين يختارون؟ أفلا يختارون أن يركبوا ما جربوه من
الطوافي، ويجربوا على ظهره كيف يحيون، ويأملوا أن يتاح لهم من الغيب ما به
يحيون؟
افرضوا أنهم سلموا أنفسهم للبحر على متن الألواح آملين ما هم آملون،
وبينما هم كذلك؛ إذ أشرفوا على بر في بحر، ودنت بهم الألواح حتى نزلوا إلى
ذلك البر، ووجدوا فيه ما كان يجده أوائل البشر من رزق، أفلا يصيرون أمة كما
صار من الزوج الأول أمم لا تحصى.
هكذا افرضوا إن أبيتم أن تقولوا: إن نفرًا من جيران البحر أولئكم جربوا
السير في البحر على الألواح من غير ضرورة ألجأتهم؛ كالتي مثلناها، بل أوحي
إليهم أن يجربوا تلك التجربة، وفي سيرهم وجدوا برًّا في بحر، ثم أحبوا أن
يتخذوا لهم وطنًا لِمَا وجدوا فيه من رَغدِ زائد على ما في وطنهم الأول. على أي
الوجهين بنى الباني يمكنه أن يقول: هكذا كان أول سير في البحر. وهكذا كان
أول انتقال من جزيرة إلى أخرى.
وهكذا عرف البشر أن في البحر برورًا؛ فصاروا يتنقلون حسب الحاجات أو
حسب الآمال من جزيرة إلى أخرى، حتى ملئت الجزائر بشرًا وملئوا بها.
أما الجزيرة الأولى التي حدثت فيها للنوع مراقي المَدَنية بادىء بدء؛ فلا يبعد
أن تكون هي البر المعروف قديمًا، ثم لا يبعد أن تكون قطعة آسيا منه هي مهد
المدنية وفرق بين قولنا: مهد البشر، وبين قولنا: مهد المدنية.
(ثمة بقية)
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ع. ز
((يتبع بمقال تالٍ))