للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الكاتب: محمد رشيد رضا


نهي الصحابة ورغبتهم عن الرواية

روى ابن عساكر عن محمد بن إسحاق قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم من الآفاق - عبد الله بن حذيفة
وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر - فقال: ما هذه الأحاديث التي أنشيتم عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآفاق؟ قالوا: (تنهانا؟) (قال: أقيموا
عندي لا والله لا تفارقوني ما عشت , فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم) فما
فارقوه حتى مات) .
وروي أيضًا عن السائب بن يزيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي
هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لألحقنك بأرض
دوس. وقال لكعب (الأحبار) : لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة.
وروي عن أبي أوفى قال: كنا إذا أتينا زيد بن أرقم فنقول: حدثنا عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم. فيقول: كبرنا ونسينا , والحديث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم شديد.
ورُوي عن عبيد الله بن عدي بن الخيار قال: بلغني حديث عن عليّ خفت أن
أصاب أن أجده [١] عند غيره، فرحلت حتى قدمت عليه العراق، فسألته عن
الحديث فحدثني وأخذ عليَّ عهدًا أن لا أخبر به أحدًا، ولوددت لو لم يفعل
فأحدثكموه.
ورُوي عن عمرو بن دينار قال: حدثني بعض ولد صهيب أنهم قالوا لأبيهم:
ما لك لا تحدثنا كما يحدث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: أما
إني قد سمعت كما سمعوا ولكني يمنعني من الحديث عنه أني سمعته يقول: (من
كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) ولكني سأحدثكم بحديث حفظه قلبي
ووعاه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أيّما رجل تزوج امرأة ومن
نيته أن يذهب بصداقها لقي الله فهو زانٍ حتى يموت، وأيما رجل بايع رجلاً
بيعًا ومن نيته أن يذهب بحقه فهو خائن حتى يموت) ورواه غيره والحديثان
المرفوعان فيه مشهوران. وصهيب من السابقين الأولين رضي الله عنه.
وروى أحمد وأبو يعلى (وصحح) عن عثمان قال: ما يمنعني أن أحدث
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أكون أوعى أصحابه عنه، ولكني أشهد
أني سمعته يقول: (من قال علي ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار) .
وروى ابن سعد وابن عساكر عن محمود بن لبيد، قال: سمعت عثمان بن
عفان على المنبر يقول: لا يحل لأحد يروي حديثًا لم يسمع به في عهد أبي بكر
ولا عهد عمر؛ فإني لم يمنعني أن أحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
لا أكون أوعى أصحابه إلا أني سمعته يقول: (من قال عليَّ ما لم أقل فقد تبوأ
مقعده من النار) .
وروى أحمد والدارمي وابن ماجه وآخرون من حديث أبي قتادة عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا أيها الناس إياكم وكثرة الحديث عني، فمن قال
عني فلا يقولن إلا حقًّا وصدقًا، فمن قال عليَّ ما لم أقل، فليتبوأ مقعده من النار)
وقد روي عن بعض الصحابة الاعتذار بهذا الحديث المتواتر عن التحديث أو كثرته.
وقد فتح الحافظ ابن عبد البر بابًا في كتاب (جامع بيان العلم) لبحث ذم
الإكثار من الحديث، وقيده بقوله: دون التفهم له والتفقه فيه، قال - كما في
مختصره:
(عن الشعبي عن قرظة [٢] بن كعب قال: خرجنا فشيعنا عمر إلى صرار [٣]
ثم دعا بماء فتوضأ، ثم قال لنا: أتدرون لم خرجت معكم؟ قلنا: أردت أن
تشيعنا وتكرمنا. قال: (إن مع ذلك لحاجة خرجت لها، إنكم لتأتون بلدة لأهلها
دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأنا شريككم) قال قرظة: فما حدثت بعده حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم. وعنه أيضًا قال: قال لنا: أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأنا شريككم. وفي رواية عن قرظة أيضًا، قال: خرجنا نريد العراق فمشى
معنا عمر إلى صرار فتوضأ فغسل اثنتين ثم قال: أتدرون لما مشيت معكم؟ قالوا
نعم نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيت معنا (لتكرمنا) فقال:
إنكم تأتون أهل قرية لها دوي بالقرآن كدوي النحل فلا تصدوهم بالأحاديث لتشغلوهم،
جودوا القرآن وأقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، امضوا وأنا
شريككم. فلما قدم قرظة قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب.
وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة جاء فجلس
على جانب حجرتي يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمعني، وكنت
أسبح (تعني أنها تصلي) فقام قبل أن أقضي تسبيحي، ولو أدركته لرددت عليه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم.
(وعن أبي الطفيل قال: سمعت عليًّا على المنبر يقول: أتحبون أن يكذب
الله ورسوله لا تحدثوا الناس إلا بما يعلمون.
وعن أبي هريرة أنه كان يقول: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعائين: فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته لقطعتم هذا البلعوم (والبلعوم:
الحلقوم) وعنه أنه قال: لقد حثدتكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر بن الخطاب
لضربني عمر بالدرة اهـ.
أقول: فلو طال عمْر عمر حتى مات أبو هريرة في عصره لما وصلت إلينا
تلك الأحاديث الكثيرة عنه، ومنها ٤٤٦ حديثًا في البخاري ما عدا المكرر.
وقد ذكر ابن عبد البر لنهي عمر وهو أمير المؤمنين عن التحديث تأويلات
(منها) أنه (إنما كان لقوم لم يكونوا أحصوا القرآن فخشى عليهم الاشتغال بغيره
عنه إذ هو الأصل لكل علم) وأقول: إن ما رواه في ذلك عن قرظة ينافي ذلك،
فقد نهاهم عن تحديث قوم يحفظون القرآن، يفتأون يتلونه لأصواتهم به دوي كدوي
النحل. ولو أراد نهيًا مقيدًا بهذا القيد لقال: لا تحدثوا إلا من حفظ القرآن. وقد
عزا هذا القول لأبي عبيد قال: (وقال غيره: إنما نهى عمر عن الحديث عما لا يفيد
حكمًا ولا سنة) وهذا أضعف مما قبله وقد عزاه إلى مجهول، وماذا يعني قائله
بالحديث الذي لا يفيد حكما ولا سنة؟ أهي الأحاديث عن شمائله صلى الله عليه
وسلم وأخلاقه؟ كيف وهي أنفع من أحاديث الأحكام الفقهية؟
ثم ذكر أن بعضهم رد حديث قرظة هذا؛ لأن الآثار الثابتة عن عمر خلافه
وذكر من هذه الآثار أمر عمر أن يبلغ عنه أن الرجم مما أنزله الله على نبيه في
الكتاب. أقول: وهذا الأثر لا يصلح دليلاً؛ لأنه إنما نهى عن اشتغال الناس
بالحديث عن الكتاب الذي هو أصل الدين. فإذا ادعي مدع أن عمر ما كان يريد أن
يجعل الحديث أصلاً من أصول الدين، يمكنه أن يقول: إن حكم الرجم في رأيه من
أحكام القرآن لا من أحكام الحديث غايته أن آيته نسخت تلاوتها، فالأمر بتبليغه أمر
بتبليغ حكم قرآني، فلا يعارض النهي عن التحديث.
ثم ذكر وجهًا آخر لرد حديث قرظة، وهو معارضة الكتاب والسنن له كقوله
تعالى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: ٢١) وقوله:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} (الحشر: ٧) وقوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
مُّسْتَقِيمٍ} (الشورى: ٥٢) قال: ولا سبيل إلى اتباعه والتأسي به إلا بالخبر عنه.
وقد يجاب عن هذا بأن صراطه المستقيم هو القرآن والسياق يعين ذلك، وأن
من يعمل بالقرآن يكون متأسيًا به لحديث عائشة في صحيح مسلم وغيره (كان خلقه
القرآن) وأن سنته التي يجب أن تكون أصل القدوة، هي ما كان عليه هو وخاصة
أصحابه عملاً وسيرة، فلا تتوقف على الأحاديث القولية. وأما الأمر بأخذهم ما
يعطيهم الرسول فهو في قسمة الفيء ونحوه ما في معناه، والحديث الذي نحن
بصدده لا يعارض ذلك.
وذكر من أمثلة معارضته السنن حديث (نضّر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها
ثم أداها إلى من لم يسمعها) بناء على جعلهم الأحاديث القولية من السنن، وهو
اصطلاح للعلماء توسعوا فيه بمعنى السنة، فجعلوها أعم مما كان يريده الصحابة
من هذا اللفظ (السنة) وهي الطريقة المتبعة التي جرى عليها العمل. والحديث
يصلح معارضًا للنهي عن التحديث وبينهما يطلب الترجيح. ويقول ابن عبد البر: إن
عمر كان يريد النهي عن الإكثار لا عن أصل التحديث، وهو كما ترى، وإن الأخذ
بالمرفوع مقدم. أقول: وههنا شيء آخر وهو إقرار الصحابة لعمر على نهيه، وقد
يعارضه أنهم حدثوا فلم ينتهوا، وقد مر بك أن أبا هريرة كان يحدث بعده، فكأن
اجتهادهم اختلف في المسألة.
ومما ذكره ابن عبد البر عن عمر في معارضة حديث النهي قوله: (تعلموا
الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن) فسوّى بينهما، وعن مورق العجلي أنه قال:
كتب عمر: تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن، والجواب عن هذا
يعلم مما قبله؛ وهو أن تعلم السنة غير التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،
فإن السنة سيرته صلى الله عليه وسلم، وتعرف من الصحابة بالعمل وبالأخبار
كنحو (من السنة كذا) كما كانوا يقولون، والتحديث عنه نقل كلامه كما هو
المتبادر، وإن اصطلح المحدثون بعد ذلك على تسمية كل كلام فيه ذكر النبي صلى
الله عليه وسلم حديثًا وسنة. ومنه تسمية ابن عبد البر نفسه لرواية قرظة التي هي
موضوع بحثنا حديثًا، وفسر اللحن في أثر عمر عن مورق فقال: قالوا: اللحن
معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به.
ثم قال: وعمر أيضًا هو القائل: (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)
وهو القائل: (سيأتي قوم يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب
السنن أعلم بكتاب الله عز وجل) وأقول: إن هديه صلى الله عليه وسلم ليس
موضع اشتباه، وأما سنته فلو أريد بها هنا أقواله لكان فيها من الشبهات ما في
القرآن أو أكثر؛ لأن القرآن أعلى بيانًا وقد نقل بالحرف، والحديث كثيرًا ما نقل
بالمعنى. فالسنة لا يراد بها إلا السيرة والطريقة المتبعة عنه صلى الله عليه وسلم
بالعمل، والعمل لا تعترض فيه الشبهات. فلذلك أمر بالاحتجاج عليهم بالسنن. ومثل
هذا أمر علي لابن عباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج، قال: (لا تخاصمهم
بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة فإنهم لن
يجدوا عنها محيصًا) . اهـ من نهج البلاغة.
ومن العجائب أن يغبى بعض المحدثين أحيانًا عن الفرق بين السنة والحديث
في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة، فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي
أحدثوه بعد ذلك، وليس لنا أن نلوم بعد هذا ذلك العالم الفرنسي المستشرق الذي قال
لي مرة: إن الصحابة كانوا يقدمون الأحاديث على القرآن وذكر لي قول علي لابن
عباس، فقلت له: إنه لا يعني بالسنة الأحاديث فإنها ذات وجوه تحتمل تأويل
المجادلين كالقرآن، وإنما هي الطريقة المتبعة بالعمل. مثال ذلك احتجاج علي على
معاوية وأصحابه بحديث عمار (تقتله الفئة الباغية) فقد أوله عمرو بن العاص
فقال: إنما قتله من أخرجه. يعني عليًّا؛ ولكن لا سبيل إلى تأويل كيفية الصلاة
وعددها وكيفية الحج لأنها ثابتة بالسنة. ولا يخفى أن السنة بهذا المعنى تشمل ما
هو مفروض وما هو مندوب وما هو مستحب كما مر جوابه.
هذا، وإن المبحث كبير ولا سبيل إلى تحريره واستيفاء فروعه في هذا الجزء،
فنكتفي بما تقدّم في الوفاء بما وعدنا به في الجزء الماضي.
وليعلم القارئ أن هذا البحث الأصولي بمعزل عن مسألة اهتداء المسلم بما
يصح عنده من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، فتلك الأقوال هي ينابيع الحكم
ومصابيح الظلم، وجوامع الكلم، ومفخر للأمة على جميع الأمم، بل إن في
الأحاديث التي لم تصح أسانيدها من البدائع، والحكم الروائع، والكلم الجوامع، ما
تتقاصر عن مثله أعناق العلماء، وتكبو في غاياته فرسان الحكماء، ولا تبلغ بعض
مداه قرائح البلغاء، ولا غَرْوَ فإن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده
كما إن منها ما أشكلت متونه وإن سلم من الطعن رواته، وأنى لغيرنا ببعض ما
عندنا من الأسانيد لأقوال حكمائهم، أو لكتب أنبيائهم، فنحن يسهل علينا من
التمحيص والتحقيق ما لا يسهل على غيرنا، فليتدبر المتدبرون، وليعمل العاملون.