للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد الأصرم


أوربا والإسلام
ومقابلة بين الإسلام والمسيحية في المدنية لوزير فرنسي

كتب السيد محمد الأصرم من فضلاء التونسيين والموسيو دوديانوس المراقب
المدني الفرنسي في بلده سوسه من أعمال تونس بالاشتراك تقارير في الأحوال
التونسية، وقدم هذا التقرير إلى مؤتمر الاستعمار الذي اجتمع في مرسيليا سنة
١٩٠٦ الموسيو ميلي الذي كان في منصب الوزير المقيم لفرنسا بتونس، وجعل له
مقدمة بقلمه تلاها في المؤتمر. وقد ترجمها في هذه الأيام بعض التونسيين،
ونشرها في جريدة الزهرة، فرأينا أن ننشر الترجمة في المنار بعد تصحيحٍ ما
لعباراتها وهي:
هذا التقرير على صغر حجمه يبين مسألة من أكبر المسائل الحالية وهي العلاقة
بين أوروبا والإسلام.
كانت هيئة الاجتماع المسيحية في خلال القرن السابع للمسيح على حالة
محزنة، تتنازعها من جهة غاية التوحش ومن أخرى ما أصاب الفكر من التعمق
والتدقيق في مفاهيم الألفاظ، وعلى هيئات سياسية دخلت في سن الهرم، وسفاسف
دينية حلت محل اتساع أنظار القرون الأولى. فالسلطة كانت تميل أحيانًا إلى البطش
وطورًا إلى مقتضيات الضعف، لكنها في كلتا الحالتين كانت مقلقة للعباد، فرومية
كانت في جدال مستمر مع الآستانة (يعني بابا روسيه وبطرك الآستانة) ولم
يتمحض منصب البابا لسلطته، ويتخلص من الروابط الملوكية والتغالي في اعتقاد
القديسين (المرابطين) إلا وقد سقط في مهواة الوثنية، وتركت الواجبات العسكرية
واستبدل المأجورون بالعسكر النظامي، واضمحلت العائلة بالتجافي عن القيام
بالواجب، ولم تكن هناك حرية في الاعتقاد بل لم يكن رواج إلا لسخط القسوس
واضطهادهم لمن ينبس بينت شفة لا تلائم أغراضهم. وبالجملة فالحالة كانت في تلك
العصور محفوفة بجميع موجبات التأخر والانحطاط، فظهر الإسلام والحالة هذه
ونجح في تقدمه العجيب بسبب ما أحدثت السلطة اليونانية في النفوس من
السآمة والمقت.
جاء الإسلام مخالفًا لكثير من الأديان التي ضاعت حقيقتها في غمرات الأوهام،
فإن هذا الدين تنزه عما لا يعقل من الخوارق، وقام على الحجج البينات التي لم تزل
إلى الآن موجودة، غير أنهم في الغالب يحيدون به عن مقاصده؛ لأنهم يريدون
اختلاق الخوارق له مع أنها لم تكن، ويتضح كل الاتضاح إن سلمنا أن الإسلام جاء
مقاومًا للمسيحية حسبما كان يفهمها اليونانيون أنه - أي الإسلام - جامع بين السلطتين
الدينية والسياسية؛ كما أن ملوك بيزانس أي ملوك اليونان كانوا يدّعونهما.
وهو - أي الإسلام - قليل الغربة في أصوله؛ لأنه لم يكن المقصود منه في
ذلك الوقت تجديد اعتقاد الناس، بل تغيير انقيادهم الظاهري، فلما أثقلت كاهل
المسيحية اليونانية فلسفة القوم المنكرة، جاء الإسلام بنسخ التثليث وإزالة أدران
الفلسفة الإسكندرية؛ ولما بعدت حقيقة المسيح الكنيسية شيئًا فشيئًا عن البشرية،
وفشا اعتقاد تعظيم القديسين، حتى انحدر بالناس إلى عبادة بعض الأشياء من
الكائنات، جاء الإسلام بإرجاع المسيح - على تكريمه إياه - إلى نسبته البشرية
وبإنكار القديسين، ولما أضعفت أديار الرهبنات الدولة والعسكرية جاء الإسلام
بإبطالها، ولما كانت الغاية المسيحية إضعاف العائلات بإيثار العزبة على التزوج،
جاء الإسلام بكراهة تعمد قطع النسل وبالحث على التناسل بإباحة تعدد الزوجات،
ولما كانت الهيئة المدنية المسيحية منقسمة إلى مراتب وراثية متشعبة، وكانت الرتبة
الأولى فيها للقسيسين، جاء الإسلام بإبطال سلطة القسيسين وإزالة حق
الوراثة في المراتب والاستعاضة عنها بالاستحقاق الذاتي (لا فضل لعربي على
عجي إنما الفضل بالعلم والتقوى) كما أنه أزال الواسطة بين الخالق والمخلوق وبين
الرئيس والمرؤوس، ولما كان الملوك هم المحافظين على أصول الدين، واستحوذوا
بذلك على التصرف بالعقائد والمعتقدين من رعاياهم - جاء الإسلام بالتسامح والحرية
في الدين على شرط قبول الداخلين تحت سيطرته من غير المسلمين بأداء
الجزية، وهو أداء خفيف جدًّا. ولما كانت الصدقة الإنجيلية قد ضغطت تقريبًا تحت
استئثار أصحاب الرتبة المفضلة من الهيئة، جاء الإسلام بالحث على المعادلة
والتعاضد إلى حد لا نهاية بعده. وبالجملة إن الديانة المسيحية لم يكن تأسيسها إلا على
الخوارق، فالإسلام قد عدل عنها تقريبًا، وجعل نبيه بشرًا كسائر البشر. هكذا كانت
طباع الإسلام الأولى وإن اعترى فروعه تغيير بسبب ما اعترى المسلمين من
الأوهام، فأصوله لم تزل ثابتة إلى الآن.
وقد تجلى الإسلام ميسرًا ومستكملاً للإنسانية ومنزها عن الغموض ببساطة
الوحدانية المعقولة، وبذلك تباعد عن قضايا المعارضة بأنواعها، ولم يصد نموه ستة
قرون مضت في المجادلات الدينية، وأربعة مثلها مضت على الإدارة الرومانية [١]
ولم يكف ذلك حصنا للمسيحية بل حصل هذا الدين الجديد على كنز ثمين بسرعة
عجيبة [٢] وهو رغم ما سطرته كتبنا متسمر الدوام , وإذا تمحض للترفع بتنزهه عما
ذكر من الأدران، أمكنه تقديم متبعيه على متبعي المسيحية نحو ثلاثة أو أربعة
قرون، فإن معالم بغداد وقرطبة العلمية كانت منابع للأنوار الساطعة عندما كانت
معالمنا المسيحية منحنية على الجهل المطبق، فكل العلوم وكل الصنائع وكل الفنون
كانت تأتي من الشرق، وجمهوريات البحر المتوسط كانت تكتسب بسطتها من
علائقها مع مخالفيها في الدين.
وإن زهرة هذا التمدن النفيسة المحفوظة في أوانيها الجميلة الأنيقة كقصر
إشبيلية وحمراء غرناطة لم تزل تُخجل أشراف المسيحيين حتى اضمحلال العربية
بحيث أن مدة الإسلام المثمرة دامت نحو ثمانية قرون نهايتها سقوط غرناطة،
وكانت بعد ذلك فتوحات العثمانيين الذين تراهم على عدم التفاتهم لانفتاح الزهرة
الفكرية، قد أثبتوا للإسلام مدة قرنين أو ثلاثة عظمة سياسية وعسكرية.
وعليه فإن الديانة الإسلامية حافظت مدة ألف سنة على قوة انتشارها ونظامها
ولذا يصح أن نقول بحسب المدة على الأقل: إن وظيفتها تعادل وظيفتي اليونان
والرومان معًا.
هذا وبعد وقوف الشجرة الإسلامية عن النمو والإثمار، لم تزل عروقها آخذة
في الامتداد الخفي، وتنشق أرضها عن أخلاف غليظة في أماكن السودانيين، كما
إن أخلافها في آسيا تحمل مع الراحلة مادة التلقيح الهندي والماليزي والصيني [٣] .
فهاته الحقائق هي التي ينبغي استحضارها في الذهن عند إرادة التكلم عن
الإسلام باستخفاف! !
فإن قيل: كيف طرأ السكون على أهل عقيدة شريفة معقولة مثل عقيدة الإسلام؟
ولماذا وقفت في أفريقيا وآسيا الصغرى عن الإثمار الآن بعدما أثمرت سابقًا في
الفرس وأسبانيا، ثم لأي سبب كان هذا التقدم الأوروبي الحالي المترقي عما سواه؟
الجواب: إن مسألة مثل هذه لا يمكن تفصيلها في هاته الأوراق. لكن لنا أن
نقتصر على مجرد نتيجة فلسفية، وهي أن نقول: إن مدنيتنا المسيحية الأصل، قد
فتحت مجالاً متسعًا للنمو المادي، وإن نهضتنا في القرن السادس عشر قد منحتنا
جسارة في الفكر واختبارًا في الفحص العلمي ربما لم يعرفها المسلمون، وإن الذي
يهم في هذا المقام على كل حال هو اعتبار الحيثيات عند إرادة الحكم في هذا
الموضوع؛ لأن تقهقر المسلمين المشاهد: إما أن ينسب إلى نفس الأصول الدينية،
فيكون الإسلام محكومًا عليه بالاقتصار على الحياة المادية، وإما أن ينسب إلى
أسباب خارجية عارضة، فيكون قابلاً للنهضة والرجوع إلى ما كان عليه. لكن
هناك من السذج والأغرار من يقضي عليه قضاء مطلقًا بدون مراعاة الحيثيات
المشار إليها، ولعمري إنه يصعب عليهم بيان كيف أمكن لهذا الدين القاصر على
زعمهم إنتاج ثمار عجيبة في الزمن الماضي، وهم أناس لا يحسنون معرفة التاريخ
ويقتصرون في حكمهم على ما تشاهده أبصارهم.
قد انتشر هذا الفكر بفرنسا مدة المسألة الجزائرية من حيث علاقتنا مع الإسلام
ويوجد إلى الآن هناك كثير من الفرنسيين بقوا عليه. لكن وجدنا بمصر ثم بتونس
مسلمين من نوع آخر، ولذا لم يكن من الممكن ولا المقنع الاقتصار على حكم
استبدادي بسيط، ووجب الرجوع إلى الشواهد التاريخية، وقد يجب الاعتراف
حينئذ بأن طباع المسلمين عامة اعتراها تغيير من القرن الثالث عشر إلى القرن
الخامس عشر، وذلك تحت سلطة الأتراك بالمشرق وسلطة البرابرة بالمغرب، ففي
أسبانيا انقطعت العلائق بين المسلمين والمسيحيين بعد سقوط غرناطة دفعة واحدة،
والتعصب من الجهتين هو الذي حملهم على ذلك. وأما من جهة الآستانة فالعلائق
السياسية قد استمرت، ولكن العلمية سقطت في العدم، فالبرابرة بالمغرب والأتراك
بالمشرق سارا كأنهما جرمان ثخينان بطرفي السلك منعا سيلان الكهرباء فيه.
والحقيقة أنه من تاريخ عدم التفاهم بين المسلمين والمسيحيين، قد اختارت كل
فرقة من أساليب دينها ما يلائم إحساسها، فعقيدة القضاء والقدر ليست هي أساس
الأعمال في الإسلام؛ بدليل أن القرآن لا يرى مانعًا من تقدم الأمم بتعاطي أسباب
التقدم. لكن عقيدة القدر تسري بالعرض والتبعية إلى فكر المسلم الساذج؛ بمعنى أن
تصرف الخالق في المخلوق يكون مباشرة (أي بلا سعي ولا سبب) ولذا ترى
المرابطين علماء اللاهوت من البرابرة يبالغون منذ ظهروا في التمسك ببعض
النصوص الدينية مع خلوها عن الفائدة، ويخطبون في الناس كبعض أهل المذاهب
المسيحية؛ مقاومين لكل تمدن، وأعانهم على ذلك عربان الخيام بأفريقية، وتمموا
هذا المشروع المنتج للصلابة واليبس، مع كونه انتزع من الدين لينه ومساعدته
على اكتساب التمدن وقصره على حركات بدنية، لكن الفرق المستنيرة التي يحاكي
ليان أفكارها ليان البحر المتوسط، انسحبت مع أمواجه وتجمعت ببلدان السواحل؛
لتقتحم تعب المدافعة ومصادمة البربرية. ففي الجزائر سابقًا، وفي مراكش الآن
عروش الخيام يعني الذين ولد فيهم الجهل شدة التعصب الديني هم الذين وجدناهم
عرضة لنا. ويجب أن نتفاهم في معنى التعصب هنا، وهو أن هاته العروش إنما
يتعصبون للاستقلال والهمجية، فالدين عندهم هو الراية التي يتخذونها وسيلة لتغطية
بغضهم للأجنبي، فالرحالون لم يكن أوائلهم مسلمين، مع أنهم كانوا يبدون مثل هذه
الإحساسات بعينها نحو الفاتح الروماني، وكان الأمر يشتبه علينا في الزمن السابق،
فيظهر لنا أن الأخذ بثأرنا من هذه العروش أمر طبيعيي، وأن ذلك يكون باغتصاب
أملاك المساجد والجوامع مطلقًا، حتى أرشدتنا التجربة فيما بعد إلى حقائق الأمور،
فعاملنا التونسيين بمزيد الاعتبار، فاحترمنا دولتهم وعوائدهم وشرائعهم وعدليتهم
وجوامعهم وأملاكهم. وفي الحقيقة، إن ما وجدناه بتونس لم نجده بالجزائر: وجدنا
بتونس نخبة من الأعيان الأهليين ومجتمعًا لمزاولة العلوم وهو جامع الزيتونة، فإنه
وإن انحطت شهرته عما كان عليه في القديم، لم تزل به مادة الحياة قوية تؤذن
بقرب عود اخضراره، وهاته الحالة المساعدة أمكننا معها أن نخطو خطوة زائدة
سنة ١٨٩٨ وهي تأسيس جمعية من شبان التونسيين المتعلمين تحت عنوان
الخلدونية؛ تذكارًا للمؤرخ العربي ابن خلدون، وتكفلت هاته الجمعية بإدخال الفنون
الأوروبية بين طلبة الجامع الأعظم، وافتتحت دروسها بمسامرة نظامية، وقام أحد
مدرسي الجامع الأعظم ببيان أن لا نفرة بين الإسلام والعلوم العصرية.
وأخيرًا وقع اقتداء بالجزائر (كذا) قبول بعض أفراد من الأهلين بمجلس
الشورى المعمرين، ولم يبق في الإمكان أن نرجع فيما منحناه للأهالي من حق التكلم
والمناضلة، ولا أن نسد أفواههم، وقد بادروا لاستعمال هاته الوسيلة بالانتقاد على
عدم الاهتمام بشؤونهم وهضم جانبهم المتجدد في كل حين الذي يحملنا على ارتكابه
العجب الأوروبي، فمع كوننا نحترم عوائدهم سياسة، فإننا لا يهمنا أن ندوس
حقوقهم بما لنا من عدم الاكتراث الذي طالما اتصف به الغالب المعتقد أفضليته
المطلقة على المغلوب.
فهذه التقارير التي ستقرأ عليكم، يتكون منها كراسة المطالب الإسلامية
التونسية، وأهم غرابتها كونها تؤذن بالمشاركة والتعاون بين العنصر الأوروبي
والعنصر الأهلي، وفيما أظن أن هاته أول مرة أبيح فيها لمسلم انتقاد آراء غيره
زيادة على إبداء رأيه في تقرير رسمي، على أن استعمال السيد محمد الأصرم لهاته
الحرية، هو في نفسه أقوى برهان لتأييد رغائب بني جنسه ودينه، ومن المستحيل
أن يأتي هذا الكاتب بأكثر مما أتى به من التلطف في التعبير مع صحة المعنى
واستقامة الدليل في عرضه التشكيات المقبولة. كأن حجابًا يتمزق ليرينا من ورائه
باطن هيئة لا ترى منها إلا ظاهرها. أما قيمة النتائج التي يعرضها علينا، فإنها
دون ما فاجأنا به من بيان مقاصد الديانة الإسلامية الحقيقية. وبهاته المناسبة نبادر
لزيادة الحث على قراءة الفصل ١٩ والفصل ٢٠ المتضمنين لما عليه الإسلام الآن،
بالايالة التونسية وما تأتيه الطرق الدينية فيها.
ولا يخفى أن الكاتب من المسلمين، وهو الذي أفادنا أن عربان العروش هم
من أردأِ المسلمين من حيث العقائد، بخلاف سكان المدن فإنهم متخلقون بأخلاق
المسالمة، وإن الوسيلة الوحيدة للتغلب على هذا التعصب الأعمى هو الحث على
قراءة القرآن التي تركت الآن تقريبًا، وعلى نشر المعارف والرجوع إلى أخلاق
الإسلام التي منها فعل الخير والتعاضد والتسامح، وهو الذي يؤكد لنا إقبال المسلمين
المستنيرين على العلوم الأوروبية، وهو الذي يرينا ما في الطرق الدينية والإفراط
في الميل إلى الدراويش من الأسباب المغايرة لوجهة الإسلام. وترى مما ذكره لنا
من قواعد بعض الطرق أن هناك شيئًا يشبه قواعد الجزويت (عصبة دينية ديدنها
التحيل والاستئثار) وهو الانقياد الأعمى المعبر عنه باللاتينية عندهم (كن كجثة) .
فهذه الملاحظات حرية بالاعتبار في أسباب التقهقر العارضة للإسلام الذي جاء
معارضًا للخوارق المسيحية، فأسقطوه في ما جاء معارضًا له بإحداث ما يصفونه
بالتصوف الذي تولدت منه أنواع من الخوارق، ربما كانت أكثر خطرًا من أمثالها
في المسيحية. فالإسلام أمر بالمساواة والتوجه للعمل، وعدل التمتع بنعيم الدنيا،
فطرأ على هذه الأوامر ما اختلقته الطرق الدينية من التوكل الأعمى الباعث على
عدم التبصر في العواقب ومن الفقر (الزهد) والطاعة العمياء والجمود، وهي كلها
مهيئة لمناهج كل استبداد. وتنزه الإسلام عن الموان (فرقة من الرهبان) فجاءت
الأوهام البربرية وأحيته في الدراويش، ونعني بالموان هنا التوارث الذي يتعاطى
شيئًا من أنواع السحر، والمرفوع عنه التكليف (كذا) وعليه إن كان المسلمون في
تقهقر؛ فلأن الإسلام انحرف عن أصوله ووجه لغير مرامه. لكن الجراثيم اللازمة
لنهضته لم تزل كامنة فيه، ولذلك يلزم الرجوع إلى القرآن بعد تفسيره واستخراج
ثماره بطرق العلوم العصرية، فأول أمة أوروبية تتجرد عن أوهامها القديمة وتفهم
هذه الخطة العالية، يمكنها بذلك أن تتقدم على غيرها تقدمًا عجيبًا، فإن تعاطيها لما
ذكر يكون له أحسن صدى في قلوب مائتي مليون من المسلمين.
فاليوم الذي تشمر فيه فرنسا عن ساعد الجد، وتسعى في تعليم وتربية الأهالي
ولا نقصد بذلك أن تلزمهم بنظاماتنا بل أن تسير بهم في مناهج التقدم الملائمة
لطباعهم هو اليوم الجميل حسب قول (مسيو جونار) الذي تحصل فيه على أكثر من
فتح الممالك؛ إذ به تتحقق لها السلطة على الأرواح اهـ.
(المنار)
سنبين في الجزء الآتي رأينا في هذه المقالة أو المقدمة.
((يتبع بمقال تالٍ))