للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


رأي عالم أزهري في العلماء
وحالهم في مصر

وصف مؤلف كتاب (العلم والعلماء) العالم الديني المسلم بأنه المرشد إلى
مصالح الدنيا وطريق الآخرة، ومما قاله في ذلك (ص٨) : (بينما تجده في
درسه يقرر خَفِيَّات المسائل في العلوم المختلفة تجده قد خرج يخالط الناس على
اختلاف طبقاتهم كأنه واحد منهم، يرشد هذا بالعبارة وذاك بالإشارة، وهذا
بالأحاديث وهذا بالآيات، هذا بالحجج العقلية وهذا بالمشاهدات والمكتشفات، طورًا
يستشهد بحال الصحابة والتابعين، وطورًا بحال فلاسفة اليونان وحكماء
الأوربيين) ... إلخ.
وقال في (ص ٩) : (العلماء لا تحصر وظيفتهم في تعليم الطلاب فنون
العلم في المدارس الدينية بالكيفية الجارية الآن؛ بل هي على الحقيقة أعم من ذلك
وأشمل وأنفع. وظيفة لها دخل في سائر الأعمال والأحوال، وترتبط بسائر الأمور
الدنيوية والأخروية؛ لأن العالم يعتبر مؤسس المبدأ الذي يسير عليه الإنسان ويبني
عليه سائر أفعاله المتعلقة بالمعاش والمعاد؛ وواضع الخطة التي تجري عليها الأمة
في سائر شؤونها المادية والأدبية وغيرها.
ثم ذكر أن للتعليم ثلاث مراتب: أولها تعليم صغار المسلمين في المدارس
الابتدائية المسماة بالمكاتب، وثانيها: تعليم جمهور الناس، وثالثها: التعليم العالي
في نحو الأزهر والجامع الأحمدي، ثم قال في علماء مصر (ص ١١) ما نصه:
(ولكن من موجب الأسف أن علماءنا أعرضوا عن المرتبتين الأوليين ولم يعيروهما أقل التفات مع أنهما من أهم الضروريات اللازمة التي يتوقف عليها تقدم الأمة، وحسن نشأتها في أمري الدين والدنيا، فهما اللذان ينبغي أن يكونا ثمرة هذا
التعليم العالي الذي يشتغلون به في المدارس الدينية ويضيعون فيه الأعمار من غير أن
يعود على الأمة منه فائدة تذكر) .
(على أنه في الحين الذي يأنف فيه العلماء من القيام بهذين الواجبين أرى أنهم
لا يمكنهم أن يقوموا بهما حق القيام) ... إلخ.
ثم ألمَّ بفائدة الإرشاد وتعليم العامة وقال (ص ١٢) : ومما يوجب الأسف أن
هذه الوظيفة السامية لا يقوم بها العلماء الآن أيضًا، وقد بُني على إهمالها ما نراه من
النقص العظيم وعلى قواعد هذا الإهمال ثبتت جدرانه القوية التي قد (لا) تهدمها
إلا معاول القدرة القاهرة والروح الإلهي إن شاء الله تعالى. اهـ.
ثم قال في (ص ١٧) : (ولكن من أعجب العجب أنهم أهملوا الآن هذا
الواجب، وأعرضوا عنه؛ فكان من نتائج ذلك ضعف الشعور الديني وانتهاك
حرمات الشرع حتى فيما يرجع إلى مصالح هذه الحياة الدنيا، بل كان من نتائج ذلك
ضياع حرمة العلماء وانحياز أمر الدين، حتى كاد يعد من الأحوال الشخصية
والأمور الاستحسانية التي تختلف باختلاف المشارب والأذواق) .
ثم قال في ذلك، بعد كلمات في أهل الطريق: (فوا أسفا على هذه الوظيفة
السامية، والصفة العالية التي ضاعت بين رجال العلم ورجال الطريق. واأسفا على
تركة الإسلام التي تفرقت أيدي سبأ في أيدي من لم يعرفوا حقها ولم يقوموا بواجبها،
بل ونسوها وشوَّهوها حتى صارت في ظاهر الأمر من المعاني السافلة والأمور
الدنيئة) ... إلخ.
وقال في الكلام على الكمال في الملكات والوجدان (ص٣٢) : (وإننا نرى
بأعيننا من العلماء المشهورين الذين أحرزوا التقدم، وشغلوا الوظائف العالية وعُدُّوا
من الرؤساء من ينقصهم هذا المعنى، وأن ملكاتهم ووجداناتهم النفسية دنيئة ناقصة،
تباين مراكزهم الرسمية وتضادّ منازلهم بين الناس وأنهم لا يزال لهم من الصفات
الناقصة ما يحطهم عن أكثر الناس، وإن كان ذلك لا يتراءى إلا لمن يعاشرهم
ويعاملهم ويخترق حجاب المظاهر الكاذبة، وقد ينبني على ذلك صدور أعمال منهم
تعد من الأعمال التي تورث النقص العام، وتوجب العار الفاضح للأمة والدين
والشواهد على ذلك كثيرة) .
إننا وإن كنا نريد بيان رأي هذا العالم الأزهري، ابن العالم الأزهري في
وصف العلماء دون انتقاد أو استحسان، لا يسعنا إلا أن نستدرك عليه ونقول: إن
في هؤلاء العلماء من يعد فخرًا للعلم والدين بعلوِّ الهمة، وشهامة النفس، وعزة
الدين، ووقار العلم، كما يشهد العدو والصديق، والقريب والغريب، وكان ينبغي
أن يصرح بذلك هنا.
ثم قال في فصل الكمال في التنور والتأثير، وشدة حاجة العالم إليهما
(ص ٣٣) :
(أصبح علماؤنا اليوم فاقدين كل شيء من معنى النفوذ والتأثير، عارين عن
سائر موادهما، ولا شك أن هذا نقص شديد يجب تداركه. لا أقول فقدوا النفوذ
والتأثير فقط، بل واكتسبوا صبغة الاستثقال والاحتقار من أكثر الطبقات العليا،
حتى كاد يكون الحق منهم باطلاً والصدق منهم كذبًا، والنصح منهم غشًّا؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
لو نظرنا بعين الاستبصار إلى سائر المرشدين إلى الحقائق، وهداة العالم
وأولهم سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - رأيناهم أولاً كانوا موضع الازدراء
والتحقير من الناس (ليته استبدل بهذين اللفظين ما هو أنزه منهما) وأن من
يتبعهم كان أقل القليل؛ فإذا ما اكتسبوا قوة النفوذ والتأثير انعكس الأمر، وأقبل
الناس عليهم، ودخلوا في دين الله أفواجا، ورأوهم بعين غير الأولى؛ كأنهم ليس
هم أولئك الأولون (كذا) ذلك لأن الناس دائمًا أسراء العادة، عُبَّاد المظاهر
إيمانهم في عيونهم، كما قال بعض العارفين. فهم دائمًا لا يستمعون إلا لمقال من
يكتسب صفات الاحترام العام، ولا يرضخون إلا لمن يحرز قوة النفوذ [١] ؛ وإذا
كان الأمر هكذا فلِمَ لا نكتسب هذه القوة لنتمكن من نشر الحقائق الإسلامية ونتوصل
إلى إعلاء كلمة الله، ثم لِمَ لا نكتسبها وهي التي ترفع الإنسان من الطبقات السافلة إلى
أعلى المراتب، وتجعله سلطان القلوب وقائد الأفكار.
ها هو فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبده واحد منا، انظر لماذا علا دون أمثاله
ولم وصل إلى أن صار صاحب الرأي الأعلى في سائر الشئون الأزهرية
وصاحب الاحترام والمكانة والكلمة المسموعة عند أكثر أهل الطبقة العالية، حتى
أمكنه أن يسود أكثر الذين يبغضونه، وقد كان في أول قدومه للأزهر عند الناس
كآحاد الطلاب. أشيء جاء بالصدفة أم هذا نتيجة العلم والاجتهاد؟ لا جرم أن هذا
كان أولاً نتيجة النفوذ المكتسب من قوة العقل، وحسن البيان، وإتقان العمل،
وذلك جعل له مكانة عند الطبقة العليا، وتلك المكانة أكسبته نفوذًا آخر، وجعلت
تأثيره أقوى، وقد تمكن بهذا وذاك أن يرأس العلماء، وتكون له كلمة التصرف حتى
على شيوخه ومن يبغضونه، وأن ينشر مبادئه ويدعو الناس إليها ويلبي دعوته كثير
من الناس، وهو لو عاد إليها في بدء نشأته ما اجتمع إليه أكبر المجتمعين حوله
الآن. اهـ.
ثم أطال في وصف الشيخ، ونفوذه مما لا حاجة إلى ذكره، وقد ذكرناه ليعلم
القارئ أن المؤلف لم يكتب إلا ما يعتقد، ولذلك لم يعمم إلا واستثنى.
ثم إنه انتقل إلى الكلام على (الكمال في الفعل) فانتقد عادات العلماء، وذكر
من مخالفتهم لِما عدَّه كمالاً، ذلك لا سيما حالهم في حفلات التشريفات وتشييع الجنائز
والمجامع، وفي مجالسهم الخاصة الحافلة، وفضَّل عليهم سائر الفرق. وقفى ذلك
بذكر (التنوُّر العام) أي المشاركة في فنون العصر وحال البشر في عامة شؤونهم
وقال في (ص٤٢) :
(لكن هناك من العلماء من يرى تنورهم قاصرًا على مناقشات الفنون والكتب
التي يدرسونها حتى لا يمكنه أن يخوض مع إنسان في حديث ما فيتقنه، وإن جلس
في مجلس عام لم يحسن التكلم فيه بل إما سكوت وإما كلام تمجه الأسماع ويأباه
الطبع السليم) اهـ.
ثم تكلم في مطالعة الجرائد والمجلات وقال ص ٤٣: (هناك من العلماء مَن
يرى أن كلام الجرائد كذب، لا تجوز قراءته، وهو رأي واضح الفساد؛ فإن عدم
قراءة الجرائد تجعل الإنسان في انحياز تام عن العالم، وبعيدًا عنهم كأنه ليس على
ظهر البسيطة؛ وتجعله أيضًا مُسْتَثْقَلاً مُحْتَقَرًا في أعين المتنورين، كما يحتقر
الجاهل أبسط الأشياء، حتى إنهم ليعدون مخاطبتهم له تنزلاً، ومجاراتهم
واحترامهم له تفضلاً؛ لأنه في أعينهم رجل بسيط لا يعرف إلا أحكام الدين ولا
يدري ما عليه الناس) ثم قال في المجلات خاصة: (ومن أهم ما يجب الاطلاع
عليه أيضًا المجلات العلمية كالمقتطف والهلال والمنار فإنها تطلع الإنسان على
معلومات لا يستغني عنها العالم؛ وحبذا لو امتلأت صفحات المجلات الدينية
بمقالاتهم الضافية وإرشاداتهم المفيدة) اهـ وللنقل بقية.
((يتبع بمقال تالٍ))